قرأت بالصدفة، أو بالاختيار نسيت بالضبط بعضا من محاضرات الحائزين جائزة نوبل للآداب بين 2000 و2010 بترجمة لعبد الودود العمراني. ما شدّني في الكتاب أنّ المحاضرين كتبوا بأساليب راقية فيها نظرة تجمع جمعا لطيفا بين الكون الضيق والخصوصي، الذي عاشوا فيه، والكون بمفهومه الواسع الذي يعدونه عالمهم الذي هو قريب منهم مهما تناءى.
تشترط لجنة إسناد الجائزة الأدبية على المترشّحين أن يقدّموا «أعظم المنافع للإنسانية»، وهذا شرط عامّ لكلّ جوائزها؛ ويختص أهل الأدب بأن تكون منتجاتهم العامّة «ذات توجّه مثالي». والسؤال كيف لي أن أكتب بلغة طبيعية: الإسبانية أو الفرنسية أو الإنكليزية، وأقدم لقراء العالم ذوي الألسن المختلفة أعظم منافع الإنسانية؟ هل سيفهمها كلّ لسان بطريقته الخاصّة، أم أنّ للإنسان طرقا في بناء الكون كونية؟ بعبارة أخرى هل أنّ المنافع هي بهذا الاتحاد والاشتراك حتى تكون إنسانية؟ وهل يصنع الأدب منافع لجمهوره المباشر حتى يتعدّاها إلى الإنسانية؟ وهل إذا صنعها يمكن أن تصل إلى كلّ لسان، كما أريد لها في لسانها الأصلي الذي كتب بها؟ لن نسأل عن الطبيعة المثالية المنشودة فقد فصلها في الكتاب كيال إسمبارك Kjell Esmpark أحد من ترأس لجنة نوبل حين قال، إنّها مثالية محافظة على الأقلّ في مرحلة مهمّة من مراحلها الأولى، يقول اسمبارك:» تميّز المثالية المحافظة (نسخة محلّية من الفلسفة الهيغلية) مجموعة المعايير التي نتجت عنها جوائز يورستيرن ورديارد كيبلنغ وبول هايد واستبعاد ليو تولستوي وهنريك إبسن وإميل زولا» ( محاضرات الحائزين جائزة نوبل للآداب 2000- 2010: 11). لكنّ القارئ يعرف لا شكّ إميل زولا وتولستوي ولا يعرف الفائزين بنوبل الممتثلين للمثالية المحافظة المقررة سلفا.
كانت اللغة في التصور الهيغلي المثالي وعاء للفكر وكان يرى أنّ الفكر لا يتطوّر خارج اللغة: هذا التصوّر لا يؤيّده العرفانيّون اليوم لأنّهم لا يعتبرون اللغة وعاء لشيء، ولا ينظرون إلى الفكر في سياق تطوّري يمكن أن تصنعه، أو لا تصنعه اللغة، بل هم يعتقدون أنّ الذهن يعالج اللغة في سياق من التفاعل مع الخارج الثقافي والوعي المجسدن للذات. يمكن أن تجد في اللغة روحَ الكون الصغير أو الكبير هذا فيه شيء من روح المثالية لكنّه كلام يحتاج عند العرفانيّين تدقيقا: إنّنا نبني الكون اعتمادا على تمثيلات تختلف باختلاف الزوايا التي يطلّ منها كلّ منّا على الكون، وهي زوايا متعدّدة الاختلاف. حين يقول ألبرت كامو وهو متوج بنوبل عام 1957في مطلع «الغريب»: «اليوم، ماتت أمي. أو ربما بالأمس، لا أدري. تلقيت برقية من المأوى: «الأم متوفاة.. الدفن غداً. أحرّ التعازي».
«هذا لا يعني شيئاً.. ربما كان ذلك بالأمس»، فإنّ البناء اللغوي المكتوب في الأصل باللغة الفرنسية، يلعب على شيء مجاوز للغة هو قهر العادة وليس كسرها. قهر العادة هو درجة أعلى من كسرها. العادة تخلقها الرتابة وتكرسها اللغة باليومي المألوف في الأساليب والكلام؛ وكسره يكون بأن تخرج فيها عن المعتاد، ولكن تبقي على علاقة الاحترام الأبويّ لذلك المألوف، وعادة ما تكون الاستعارات والصور المجازية هي ما يعبر بك عبورا شرعيّا بجواز سفر إلى الضفة المقابلة، وفيها يسبح الناس بلباس الصيف المحترمة اللائقة، سباحة لا تخرج عن أنساق السباحة. صحيح أنّها سباحة تبرز المفاتن، لكنّها لا تعصف بهيمنة الأخلاق على الجسد اللغوي. على تلك الضفة يقول الناس بدلا من صباح الخير، أشرقت الشمس وهم يقصدون شمسا آدمية لا تلغي الشمس الطبيعية.
لكنّ قهر اللغة هو أنّها تستعمل عباراتها وتلبس ثيابها، لكنّها لا تومئ إلى أيّ شيء من المعتاد، أو المكسّر للمعتاد. هي تقتل كل النواميس، في الوقت الذي تستعمل فيه نواميس اللغة. وهذا ما فعله مقطع «الغريب» فالمتحدث بدا غير مبال بموت الأمّ من خلال استهانة غريبة بجهله بحدوث يوم وفاتها، وعدم استغرابه هو، أو من يسرد له من استهانته تلك. هو لا يدري أكان ذلك اليوم، أم أمس . إنّها «لا أدريّة» فوق لا أدريّة الفلاسفة: هم لا يدرون من أين أتوا، ولا أين هم ماضون وهو لا مبال بحدث الولادة والموت معا، وغير آبه بأنّ موت الأمّ بجلالته مدهش. إن كان موت الأمّ مدهشا وكارثيا فإنّ هناك ما هو أكثر إدهاشا وكارثية منه: أنّ ابنا لا يعرف متى حدث الموت.
هناك لعب على غموض اللغة في هذا النصّ باستعمال الظرف الذي يتحدّد بالمقام أو ما يسمّيه اللسانيّون المشيرات المقامية: عبارة «اليوم» لا معنى لها في ذاتها فـ»اليوم» ظرف مقاميّ يتحدد باللحظة التي قيل فيها كلمة اليوم، ولكنّ هذه اللحظة مجهولة، أو قابلة في كلّ لحظة للتجدّد بتجدد قولك لها. في النادرة التي كتب فيها صاحب مطعم (غدا الأكل مجانا) القوة تكمن في أنّه لن يكون هناك أكل مجاني بالمرّة، لانّ الغد لا وجود له فعليا. فمن الغباء أن يصدّق المرء أنّه سيكون في اليوم التالي ليومه، لأنّ ذلك الغد بات وأنت فيه «اليوم». سيكون الدفن غدا ولكنّ في الغد هلاميّة وسطحية لا يتحدّد بالزمن الذي توصل فيه الابن بالبرقية، بل بزمن كتابتها لكن متى كتبت؟ ومتى ماتت؟ ومتى الدفن؟ كل شيء مسجّل في زمن نسبيّ إشاريّ مجهول اللحظة، أو هو قابل للضياع: اليوم واللحظة يموتان بمجرّد أن يزولا، والغد متى يكون غدا من غير أن تعرف ما أمسه؟
قهر اللغة هو أن تستعملها وأنت تفهم معناها، لكنّها تفقد ظرفية قولها لأنّك كنت غائبا عن الظرفية التي أنتجت فيها؛ فحتى تحيا وتبني المقام عليك أن تكون مقيما لا في مأوى عجز تنتظر الوقت المقبل، وقت الموت أن يأتي، بل أن تصنع أنت المقام ولن تصنعه إلاّ بالتحكم في لحظة الكلام عندها سيعرف اليوم والغد والأمس. حين يكون «اليوم» لا يومك الذي أنت حاضر فيه، بل يوم آخرين، فقدت الغد والأمس. حين طلب الغريب رخصة بيومين من مؤجّره قال له ليس الخطأ خطأي. هذا صواب بمنطق الأشياء، ولكنّه على صوابه قهريّ، فإن يموت الآخرون ليس خطيئة الأحياء، كذلك أمر اللغة حين تموت ليس في موتها خطأ ارتكبه الأحياء الذين لا يتكلمونها، هو خطأ آخر من تكلمها ومات ولم يعلمها غيره. قهر العادة عند البشر أن تظنّ أنّ الحيّ ما زال حيّا ثمّ يموت؛ وقهر العادة اللغوية أنّ المتكلم يظلّ يخفي سرّ لغته حتى يموت هو والسرّ واللغة: إن اعتبرت لغتك سرا وفيها أسرار قتلتها غيلة، وأنت تريد أن تخفيها عن عيون الحاسدين، فأذعها يرحمك الله ويرحمها.
ونختتم ودون تحليل بمقطع فيه قهر لغوي لك أن تكشفه في لغة زلجة على قبور الماء المقطع للروائية الكورية الجنوبية هان كانغ Han Kang المتحصلة على أخر نوبل للآداب 2024، التي أثنت عليها لجنة الجائزة بقولها، إنها استحقت تلك الجائزة «لنثرها الشعري المكثف الذي يواجه الصدمات التاريخية ويكشف عن هشاشة الحياة البشرية»، تقول في روايتها «الوداعات المستحيلة»: «هل أنا في مقبرة؟ تساءلت في قرارة نفسي. أكلّ هذه الأشجار شواهد قبور؟ أمشي بين الجذوع السوداء، وقد استقرّت فوقها نُدف الثلج، كأنها بلّورات ملح، وخلف كل شجرة يرتفع تَلّ صغير. توقّفت فجأة إذ شعرت تحت حذائي الرياضي بخفقات خفيفة أشبه بتموّجات الماء. قلت في نفسي هذا غريب، فيما ارتفع الماء حتى غطّى قدمي. استدرت. لم أصدّق عينيّ. إنّ الطرف الآخر من الحقل، الذي ظننته أرضا ممتدة نحو الأفق، لم يكن سوى بحر. والمدّ لا يزال يعلو. دون أن أدري، نطقت بصوت مرتفع: هل أنا في مقبرة؟ تساءلت بيني وبين نفسي: أيّ فكرة مدهشة أن تقام قبور في مكان مثل هذا».
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية.