إلياس خوري: سرديات الغائب.. سرديات الشاهد

يمكن أن نعدّ الروائي إلياس خوري صانعا للحكايات، يكتب عن شخصياتها، وعن عوالمها، وكأنها جزء من تمثلات سيرته الثقافية، تلك السيرة الحافلة بسرديات مفتوحة، حيث تشتبك سردية الحرب، بسردية الهوية، وسردية المكان بسردية الجسد، وحيث يكون البحث عن «المعنى» هو جوهر اللعبة السردية، التي اصطنع لها الروائي، سرديات موازية، حيث يشتبك اليومي بالأسطوري، والسيري بالتاريخي، وعلى نحوٍ يبدو فيها الروائي الأقرب إلى «الشاهد الثقافي»، الذي يرى العالم من خلال «الصراع»، بوصف هذا الصراع هو الوعي بتمثيل أسئلته الوجودية، ورؤيته للعالم، مثلما هو تمثيل لوظائف شخصياته، في وجودها، وفي احتجاجها، وفي أسئلتها إزاء الفقد والغياب والنسيان.
علاقة إلياس بالحكاية، هي علاقته بما يشبه التطهير، حيث يجد الروائي بوظيفة الحكواتي عالما، تتنامى أحداثه، أو تتقاطع، لكنها تلتقي عند فكرة مساءلة الواقع، بوصفه واقعا إشكاليا، أو بوصفه جزءا من رؤيته لهذا الواقع، وهذا جعل سردياته الفلسطينية تتحول إلى سرديات شخصية، يُدرك من خلال مدوناتها رعب ما يحوطه، وغرائبية ما يحمله «المخفي والمسكوت عنه» فيها، فكانت روايته «باب الشمس» من أكثر الروايات استغراقا في المتن الفلسطيني، فهي ليست رواية تانريخية، ولا سياسية، لكنها رواية يكتبها «الشاهد» الذي يرى نكبة 1948 من خلال وعيه، فتتبدى الأحداث وكأنها مواجهة للمحو والطرد، مثلما هي شغف بالبقاء داخل السرد، والواقع، ما بين الطرد والبقاء يكشف لنا إلياس عن غرائبية الصراع، وعن حمولاته الرمزية والأسطورية والنفسية، فعودة «يونس الأسدي» متسللا إلى الأرض، ليس تمثيلا رمزيا لتلك العودة، بل هو تمثيل لوعي يتعالى بفعل المقاومة والرفض والشغف بالبقاء، فيقترح وجوده السردي المضاد عبر ثيمة التسلل، كنوع لرفض المحو والطرد. حتى اللقاء مع زوجته «نهيلة» في «غارة باب الشمس» يدخل في نسق المكان المضاد، والعشق المضاد، وهي تشكلات سيميائية لها حمولة سيمائية تجعل من فكرة البطولة قائمة على أساس العلاقة بين المكان والمحبوب، وعلى أساس وعي الصراع بالوجود عبر مقاومة الاحتلال..
في رواية «يالو» يضعنا إلياس خوري إزاء خفايا الحرب الأهلية اللبنانية، كاشفا عن التحول الذي يواجهه «يالو» جرّاء خضوعه إلى هيمنة الحرب، فيعيش معها انفصامه، ورهاب أزمته الشخصية، بوصفها أزمة وجود، وأزمة عنف يسحقه واقعيا ورمزيا، فالجرائم التي يرتكبها «يالو/ دانيال» تتحول إلى صراع عميق، يجعله يفقد أي إحساس بالمعنى، خاضعا إلى استيهامات الشعور بـ»الخطيئة».
تحولات الشخصية التي يرصدها الروائي تبدو وكأنها علامات لإدانة الحرب، وثيمة الفقد، ولما تصنعه من وثائق مضادة، هي جزء من سردية الشهادة، التي يمارسها الروائي، بوصفه الرائي، والمراقب والمدون، حيث يجعل من شخصيته الأضحوية، والمشوهة، إزاء إحساس طاغ تجعله بفقد الثقة بالعدالة والحب والمساواة، وأن ما يتعرض له من عقاب يجعله أكثر تشوها وإحساسا بجحيم الصراع الذي يفرض شروطه على الواقع..
رواية «سينالكول» حملت معها سردية نقدية للواقع للبناني، فبقدر استغراقها في محنة « الحرب الأهلية اللبنانية» فإنها كشفت عن تداعيات سياسية واجتماعية غامرة بالرعب، جعلت من شخصيات الرواية كائنات مطاردة ومهيجة، ليسوا بعيدين عن أزمة الواقع الوجودية والنفسية، وعائلة «نصري شماس» المسيحية هي الأنمودج «القرباني» لتلك الأزمة، فتعيش إحساسها بالفشل والفقد والطرد والموت، لا تجد سوى الهروب/ الهجرة إلى فرنسا، حيث تتشظى الذات والعائلة والهوية، وحيث تتحول فوبيا المكان الدوستوبي إلى الشبح الذي يطاردهم، ويهددهم بمحو الذاكرة..

«أولاد الغيتو» وسرديات الفقد
أنموذج المثقف «النقدي» الذي مارس وظيفته إلياس خوري جعله أكثر تمثّلا لفاعلية السارد الذي يُجيد مشاغبة التاريخ، عبر شروط لعبة السرد، وعبر إعادة النظر بوظيفة «الشاهد»، حيث يجمع خيوط الحكاية، لنسج بنية سردية تقوم على صياغة مواقف سياسية واجتماعية، وحتى فلسفية، يغوص من خلالها في ثنائيات الموت والحياة، والغياب والحضور، والحب والكراهية، والبقاء والطرد، حيث تُثير قضايا إشكالية، تتمحور حول ثيمة الصراع، لكنها ليست بعيدة عن انحيازاته السياسية والأيديولوجية..
في روايتيه «أولاد الغيتو – اسمي آدم» و»أولاد الغيتو- نجمة البحر» يأخذ مفهوم الغيتو بعدا رمزيا، يتجاوز الواقع، حيث تتشظى العلاقة الغامضة مع الهوية والمكان، وباتجاه يجد بطل الرواية «آدم ذنون» نفسه إزاء عالم يضيق، حتى في المهجر، حتى تتحول فكرة الرواية إلى سيرة تنفتح على علاقة سيرة الواقع شخصية، والعلاقة مع الواقع تتحول إلى علاقة مع «الغيتو» عبر استعادة الأم والطفولة والأسلاك الشائكة التي فرض حدودها الاحتلال الصهيوني.
تضع هذه الرواية فكرة المقاومة في سياق مواجهة النسيان، فيكون تنامي مسار الحكاية تمثيلا للوجود، وجرّ التاريخ إلى لعبة السرد، أو إلى «حيلة نسقية» بتوصيف النقد الثقافي، أو إلى تمثيل تقانة «الميتاسرد» وهي «اجتهادات» تؤكد جدّة الروائي في كتابة الرواية الجديدة، حيث يتشظى المركز السردي إلى وحدات، وهو ما بدا واضحا في الرواية، حيث تقود «الطالبة سارانغ» البطل لاستلام «دفاتر رواية آدم» التي كتبها قبل رحيله، كاشفا فيها عن أزمة وجوده واغترابه، وإحساسه بالموت..
الروائي «آدم» يندفع إلى تقويض الغيتو عبر السرد، حتى تبدو استعادته للأحداث، وكأنها نوع من الخرق الذي يصطنعه إلياس خوري لمواجهة الذاكرة والتاريخ، فيعيش مع شخصياته تناقضاتها ومفارقاتها، وحتى أزمتها الوجودية، غير البعيدة عن ازمة الفلسطيني مع الهوية والمكان والذات.
في رواية « أولاد الغيتو- نجمة البحر» يواصل آدم أزمة اغترابه الوجودي، فيعمد إلى عالم الحكايات للتطهير، ولمواجهة إحساسه بالفقد، الذي يمثله مشروع روايته المؤجل، فتجعله الحكاية بصيغتها الشهرزادية أكثر انعتاقا، وأكثر خفة، مثلما تجعله لعبة المدون يعيش أزمة تدوين اعترافه بالفشل، وحفره في أعماق المسكوت عنه، فتتحول النكبة إلى جرح وجودي وإلى إحساس فاجع بالفقد، حتى إحساس «ادم» بالعجز يبدو واضحا، من خلال قوله «لدالية عندما سألتْه عن مشروعه المؤجَّل لكتابة رواية، إنَّه لن يكتبَ لأنّه يخشى أن يكون في صدد تأليف ضريح للحكايات، كلُّ كتابة عن النكبة هي مقبرة، وأنا لستُ حارساً للمقابر».

إلياس خوري وسردية الاستعادة..
بدا رحيل إلياس خوري وكأنه الرحيل إلى فراغ كبير، فرغم أن رواياته وكتاباته جعلته حاضرا بصخب، وبوعي متعال، على مستوى تحريك الوسط الروائي، أو على مستوى ممارسة وظيفة «المثقف النقدي» إلا أن رحيله آثار شجنا حول «موت الشاهد» الذي تكرّس معه طوال نصف قرن، كان فيه ساردا، وناقدا رائيا، حمل محنة «فلسطين» وذاكراتها المذبوحة، بوصفها جوهر مسؤوليته الثقافية، مثلما حمل فاعليته وعي مسؤوليته الثقافية، في أن يجعل من الرواية تاريخا موازيا، ومن سرديات التخيل فضاء لمواجهة دوستوبية الفقد، ومن وعيه النقدي دافعا لصياغة العالم عبر الحكايات، وعبر سردنة الوثائق، ولعل ما أثارته سرديات إلياس خوري من أسئلة جعلته أكثر تمثيلا لهوية «المثقف الملتزم» وللفاعل السردي العارف بتحولات زمن الرواية الجديد، العابر لما يسمى بالرواية الواقعية، والمغامر في الانفتاح على أشكال تستوعب متغيرات البناء السردي، على مستوى اللغة في شعريتها وفي ضمائرها، أو على مستوى توظيف الحكاية في المبنى السردي..
هذه المعطيات هي ما يجعل الحديث عن استعادة إلياس خوري جزءا من المسؤولية الأخلاقية والثقافية، وجزءا من خصوصيته في تاريخ سردياتنا المعاصرة، في تحولاتها وعلاقاتها بالتاريخ والحكاية والسيرة، فضلا عن علاقتها بصراع الإنسان مع «الآخر الخارجي» الطارد والمحتل، ومع الآخر «الداخلي» المختلف أنطولوجيا، إذ نجد في رواياته المشبعة بالحكايات والأفكار، عالما يتجاوز التماثل إلى الاختلاف، وهي قضايا أقرب للفلسفة منها إلى السرد..

كاتب عراقي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية