طبيب «زاده الخيال»

من مرويات الأدب أنّ الأديب في حالات طبيعية يكون على سجيته، كما هو في الكتابة، هو أيضا مثله في الحياة، طبقا لما يرى بول ريكور، أنّ الكاتب هو جزء من الحياة، قبل أن تهاجر به الحياة إلى الكتابة، وفي اعتقادي فإنّ الرّوائي السوداني أمير تاج السر لا يخرج عن هذه القاعدة، فعفويته وأريحيته السودانية جعلتاه تماما شخصية تتداول الحياة بين شخصيتين، ورقية مرّة، وواقعية مرة أخرى.
تاج السر بين التأثير والإلهام… السّينما والمكتبة:
«كان بيتنا يطل على السينما.. ولمّا كان يزورنا الأقارب كانوا لا يفوّتون الفرصة في المشاهدة المجانية»، «كنّا نتسلق لسقف البيت»، في مشهد كهذا افتتح الرّوائي السوداني تاج السر فضفضته الذاتية مع محاوره، وكأنّه يستعيد في لحظةِ خلوةٍ سعيدة مشهد حياته البعيد والقريب ليستأنس به في زمن الغربة الذي نعايشه جميعا. أن يستعيد الرّوائي حواريا مشهد المكان الأول، وموقعه من الفضاء المشترك، ويعيّنه بشاشة كبيرة، معناه أنّ الشخص يحاول الرّبط بين واقعه كروائي أساس مهمّته الخيال، فالسّينما حالة ترتبط بما يمكن تسميته «الرحلة عبر الصورة المتحرّكة»، والرّواية كلمة تتحول في سياق الأحداث إلى حركة، بما يعني صورة، والرّبط بين الوضعيتين، السّينما والرواية، يمثل الانتقال من حالة الذّات/الكلمة إلى حالة الذّات/الحركة، ولهذا السّبب كما يبدو لي، كان تاج السر عفويا في لقائه بمحاوره، طبيعيا إلى أقصى الحدود.
تحدّث كثيرا عن بعض المحطات المهمة في حياته، كما مكتبة أبيه التي فتح عينيه عليها، كانت تحتوي على أنفس الكتب التراثية والمعاصرة آنذاك، ويقول كانت الزاد الأول، الذي شكل شخصيته الأدبية، حيث بدأ شاعرا، وكلما رجع إلى السودان فإنّه يعود إليها، والمهم في هذه الحالة هو الحفاظ على تراث العائلة الأدبي. فأن يتعيّن الشّخص في منحنى وجوديته كعنصر ثقافي، ويعمل على إبانة ملامح ذلك التّعيين، فهو بالضرورة يشير إلى منطقة حسّاسة في تكوين الذّات، العقل الذي كانت الذات حاضرةً به في راهنها، مقدّمةً نفسها إلى العالم. الكتاب ومن ثمة المكتبة ليسا عنصري فخامة مجوّفة، ولكنّهما أساسان من أسس الكينونة الفعّالة، الطامحة إلى تغيير العالم، وهو ما حدث لتاج السر وهو يحاول أن يضيف شيئا إلى معمار الأدب في تشكلاته، الجاعلة من الحياة هرما يتأسّس على قاعدة الكلمة، التي هي «نور» كما يقول عبد الرحمان الشرقاوي.
تشكل الكتب القديمة، كتب المرحلة الطفولية، المدماك الذي يرسي الشّخصية على أرضية الإدراك، الوعي ثم الفهم، فكلّما فتح الطفل كتابا دون أن يعي معنى كلماته ولا جمله، فهو حتما يعي أنّه يلمس عنصرا من عناصر عالم الكبار، فيتأسّس كبيرا منذ البداية، ويتشكل الوعي عنده كوعي بشيء بتعبير هوسرل، فما بالك إذا كان هذا الشّيء باب المعرفة.
أمير تاج السر… طبيب «زاده الخيال»:
تاج السر طبيب، والطب لمن هم قريبون منه يعرفون مدى ارتباط هذه المهنة بالإنسان والعلاقات الإنسانية، فما يربط الطبيب بالأشخاص هو المرض، والبحث عن العلاج/المعافاة، وهذه الوظيفة من أعمق وظائف الأدب، الذي هو وضع جمالي، يبحث عن مستوى يمكن للإنسان من أن يجد فيه ذاته المنسجمة والمتوافقة مع المجتمع في تحوّلاته وتبدّلاته المستمرّة عبر وسيط الخيال. أفضى تاج السر إلى محاوره أنّه خلال الفحوص كان يعثر على تلك الشّخصيات «العجيبة»، القابلة لأن تتحول إلى الأدبية، أو الحدثية بالمفهوم القريب للرّواية باعتبارها حكاية تنطوي على أحداث، لكن يبقى سؤال علاقة الطب بالأدب معلقا على عدّة أجوبة؟ فيوسف إدريس كان طبيبا قصّاصا، وكذلك تشيخوف، ومصطفى محمود كان طبيبا روائيا وتحوّلت بعض رواياته إلى السينما، وكذلك كان الطبيب الروسي ميخائيل بولغاكوف في «مذكرات طبيب».
يتحوّل الطبيب في عيادته إلى باحث عبر هموم النّاس المرضية، وما تكشفه من أوضاعهم النّفسية والاجتماعية والاقتصادية، عن شخصية ذات ملامح وواقع أدبي تنفصل فيه الكتابة عن الواقع لتندمج في خيال أشدّ ارتباطا بالواقع ذاته لأنّه يتغذّى منه، ومنه يستقي مادّته الأولى، ومن هنا كان سؤال جان بودريار حول العالم الواقعي الواحد، والعوالم المتخيّلة المتعدّدة منطقيا وذا جدوى، من حيث إنّه يكشف عن العلاقة بين المتخيّل والواقعي، باعتبار الأول رافد الثاني. من هذه الناحية يعتبر الطب مجالا خصبا لترسيم حدود العلاقة مع الأدب، لأنّ الطبيب في المستوى الذهني هو هذه الحالة التي يعيشها متخيِّلا وضع المريض في الحياة، فالعلاقة معالج ـ مريض thérapeute – malade ،التي هي مستوى حواري بين الطبيب والمريض، تمنح فرصة للطبيب كي يتخيّل وضعا ملموسا لأحداث روايته، باعتباره كاتبا بالأساس يشتغل على الكلمات، التي تتحوّل إلى جمل تقدّم صورا متحرّكة، لهذا يبحث في المرضى عن تفاصيل، وبعض المرضى موحيون فعلا، هذه الشخصيات تنعش في الأديب قدرته على الكتابة، وهنا لا يمكن إغفال التكوين البدئي لشخصية تاج السر، على معطيات الصّورة التي وفّرتها له شاشة السّينما، التي كان يختلس المشاهدة إليها باعتباره لا يدفع مقابلا، وهو يعي ذلك من خلال ما يدور حوله، ويكفي بهذا الوضع محرّكا لكمون الوعي الحدثي (الرّوائي) في ذهنه الخصب، القابل لكل التفاعلات المنتجة لآلاف الخيالات المألوفة وغير المألوفة، وهو ما تتطلّبه طبيعة الرّواية.
الرّواية.. البحث عن المعلومة:
في سياق الحوار ذكر المحاور أنّ جميعنا يذكر همنغواي في «الشّيخ والبحر» ونجيب محفوظ في «أولاد حارتنا» وتاج السر في |مهر الصياح». يروي حكايته مع هذه الرواية باستنفادها منه وقتا طويلا، في البحث في التاريخ والجغرافيا والأساطير، وهو ما يتوافق مع الرّواية، باعتبارها الإيهام بالواقع، ولكن الأهم من ذلك ما يؤكده لوسيان غولدمان في «سوسيولوجيا الرواية» من إنّها «رؤية للعالم». فالرّواية بالدرجة الأولى معرفة، والمعرفة تتطلب نوعا من المعلوماتية الصادقة، والقابلة للتوافق مع مخيال القارئ، الذي لا يتأسّس جاهلا في مواجهته للنص الإبداعي. يروي تاج السر حكايته مع روايته «إيبولا 76»، حيث التقى بالطبيب الذي كان حاضرا في الموجة الأولى لإيبولا، وكيف انّه طلب منه ان يستمع لقصته، ويقول تاج السر، إنّه من هذا الموقف نتجت أحداث روايته، وبالتالي فهو يؤكد بحثية الرّواية، من كونها «رؤية العالم»، ولكنّها تتطلب نوعا من المعلومة الصادقة التي تنتج بالضرورة عن بحث صادق. يقول للمحاور، إن القارئ يطلب كثيرا رواية «صائد اليرقات» وليس «إيبولا 76».
إنّ اهتمام تاج السر بالرّواية، كونها بحثا دائما عن شيء ما التقطه وعي الشّخص، الذي ينتمي إلى الحياة أولا، يكشف عن أنّ الكتابة عبارة عن مبدأ يتواشج مع حركة الحياة ذاتها، ولهذا يؤكد يقينا أنه لا يتعرّض لعقيدة المجتمع الذي ينتمي إليه، وكذلك لا يؤمن بالسردية الفجّة للمشاهد الجنسية داخل الرّواية. يشير إلى التلميح، وهذا يبدو لي كقارئ للرّواية وباحث في بعض أساليبها مستوى من الصدق مع الكتابة، باعتبارها ذات خصوصية تحمل قيمة مضافة إلى العالم، ويؤكد ذلك النصوص الرّوائية الجادة عندما تترجم تحمل معها أشياءها المتعلّقة بذات الكاتب، والقارئ المختلف لا يطالبها بما يتماشى ونظرته، أو ما يتقبّله مجتمعه، كالفقرات الجنسية المملّة مثلا أو المساس بالأديان. الوصول إلى هذا المستوى من التعالق مع توجّه المجتمع في وجدانياته المتطلبة لحالة فنّية وجمالية، لا تمسّ بذائقتها في الحياة، يعتبر من الاشتغالات الصعبة ذات التمرين المستمر الذي يوصل الذات الكاتبة إلى مفاصل رواية تحكي النّاس، وهم يعاركون الحياة ويتواددون معها ويتشاركونها، ليأتي الرّوائي ويحكي قصّتهم مع الحياة، باللغة التي غابت عنهم، ولكن عند قراءتها يشعرون بإحساس قربها منهم وقربهم منها.
يتأثث تاج السر في وجدان المتلقي لحواراته، سودانيا متواشجا مع الافريقانية الأصيلة، والسودانية المتوجة بلهجة تخفي الكثير من الأسطورية.
كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية