«أيتها الكلمة التي تعوزني»: موسى وهارون في أوبرا شونبرغ

حجم الخط
0

قصة النبي موسى عليه السلام بأحداثها وتفاصيلها، التي وردت في كل من التوراة والعهد القديم والقرآن الكريم، من القصص الزاخرة بالمعاني والعبر، المليئة بالمواقف والمعجزات، التي تثير المخيلة وتذهب بالذهن نحو العديد من الأفكار. وقصص الأنبياء عموماً الباقية ما بقي البشر التي تعد من أقدم القصص المروية، لها تأثير كبير بثقلها الديني الذي يمس طوائف كبيرة من بني آدم، ولهذه القصص بعيداً عن الجانب الديني جمالياتها الدرامية، وحبكاتها الشيقة وخيالها المدهش، لذا تمت معالجة بعض تلك القصص فنياً في أشكال وقوالب مختلفة، فمنها ما تحول إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية، بالإضافة إلى استلهامات في فنون الرواية والقصة والمسرحية. كما كانت قصص الأنبياء ملهمة للعديد من الأعمال الموسيقية، سواء البحتة أو الغنائية، ومن هذه الأعمال أوبرا «موسى وهارون» للموسيقار النمساوي أرنولد شونبرغ، وهي كما يدل عنوانها تركز على علاقة موسى بأخيه هارون الذي كان شريكاً له في قسم كبير من قصته.
تتكون الأوبرا التي تم تأليفها عام 1932 من ثلاثة فصول، كتب شونبرغ نصها الغنائي بنفسه، ولحن فصليها الأول والثاني، لكنه لم ينته من تلحين فصلها الثالث، لكنها على الرغم من ذلك تعرض أحياناً بألحان آخرين أكملوا ما نقص من موسيقى الفصل الثالث. لكن النص الغنائي مكتمل وتام برؤية شونبرغ، الذي اعتمد في تأليفه على ما ورد في «سفر الخروج» عن موسى وهارون، وعالج قصتهما من منظوره الخاص، مستلهماً بعض الأفكار الفلسفية ومستخرجاً لبعض المعضلات الفكرية، التي ربما كانت تؤرقه بشكل شخصي، وذهب يبحث عن حل لها في حكاية موسى وهارون، أو راح يتطلع إلى مشكلته في مرآة الدين وقصصه المأثورة.
ربما يمكننا القول إن أعمال أرنولد شونبرغ لا تحظى بشعبية أو شهرة كبيرة، نظراً لصعوبة تذوقها وغموض وانغلاق أفكارها الموسيقية، وابتعادها الذي قد يكون متعمداً عن ملامسة مشاعر المتلقي ومخاطبته جمالياً، وعوضاً عن ذلك كانت الموسيقى تركز على تجاربها الخاصة وأساليبها المستحدثة، التي كانت أقرب إلى التجارب والأساليب العلمية الجافة، وأبعد عن الروح الفنية التي تشمل وتجمع بين الجمال والإحساس والمعنى والتكنيك أيضاً. حتى إن كان ذلك داخل الإطار النظري المعقد، البعيد إلى حد ما عن الذوق المشترك والإحساس العام لدى أغلب الجماهير، وهناك من أعماله ما يثير الفضول والرغبة في الاكتشاف، والتعرف على الرؤية الفنية وزاوية التناول. من هذه الأعمال أوبرا «موسى وهارون»، ولذلك أسباب عديدة منها أن هذا العمل يتناول قصة من قصص الأنبياء وردت في الكتب المقدسة الخاصة بالأديان السماوية، وأن هذه القصة يدور معظم أحداثها على أرض مصر، وارتباط الكثيرين بقصة موسى منذ أن كان طفلاً في صندوق تحمله مويجات النيل نحو قصر فرعون، إلى أن صار نبياً يواجه فرعون، ينشق له البحر وتقع تحت يديه المعجزات، بالإضافة إلى أن شونبرغ كان يهودياً، وكان يشعر بأنه مضطهد في العالم كله بسبب دينه، ويقال إنه ترك اليهودية وتحول إلى المسيحية في فترة من حياته، ثم عاد إلى اليهودية مرة أخرى. وبالنظر إلى تاريخ تأليف هذه الأوبرا، نجد أنه كتبها في خضم المد القومي في ألمانيا، وانتشار الهتلرية بأفظع تجلياتها في اضطهاد اليهود. ولا شك في أن كل ذلك كان حاضراً أمام عيني شونبرغ عند تأليفه لهذه الأوبرا.
النص يتفوق على الموسيقى
الحق أن موضوع الأوبرا وما تناوله شونبرغ من قصة سيدنا موسى، والفكرة الفلسفية القائمة وراء هذا التناول، كل ذلك قد يكون أكبر جاذبية للبعض من الموسيقى نفسها، وآريات الأوبرا المختلفة. تبدأ الأوبرا بمشهد موسى أمام الشجرة أو النار المشتعلة، عندما يتلقى تكليف الله له بالنبوة وبإخراج بني إسرائيل من مصر وتحريرهم من العبودية، يخاف موسى ويتردد ويقول إنه لا يحسن الكلام ولا يمتلك اللسان الطلق الذي يخاطب به الناس، فيخبره الله بأنه سوف يُلقي الأفكار في قلبه، وما عليه إلا أن يجعل هارون يتحدث بها ويوصلها إلى الناس. يلتقي موسى بهارون في الصحراء، ويوضح له مهمته في توصيل الأفكار للشعب من خلال الكلمات، ثم يقع الخلاف بينهما، حيث يتحدث موسى عن الفكرة المطلقة والرمز المجرد، ويتحدث هارون عن الطقوس والأمور الملموسة والمرئية، ويقول إنه من الضروري أن يسمع الشعب، ويرى ويلمس ما يتجسد أمامه، لا أن يهيم في الأفكار المجردة التي لا يمتلك الجميع القدرة على تأملها والغوص فيها، لذا كان هارون يؤمن بضرورة الطقوس والحاجة إلى وقوع المعجزات، بينما كان موسى يعترض على وجهة نظر هارون ويرفض أسلوبه، ويرى أنه يهدم الفكرة التي يجب أن تبقى مجردة دون تجسيد عملي لها على أرض الواقع.
يسير موسى وهارون وسط شعب بني إسرائيل في مصر، ونستمع إلى ما يقوله الشعب، فمنهم من يدعي أنه شاهد تجليات مختلفة لإله موسى، ومنهم من يتخوف لأن موسى قتل مصرياً، ومنهم من يعبر عن أمله في أن تنتصر فكرة الإله الواحد على آلهة مصر وفرعونها. يتحقق بعض المعجزات أمام الشعب، بداية من عصا موسى التي يأخذها هارون ويلقي بها فتتحول إلى حية، وانتهاء بتحول مياه النيل إلى دم، ينبهر الشعب بالمعجزات، ويعدهم هارون بأن الإله سوف يحررهم من العبودية. يصعد موسى إلى الجبل ويغيب أربعين يوماً، فيضطرب الشعب وتلعب به الشكوك، يطمئنهم هارون ويقول لهم إن الله لم يتخل عنهم، ويحاول أن يلملم الفوضى ويسيطر على الانفلات الحاصل، لكن الشعب يتمرد ويطلب دليلاً محسوساً، فيصنع لهم هارون العجل الذهبي، ويبدأ الشعب في تقديم القرابين إليه، ويصل الأمر إلى حد تقديم القرابين البشرية كالعذارى العاريات الأربع، ومن يحتج على العجل الذهبي ويصفه بالوثن يتم قتله. ينغمس الشعب في انفلات أخلاقي كبير وطقوس ماجنة منحرفة، إلى أن يعود موسى من الجبل ويدمر العجل الذهبي ويحطم لوحي الشريعة ويلوم هارون على فعلته، فيدافع هارون عن نفسه ويقول، إن الشعب يحتاج إلى شيء ملموس ورمز واضح، لأن الكلمة وحدها غير كافية، وإنه من يبقي أفكار موسى حية لدى الشعب.
ينضم هارون إلى الشعب، ويبقى موسى حزيناً متألماً من فعل هارون الذي شوه إدراك الناس لفكرته المطلقة، بينما لا يجد هو الكلمات التي يعبر بها عن فكرته ليوصلها إلى الناس، ويقول «لقد خانتني الكلمة»، تعبيراً عن مأساة صاحب الفكرة الذي لا يستطيع التعبير عن فكرته وإيصالها للناس كما هي. فموسى يرى أن الله يدرك بالروح والعقل بلا صور أو رموز أو تجسيدات أو معجزات، بينما هارون يرى أنه يجب مسايرة عقول العامة، وتلبية ما يحتاج إليه الشعب بفكره المحدود، ومساعدته على الإيمان من خلال الصور والرموز والمعجزات. يحاكم هارون بتهمة تضليل الشعب وتحريف حقيقة الإله، ثم يأمر موسى بإطلاق سراحه، لكن هارون يسقط ميتاً بشكل مفاجئ. يتيه الشعب في البرية لكن موسى يقول إنه سيهتدي في النهاية إلى الحقيقة والفكرة المطلقة.
يطرح شونبرغ من خلال تناوله لقصة موسى وهارون، تأملاته وأسئلته الخاصة حول الصراع بين المجرد والملموس، أو حول الشكل والمضمون، وقدرة الشكل على إيصال المضمون كما ينبغي، ويبدو حائراً في طرحه هذا، لا يريد أن ينتصر للشكل على حساب المضمون، حتى إن انتصر الشكل مرحلياً، فإن الإيمان بالفكرة المجردة لا يزال قائماً. كما يعرض شونبرغ معضلة المفكر أو المبدع باعتباره صاحب رسالة أيضاً، وما يواجهه من صعوبة في توصيل ما يريده حقاً إلى الجمهور، أن يوصل ما في الذهن كما هو إلى الناس دون أن يفقد معناه عندما يتحول إلى كلمة منطوقة أو مكتوبة، ودون أن يتم تحريف الأفكار العظيمة وتسفيهها وابتذالها. كان موسى يبحث عن الكلمة طوال الوقت ويقول «أيتها الكلمة التي تعوزني»، ويعجزه التعبير بينما يرفض أسلوب هارون في نقل أفكاره إلى الشعب. وقد جعل شونبرغ أداء موسى في الأوبرا أقرب إلى الكلام أو الإلقاء الملحن، وجعل عدم قدرته على الغناء في الأوبرا مرادفاً لعدم قدرته على الكلام بطلاقة في الواقع، وجعل هارون يغني بأداء أوبرالي سليم ومتكامل. نلاحظ بالطبع بعض الاختلافات بين ما ورد في الأوبرا استناداً إلى «سفر الخروج»، وما ورد في القرآن الكريم عن موسى وهارون، كقصة العجل الذهبي على سبيل المثال، ووقوع بعض المعجزات وكيفية حدوثها. وعلى العكس مما نقرأه في القرآن الكريم عن موسى وهارون، حيث الشقيق سند وعون لشقيقه، وذكر موسى لأخيه حيث يقول: «رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين»، ويقول أيضاً: «رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي». تجعلنا هذه الأوبرا ننظر إلى موسى وهارون من زاوية أخرى، ونرى فيهما فكرتين متقابلتين في صراع درامي.
مروة صلاح متولي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية