الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية، لا يستحق الترشح لجائزة نوبل للسلام، ولا يمكن أن يحصل عليها، ليس بمعنى ما، ولكن بكل معاني الكلمة وكل اعتبارات الرفض والاعتراض.. لأن رصيده من أفعال الجرائم على الصعيد الأمريكي وعلى المستوى الدولي أقوى بما لا يقاس عن تصرفاته وأفعاله، التي تُسَوّق على أنها أعمال خير وسلام، لأنها بالنسبة لحقيقة وشخصية ترامب هي نوع من الاستعراض السياسي والإعلامي.. بالتعبير الموجز، ليس هناك سياسة يستحق عليها ترامب الترشح إلى جائزة أشرف منه بسنوات ضوئية، يجب أن لا تدنس به. بل منحه الجائزة، يفتح الأبواب كلها على جهنم السياسة، وإعدام السلام بالمرة، على نمط السياسة الصهيونية التي تعصف اليوم بكل العالم وليس العرب والمسلمين فحسب.
مؤسسة نوبل، من خلال لجنتها للسلام، هي اليوم في موضع استدراك ما يمكن أن يعتبر أخطاء توزيع جائزة السلام، لرجال سياسة لم يكونوا في المستوى وتَبَيَّن أنهم عملوا للحروب والفتن، على غرار ما حدث مع الأمريكيين والإسرائيليين طوال الحقبة التي تلت نهاية الحرب الأمريكية ـ الفيتنامية عام 1975. خطيئة ترشيح دونالد ترامب الى جائزة نوبل للسلام تبدأ منذ البداية، عندما لم يجد من يثني على سياسته في الشرق الأوسط، إلا بنيامين نتنياهو أكبر مجرم في العالم.
نعم، أكبر مجرم سياسي في التاريخ، يُقْدِم على ترشيح رئيس أمريكي يواصل العمل وفق النظام الإنقلابي الذي انتهك به تاريخ الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية يوم 6 يناير 2021. وهو يواصل إضرام القلال والفتن السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل الوطن الأمريكي، ناهيك عن إرباك السياسة الدولية بتصرفات وتدابير وقرارات إرهابية، تتجاوب أكثر مع سياسة البنتاغون للأمن العسكري في الداخل الأمريكي، وجيش الاحتلال الإسرائيلي كامتداد للداخل الأمريكي أيضا. عدم شرعية ترامب لجائزة نوبل للسلام لا تبدأ فقط من أن مبادرة الترشيح جاءت من أكبر مجرم في تاريخ الإنسانية، وهو يؤكد ذلك يوميا طوال وجوده في سدة الحكم، على رأس الكيان الصهيوني، بالقتل والتجويع واحتلال الأراضي وانتهاك الحُرمات والأعراض، وتدنيس المقدس وإحكام سياسة للعدوان والخروقات كأمر سائد لا يحفل به، لأنه من طينة الصهاينة التي قطعت عهدا مع الغرب، ألا يعاقب ولا يحاسب ولا يخشى لومة لائم عن كل ما يفعله في منطقة الشرق الأوسط، بل في العالم كله. ليس هذا فحسب، بل لأن الرئيس الأمريكي الحالي لا يفقه في مفهوم ولا في معنى السلام، ولم يسبق له أن تصوره كثقافة يمكن تبادلها مع الآخرين، فما يكشفه يوميا أن تصرفاته وتصوراته لا تمت بصلة ولو واهية بالسلام والأمن، كلها مفردات لا يتسع لها قاموس حياة المجون، وليالي الفجور ودور القمار والنرد والأوراق، و»مانوا رات» التَّحرش ومطاردة الشقراوات. هذا العالم الذي جاء منه ترامب هو الذي يجب أن يبعده عن جائزة السلام، حماية لها من التدنيس والانتهاك.
مؤسسة نوبل، من خلال لجنتها للسلام، هي اليوم في موضع استدراك ما يمكن أن يعتبر أخطاء توزيع جائزة السلام، لرجال سياسة تبَيَّن أنهم عملوا للحروب والفتن
جائزة نوبل للسلام يجب أن تتبرأ من أمثال ترامب، وتلتفت أكثر الى أولئك الذين يستندون إلى رصيد من التعب الإنساني والمعاناة الحقيقية، التي توصل إلى الخير والهناء، على ما فعله نيلسون مانديلا المناضل الكبير، الذي انطوت شخصيته على أمل دولة جنوب افريقيا في الاستقلال والسيادة، وتصفية الاستعمار عبر الصبر والمصابرة، وتجشم معاناة السجن وتحمّل ظلم الاستعمار وحكم الأبارتهايد. فالسلام في حالة الجائزة العالمية، أن يمتد أثرها الخيري على الجميع معفية من الظلم والحيف والاعتداء على الآخرين. ومقارنة ولو بسيطة جدّا بين الرجلين، يوضح لماذا أستحق مانديلا الجائزة، ولما يجب أن تبعد عن ترامب. مبادرة السلام للرئيس المصري أنور السَّادات، أفضت الى نهايته في حادثة المنصة المروعة، يوم 6 أكتوبر 1981. والأمر نفسه حدث مع اسحاق رابين في محاولة السعي إلى سلام مع العرب والفلسطينيين، وكانت النهاية تراجيدية عندما اغتيل من قبل دوائر اليمين المتطرف، يوم 4 نوفمبر 1995، كان لحظتها بنيامين نتنياهو أكبر وجوهه المتأهبة الى إعدام السلام في المنطقة كلها.. وهو ما يحدث اليوم على مرآى الجميع. الاعتبار الآخر الذي يفرض على لجنة جائزة نوبل للسلام إبعاد اسم الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية، هو أن الجائزة تتشرف بمستحقها ولا يمكن أن تمنح لمن يسعى بلهفة إليها من أجل التستر على أفعاله المنكرة والبغيضة في حق الشعب الأمريكي، الذي لا يكف عن التنديد بسياسة زعيم الحزب الجمهوري، وفساد سياسته الخارجية التي أضرم فيها حربا تجارية عالمية، ناهيك عن عدوان سافر على دولة إيران، لا يمكن أن تقوم به إلا دولة من نوع الكيان الصهيوني، ودولة من أوغاد المافيا المالية/ السياسية. ومن هنا، فرصيد ترامب من الشر أكبر بما يمكن حصره من الخير والنفع لأمريكا والعالم.
دواعي وأسباب عدم منح الجائزة للرئيس الأمريكي الحالي كثيرة ومتعددة، وقد نتجاوز ذكرها، غير أن حقيقة ما يجب ذكره، أن أكبر ما يمكن أن تضطلع به لجنة الجائزة في إحجامها عن منح جائزة السلام لدونالد ترامب، وحجبها عنه هو تبرئة الجائزة نفسها من كل الأخطاء التي حدت بها في السابق لإعطائها لشخصيات سياسية نافذة في السلطة والحكم، لم يكونوا في مستوى التكريم. نعم، يجب أن يبعد الرئيس الأمريكي عن الجائزة، أو بالأحرى تَبْعد هي عنه كأفضل تعبير جديد للجنة الجائزة عن أنها تأسف عمّا وقع من سوء تقدير وتقييم واختيار لمن منحت لهم الجائزة. وعليه، أو هكذا يجب أن يفهم الإبعاد، أن مؤسسة نوبل تستعيد شرفها و تطهّر نفسها من أدران السياسة التي لا تعني شيئا آخر إلا الظلم والجور والحيف، ومن ثم تنظم هذه المؤسسة إلى صف محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية والرأي العام الدولي وضميره اليقظ، الذي يدين الإرهاب الصهيوني، وتُصْدر مذكِّرات الاعتقال على أساس من المجازر التي ترتكبها العصابة الصهيونية يوميا في غزة، وتُصدر بيانات التَّنديد والشَّجب على ما يفعله غول سياسي دولي اسمه بنيامين نتنياهو، واسم عرابه وراعيه الدولي أيضا دونالد ترامب.
من كثرة الفزع والخوف من المستقبل وإقحام الخرافة والأسطورة في السياسة، على النحو الذي تفعله دولة الاحتلال، ومن يساندها عنادا ومجاراة من الفكر الغربي، فقد دخلت التأويلات الإنجيلية والمزاعم التلمودية والنصوص التاريخية التي لا يمكن أن تؤكد أو تنفي شيئا، الا ما يريده المحتل، ما دام الأصبع على الزناد ويملك سيطرة على السماء، فارضا نفسه كـ«الرب» الذي يرعب بقوته كل من يتحرك تحت قيادته وأوامره. وهذا النوع من التأويل والشرح هو الذي يصنع ليس السلام، بل الحرب الطويلة التي لا تنتهي إطلاقا. فأمام العالم، جراء سياسة دونالد ترامب الدمار والخراب والمأساة.. لا يمكن أن نرى فيه ضوء السلام إطلاقا، لأن الطبيعة سوف تنظم إلى السياسة لتجعل من يوميات شعوب العالم، الفوضى والاضطراب والاختلال.
كاتب جزائري