غزة ـ «القدس العربي»: «الليل لم يعد يعني السكون أو النوم، بل صار رمزًا للرعب»، هكذا بدأ الشاب أحمد الحلبي (26 عامًا)، الناشط الإنساني من محافظة غزة، حديثه وهو يصف مشاهداته في قلب المدينة. يعمل الحلبي منذ سنوات في تقديم الدعم النفسي للأطفال عبر المبادرات التطوعية، لكنه الآن وجد نفسه جزءًا من المأساة. يقول لـ«القدس العربي»: «في ساعات متأخرة من ليل غزة المدينة، تتحول الشوارع إلى ممرات للأشباح. تسمع أصوات انفجارات غامضة ومرتفعة جدًا، ليست صواريخ ولا قذائف، بل آلات صغيرة متحركة، يطلقها الجيش الإسرائيلي بين الأزقة، ثم تُفجّر فجأة».
ويضيف الحلبي: «هذه الروبوتات المفخخة تدخل الأحياء بصمت، وكأنها كلاب صيد مدربة، ثم تُحدث دمارًا هائلًا عند تفجيرها. فجأة تجد حيًّا كاملًا قد اختفى من الوجود، منازل متلاصقة تنهار فوق بعضها، وأسر بأكملها تُدفن تحت الركام».
يوضح الحلبي أن السكان اعتادوا منذ شهور أصوات الطائرات والقصف المدفعي، لكن هذا التكتيك، الذي طُبق من قبل في شمال قطاع غزة، أضاف عنصرًا أشد رعبًا لغزيي المدينة: «لا تستطيع أن تعرف متى أو أين سيُزرع الروبوت. الناس لا ينامون، الأطفال يرتجفون طوال الليل، والنساء يغطين وجوههن خشية أن يكون الدور على منازلهن».
وكان جيش الاحتلال قد وسع من عملياته العسكرية في شمال قطاع غزة: مخيم جباليا، بيت حانون، وبيت لاهيا، نهاية العام الماضي، ومسح عشرات الأحياء السكنية ببناها التحتية من الوجود باستخدام الروبوتات المتفجرة، بداعي ملاحقة عناصر المقاومة.
أحمد يختم حديثه قائلًا: «غزة صارت مدينة بلا ليل. الليل فيها موعد للموت والنزوح، والنهار هو لحظة لتفقّد الأنقاض أو للبحث عن مكان آمن لا وجود له».
ما قبل الاجتياح
ومنذ أسبوعين تقريبًا، يمهّد الجيش الإسرائيلي لاجتياح مدينة غزة عبر سلسلة من الإجراءات الميدانية التي تركز على استنزاف السكان. القصف الجوي العنيف يترافق مع استخدام الروبوتات المفخخة في ساعات الليل، لتدمير مجموعات كبيرة من المنازل دفعة واحدة. هذا النمط المتكرر يخلق فراغًا جغرافيًا داخل المدينة، يُراد منه تفريغها من أهلها قبل التوغل البري.
يدفع هذا الأسلوب آلاف العائلات إلى النزوح نحو الجنوب. الوجهة التي يوجَّه إليها الناس عادة هي منطقة المواصي غرب خان يونس، حيث تكدّس مئات الآلاف في مساحة ضيقة. هناك، لا يجدون سوى وعود بالمساعدات، بينما الواقع على الأرض يقول إن الغذاء نادر، والدواء شحيح، والماء لا يكفي. عاصمة قطاع غزة المركزية تُفرغ تدريجيًا، فيما الجنوب يتحول إلى ما يشبه «معسكر اعتقال» مفتوح، وفقًا لوصف سابق للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان.
شرقًا على الطريق الممتد بين غزة وخان يونس، افترش أبو ناصر القصاص الأرض مع زوجته وأطفاله الخمسة. يحكي لـ«القدس العربي» وهو يشير إلى أكياس بلاستيكية فارغة بجواره: «هذا كل ما نملك الآن. منزلنا في حي الشجاعية صار ركامًا بعد تفجير أحد الروبوتات. لم أتمكن من إخراج شيء من داخله سوى هويات الأطفال».
يتنهد طويلًا ثم يواصل: «نمنا البارحة على الإسفلت. لم نجد مأوى، لا مدارس ولا مساجد تسعنا. كل الأماكن مكتظة بالنازحين. ابني الأصغر لا يتوقف عن البكاء، يظن أن أي صوت حركة يعني أن دبابة ستدهسنا».
زوجته، وهي تضم طفلتها الصغيرة بين ذراعيها، تتدخل لتوضح: «نحن نعيش الآن على الخبز اليابس والماء إن وجد، وغالبًا لا نجد. أمنيتي فقط أن أحمي أطفالي من أمراض الشارع والهوام».
ويختم أبو ناصر شهادته بنبرة يائسة: «الهروب لا يغيّر شيئًا. كل مكان في غزة صار مستهدفًا. لم نعد نعرف هل الموت تحت الأنقاض أهون من الموت جوعًا أو على قارعة الطريق».
تكتيك الاحتلال
من جانبه، قال الصحافي والمحلل السياسي سامي برهوم إن «الهدف المركزي لجيش الاحتلال الآن هو الدخول إلى مدينة غزة المركزية بأحيائها الكبرى: الشجاعية، الصبرة، الدرج، الرمال، تل الهوى، مخيم الشاطئ، حي النصر، الشيخ رضوان». مضيفًا أن «هذه الأحياء تضم نحو مليون وثلاثمئة ألف إنسان بينهم نصف مليون طفل. الاحتلال يعلن صراحة أنه يريد دفع هؤلاء جميعًا نحو الجنوب».
وأوضح برهوم أن «الجيش يعتمد تكتيكًا يقوم على زرع الروبوتات المفخخة داخل الأحياء السكنية. كل روبوت عند تفجيره قادر على تدمير من عشرة إلى خمسة عشر منزلًا متلاصقًا. هذه العملية تتكرر بشكل شبه يومي، خصوصًا في ساعات الليل. الهدف هو خلق دوائر دمار متتالية تجعل أي بقاء للسكان مستحيلًا».
وأضاف: «الجيش يتقدم الآن من عدة محاور: من حي الصبرة جنوبًا، الشجاعية شرقًا، والتفاح والصفطاوي شمالًا. هذه التحركات تعني أن المدينة يجري تطويقها تدريجيًا من جهات مختلفة، تمهيدًا لاجتياح شامل، يتم تنظيمه على مهل».
ولفت إلى أن «النزوح الإجباري يضع أكثر من مليون إنسان في منطقة المواصي وحدها. تخيّل أن مليون مواطن يعيشون في بقعة صغيرة لا تتجاوز مساحتها بضعة كيلومترات مربعة. هذه المنطقة محاطة بالقوات من رفح جنوبًا إلى خان يونس شرقًا. في الواقع لم يتبقّ للمدنيين سوى 20 في المئة فقط من مساحة القطاع للعيش».
وتابع برهوم: ««هذا ليس مجرد تكتيك عسكري. هناك رؤية بعيدة المدى. إسرائيل تريد تحويل الجنوب إلى معسكر كبير، وتدمير المدينة بالكامل لتغيير واقع غزة للأبد. ما جرى في رفح وجباليا وبيت حانون وبيت لاهيا في فترات سابقة من الحرب، ليس إلا نسخة أولية مما يُراد تنفيذه هنا».
وكان جيش الاحتلال، قد سيطر على مدينة رفح، أقصى جنوبي قطاع غزة، بشكل كامل، في ايار/مايو من العام الماضي، ولم يتراجع عن أحيائها الشمالية والشرقية والغربية إلا مع وقف إطلاق النار في كانون الثاني/يناير الماضي، لكنه عاود احتلال كامل المدينة، واتخذها مسرحًا لعملياته العسكرية، بعد انقلاب على اتفاق الهدنة في اذار/مارس الماضي.
وأكد برهوم أن «المستوى السياسي الإسرائيلي يحاول إشغال العالم بالمساعدات. يدخلون بضع شاحنات محملة بالطحين أو الأرز أمام الكاميرات، فيما الحقيقة أن المجاعة تتسع، والدمار يتفاقم. المستشفيات تتعرض للقصف، الصحافيون يُستهدفون، الطواقم الطبية تُمنع من العمل، ومع ذلك لا يتغير شيء».
وختم الإعلامي الفلسطيني حديثه بالقول: «غزة الآن في عنق الزجاجة. أي خطوة متسرعة قد تقود إلى مذابح واسعة بحق مليون وثلاثمئة ألف مدني. لكن إسرائيل تمضي في خطتها غير آبهة بالتحذيرات، والعالم يكتفي بالتصريحات الفارغة».