السياق السياسي وتعدد أصوات الراوي عند صنع الله إبراهيم

حجم الخط
0

يقول غالي شكري: «في ربيع 1964 بدأ «الخروج الكبير» للمسجونين والمعتقلين السياسيين في مصر. ورغم أن السجن السياسي الناصري ضم خلال عقدين مختلف ألوان الطيف السياسي، فقد ظل المعتقل في المخيلة الوطنية العامة هو الشيوعي أو الماركسي، أو اليساري. لذلك، حين بدأ الخروج من المعتقلات في أبريل/نيسان (1964) كان المقصود به خروج المناضل الشيوعي، أو اليساري. كان أبناء الأحزاب القديمة وبعض البكوات والبشوات، قد أمضوا أشهراً وراء الأسوار، وأقبلت إجراءات التأميم الواسعة بين (1961 و1962) لتنجز تصفيتهم الاقتصادية، بعد تصفيتهم السياسية بإلغاء الأحزاب قبل عشر سنوات من هذا التاريخ. وكان بعض العسكريين الذين فكروا أو خطَّطوا لتنفيذ انقلابات لم تتم قد أمضوا أشهراً وراء الأسوار بين الحين والآخر، خرجوا بعدها لاستلام المناصب العليا في القطاع العام أو السلك الدبلوماسي. وكان الإخوان المسلمون يمضون منذ عام (1954) فترات العقوبة المحكوم عليهم بها بعد محاولة جهازهم السري اغتيال جمال عبد الناصر. وما أن أقبل عام 1965 حتى كانت محاولتهم الثانية التي أعادت بعضاً ممن سبق الإفراج عنهم إلى السجن، وأطاحت بأعناق جديدة».
توضَّح مقولة غالي شكري السابقة، التي يستهلُّها في مقدمة قراءته عن صنع الله إبراهيم، مدى ضرورة النظر للسياق الذي كان يحيط بتأليفه رواياته، فهي لم تولد في الفراغ، وإنما كان هناك سياق سابق عليها تأثر به لا شك إبراهيم، وهو ما صرَّح به في أكثر من موضع، فكان يؤكد أن وعيه تفتَّحَ على الغليان، الذي حدث في مصر مع مطلع الخمسينيات، يقول: «لقد تقدمت القيادة الفتية للبورجوازية بمشروع قومي طموح للمستقبل، قوامه الاستقلال الوطني والوحدة والتنمية القائمة على التصنيع والعدالة الاجتماعية. وكان من الطبيعي أن تتجمع في هذه النهضة العارمة مجموعة من التناقضات الفريدة على مستويات مختلفة، منها ما بدا شديد الالتباس. فالعمال، على سبيل المثال، يشاركون في إدارة المشروعات، بينما القهر البوليسي الذي ترعرع في ظل الصراع الضاري ضد الاستعمار والرجعية، يطال أيضاً من يجرؤ على الاختلاف أو المشاركة. شيئاً فشيئاً بدا الواقع أكثر تعقيداً من مجرد أغنية للنضال ضد الاستعمار، ومن أجل المستقبل. وسادت المجتمع حالة من الاستلاب. وتكشَّفَت الواقعية عن رومانسية ضحلة، لم تلبث أن فقدت مصداقيتها وجاذبيتها».
ليس مقدار التأثير على صنع الله إبراهيم في تأليفه لرواياته هو ما تعرَّضَ له من سجن أو تعذيب فقط، وإنما التأثير الأكبر هو، ما اتخذه لنفسه من خط يتمثل في الاشتباك المباشر مع السلطة بكل مستوياتها، ليس مجرد اشتباك المعارضة أو المناهضة، وإنما التحليل، أو بلغة أكثر حداثة عن الوقت الذي بدأ فيه صنع الله: «تشريح» المجتمع، لقد اتخذ من تأليفه وروايته أداةً للكشف والفهم والتحليل، كسبيل للتغيير إن كان هناك تغيير، لم يكن مجرد محاولة آلية لتسجيل الواقع، أو الاستفادة من الواقع في معطيات سردية، وإنما كانت أعماله قراءة للواقع، وفهماً لمكوناته المختلفة، وفي هذا الإطار سيكشف صنع الله في مسيرته الروائية عن ولعٍ بمهنة المؤرِّخ، وكثيرا ما سيرغب في أن يقدم لنا أعماله باعتبارها تأريخاً موثقاً أكثر من كونها تأليفاً مُرسَلاً، وفي أوقاتٍ سيعود للتاريخ القديم، وقد كان لهذه الرغبة تأثير كبير في تقنياته الروائية، على نحو ما سيتضح من تحليلنا هنا.
في مسيرة الكاتب مجموعة من الروايات لا يمكن قراءتها خارج إطار سياقها السياسي ورؤيتها للسلطة، في إطار ثلاث محطات رئيسية تشير تغيرات صيغة الراوي ـ السارد للروايات عند صنع الله إبراهيم أنه حدث فيها تغير ملحوظ، على مدى ثلاث حقب مختلفة، بدأ فيها صنع الله السرد من منطقة السيرة الشخصية، والراوي الشخصي الذي يحكي ما حدث له وفق أحداث بسيطة، وهي ما جاءت مع روايات: «نجمة أغسطس»، «تلك الرائحة»، «اللجنة»، ثم حدثت طفرة في تغيير الراوي ليصبح أكثر تحليلاً وغَوْصاً في مجريات الأحداث، حتى إنه يروي أحياناً مستلهِمَاً أحداثا خارج مصر، أو الذات الذكورية، ليصبح لدينا «راوٍ متعدِّد الرؤية»، وهو ما نجده في روايات: «بيروت-بيروت»، «وردة»، «ذات»، «شرف»، حيث تمتاز هذه المرحلة بأن الراوي غادر منطقة الحكي المباشر عن أحداث خاصة به، وعن خِبرة مباشرة إلى تعدد الخبرة، وتعدد الذوات، فيروي مرتين عن أنثى، مع التوسع في تقنية «الكولاج» الروائي بإضافة مقاطع واستشهادات وتوثيقات تأتي خارج منطقة السرد المقدم.
ثم أخيراً، وهي المرحلة التي يستلهم فيها الراوي شخصية «أستاذ جامعي متخصص في الأبحاث التاريخية»، وهي ظاهرة ستأتي مع «العمامة والقبعة» التي يقدِّم لنا فيها الراوي الأقصوصة على شكل التوثيق التاريخي، كمحاولة لتقديم عمل إبداعي يناظر العمل التاريخي الشهير: «عَجَائِب الآثار في تراجم الأخبار» للجبرتي، ثم يبني على هذه الرواية مستخدماً ما قدَّمَه على أنه كشف تاريخي لأستاذ مصري تجاوز سن الستين ولم يتزوج، ليذهب إلى مؤتمر في فرنسا ليقدم وثيقته: «العمامة والقبعة» وسط تشكيك في صحتها التاريخية، هذا هو ملخص أحداث روايته «القانون الفرنسي»، ويستكمل المشوار نفسه كأستاذ مصري متخصص في التاريخ، وله نمطه الخاص، وإسهامه الخاص في تقديم التاريخ في روايته «أمريكانلي».
هل اكتسبت الشخصية الخارجة من السجن، المترددة، وغير الواثقة في نفسها، التي ما زالت في مرحلة عدم الاتزان في التأقلم مع المجتمع، قدراً من الثقة والرصانة في تعاملها مع الأمور؟ هل الراوي الذي بدأ ينحو إلى التجريبية بشكل أكثر عمقاً في «نجمة أغسطس»، مع تأكيد فكرة أن بطلها هو أيضاً رجل خارج من السجن يضيق به الحال في القاهرة فيذهب إلى أسوان، ورغم حرص الراوي على سرد تفاصيل بناء السد العالي، وحالة التغير التي تصيب المجتمع المصري هناك، مما يعد هذا التعبير عن هذا التغير في حد ذاته، موجهاً لرصد أفعال السلطة المصرية التي اتخذت قراراً سيُغيِّر مصيرياً مستقبل هذه المنطقة ومستقبل مصر، إلا أن الحنين لتفاصيل أيام السجن القديم لا تزال ترد بين اللحظة والأخرى على ذهن السارد، يقول : «ولعنة العصر يمكن أن تصبح أروع نعمة، عندما يخلو المبنى الأصفر الكئيب من صداه، وتتشوق الآذان إلى نغمة واحدة تصل بني البشر بماضيهم. لكن الأزرار في يد حارس يدرك أنه لو سمح للصوت أن يتسرب لالتوت جميع الآذان في اتجاهه، وعند الغروب اقتادونا إلى الفناء في سكون مطبق، وأجلسونا القرفصاء على الأرض ليؤكدوا لنا أننا فقدنا حريتنا، وأشرفوا علينا وقوفاً: الضابط المجرم الذي كان دائم الصراخ بأنه يرى من ثقب ظهره، والجندي العجوز النحيل الذي جعل من ندائه اليومي وهو يرمي إلينا بعيدان الفجل الصفراء جملة موسيقية، ثم الآخر الذي كان صورة مجسمة للإنسان الأول بجسمه الضخم عديم الشكل».
رغم كل حالات التجريب الشكلي، والمعمار الروائي في «نجمة أغسطس» إلا أنها استمرار للحكي اليومي لما هو موجود في «تلك الرائحة»، مع فارق إضافة تفاصيل بناء السد، وتفاصيل الحكي عن رمسيس، حيث يصبح السياق السياسي المصري ممتداً منذ العهد الفرعوني وحتى اللحظة الراهنة، ويصبح السارد في حالة من المناهضة لسياق سياسي أكبر منه عمراً وأضخم منه ترسخاً في الأرض، وسواء كان استحضار رمسيس هو استحضار للمقارنة بينه وبين عبد الناصر، أو كان انتقاداً لمسيرة سياسية ترسخت فيها منظومة لا يقرها الراوي، فإن الإبداعية السردية قد نجحت في أن توجد آلية انتقال في الزمن من ناحية، وفي تشريح السياق السياسي في العهود الماضية، يقول سارد صنع الله إبراهيم في «نجمة أغسطس»: «فيتطهر الكاهن في البركة المقدسة ويشعل المبخرة. ويتقدم نحو المذبح مطهراً الأماكن الملحقة به برائحة البخور. هنا يرقد التابوت الذي يحوي التمثال الخشبي المذهب للمعبود. ويفض الكاهن الختم المصنوع من الطين، ويسحب المزلاج ويفتح المصراعين فيظهر التمثال المقدس. عندئذٍ يسجد الكاهن ويبخر التمثال ويدهنه بالطيب ويسبح بالأناشيد التعبدية. ويهب الكاهن الحياة للتمثال بأن يقدم إليه عين حورس، التي انتزعها منه عدوه (ست) وعثرت عليها الآلهة. ويتبع العين بتمثال آلهة الحقيقة ابنة رع . ثم يسحب المعبود من التابوت ويبدأ في تزيينه. فيبخره ويلبسه ثيابه ويعطره ثم يعيده إلى داخل التابوت. ويضع أمامه كل أنواع الأطعمة. وبعد تمام التطهير النهائي بالنطرون والمياه والتربنتينا يغلق التابوت ويسحب المزلاج ويضع الختم. ويتراجع الكاهن إلى الخلف ووجهه للإله مزيلاً آثار خطواته».
هذا التحول في مناقشة السلطة الممنوحة للكهنة، وتعرية ما يقوم به الكاهن من دروب ممارسة سرية، تخفي طقوسها على عامة الشعب، لكن الانتقاد عن طريق التعرية التاريخية عبر تداخلات السرد باستحضار أحداث استقطاعية ـ ولعلها مقدمة لفكرة الكولاج الروائي على نحو ما سيقوم به الكاتب في رواية «اللجنة» حيث يقول الراوي: «لا يعرف على وجه التحديد متى سيطرت على ذهن رمسيس الثاني فكرة الألوهية. وربما كان ذلك في العام الرابع والثلاثين من حكمه عندما أوشك معبد (أبو سنبل) الكبير على الإتمام. واتبع رمسيس في التبشير بعبادته أسلوب تصويره بين الآلهة أولاً كواحد منها، ثم عمد إلى انتحال أشخاص بعضها. ومن مناظره الطريفة كذلك أن يصور بناسوته في حضرة شخصه الآلي يتعبد إليه أو يتلقى منه البركات». ليس من العسير مُلاحَظَة أن الخط الفني في كلٍ من: «تلك الرائحة»، و«نجمة أغسطس» متقارب، وأنه بقدر ما كانتا تعتبران في وقتهما سابقتين لطريقة السرد والحكي عن غيرهما من معاصريهما، فإننا ننظر لهما الآن بوصفهما بدايةً لتطور صنع الله السردي، فقد طور آليات أكثر تعمقاً وقدرةً على مناورة الواقع ومناورة السلطة في روايات لاحقة، بينما كانت حداثية هذه الروايات في وقتها ما بها من جرأة، وما بها من وصف للواقع ولتفاصيل أحداث الواقع، ومناهضتها للسلطة في الآن نفسه، فضلاً عن شكل الفصول وتقسيمها في «نجمة أغسطس»، لكن رواية «اللجنة» التي تعد آخر تطورات هذه المرحلة التي يتولى فيها السارد الحكي بصفته الشخصية عن أحداث خاصة له وعن واقع يرصده من منظور السيرة الذاتية، إلا أن الكولاج الروائي، وتحليل الواقع من وجهة نظر اجتماعية – سياسية أكثر حضوراً وقوة.
شاعر مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية