رواية زبيبة (ماكِدّا الجدّة) للأردني خالد الجبر، تسرد بأسلوب يجمع بين التخييل الروائي والتوثيق التاريخي، حكاية العبدة «ماكِدّا»، من قرية «أَمكسوم» الحبشية، خُطفت أثناء حملة جيش الحبشة إلى اليمن بقيادة أبراها، وبيعت في أسواق النخاسة، فحطت بها الأقدار في قلب الصحراء العربية، لتصبح لاحقا «زبيبة» عبدة لعمرو بن شداد ثم زوجة له، وأما لعنترة، وجدّة لريحانة. تدور الرواية بين السيرة الشخصية والحكاية الرمزية، وتشكّل زبيبة صدى لذاكرة مثقلة بالاغتراب والانكسار والمقاومة الصامتة، والتحدي الفاعل.
تسعى الرواية إلى إعادة الاعتبار للهامش، وإلى مساءلة التاريخ لا من موقع النخبة، وإنّما من موقع العبدة والمرأة المهمّشة والأم. رسالتها أنَّ البطولة الحقيقة في حمل الذاكرة، لا في حمل السيف، وأنَّ المرأة ليست تابعا للرجل، بل صانعة لهويته وراوية قصته وراعية اسمه.
بطولة الهامش: زبيبة تصنع حكايتها
تُعلي الرواية من صوت الهامش، وتمنح للعبدة المهمشة ماكِدّا (زبيبة) بطولة سردية نادرة، إذ تتحول من جارية مملوكة إلى راوية حكيمة ومصدرٍ للذاكرة. وتصبح زبيبة بطلة؛ لأنّها احتفظت بكرامتها الداخلية، وصمدت رغم الاغتصاب والعبودية والضياع. هي صوت النسوة المنسيات، وصوت الهامش العريض المغيب، وحكمة التاريخ الصامت. تتجلى هذه البطولة في عبارتها الحاسمة: «كنتُ أمُوت وأَحْيا كلّما رأيتُ عينيه؛ عينَي فارسِ نهضَ مِن رَمادِ العَبيد، ونارِ الأسى، اسمُه عنترة … وكان لي كما لم يكُن لأحَد».
ترمز زبيبة، المرأة الحبشية السوداء، إلى الأم الأولى، إلى الأرض التي تُسلب وتُستثمر، لكنها لا تموت. زبيبة هي التاريخ الذي يُدفن ولا يُنسى، هي الصمت الذي يختزن العاصفة. وهي، على المستوى الرمزي، تمثّل افريقيا المغتصبة، والعروبة المنسية، والهوية المُبعدة عن مركز الحكاية.
تقول زبيبة تخاطب ريحانة في آخر لحظات حياتها، وهي بين أهلها في قرية «أَمكسوم»: «اسمعي الآن، واحفظي عنّي ما أقولُ مثل سَيْفٍ قديم… قولي لهم: كانت جدّتي صَبيّةً جميلةً، ثمّ صارتْ عَبْدةً، ثمّ أصبحتْ ذاكِرَة. كانتِ امرأةً تُدعى زبيبة… ثمّ عادَت وطنا يُدْعَى ماكِدّا.. نعم، عُدْتُ، وكلَّ شيء فيَّ يغنّي: (إنّ الحكاية لم تنتهِ بعد)». وكأنها رسالة وتأكيد أنّ ماكدا وإن ماتت جسدا، فلن تموت روحا وفكرة ونهجا، وستظهر ماكدا في كل زمان ومكان.
صورة العرب في الرواية
تظهر صورة العرب في الرواية مركّبة ومفككة وسلبية بشكل عام؛ فهم ليسوا كتلة واحدة، بل أطياف متعددة، بينهم حروب طاحنة، وثارات لا تهدأ، وغزو متبادل، وطبقية مقيتة، وتهميش للمرأة، واستكثار من العبيد والجواري، وميل للسكر والمجون، وصمت على الظلم. ويوحي معظم السياق بنقد ضمني للبنية القبلية الذكورية التي أحالت النساء عبيدا، ودفعت بأمثال زبيبة إلى الهامش، ولم تعترف بفضلهن حتى وهنّ يُنجبن الأبطال إلا مكرهة، وسرعان ما أُعيدت عبدة عندما مات عنترة.
ولم تذكر الرواية مأثرة ما للعرب إلا ما قام به الحارث بن عوف وهرم بن سنان من إطفاء حرب «داحس والغبراء» بين عبس وذبيان التي دامت أربعين عاما، وكأنّ الرواية تحاكم عصرنا الحاضر، وما آل إليه العرب من تشتت وضياع وحروب بينية، تخفت هنا وتشتعل هناك، يعيشون على هامش الحياة، لا دور لهم ولا تأثير، وليس لهم ما يدعو للفخر أو حتى الذكر.
ومن جميل ما وصفتهم به العبدة أم عنبسة: «يعتنونَ بخيولهم أكثرَ ممّا يعتنون بنسائهم. إنْ مات فرس، أقاموا مأتما. وإنْ ماتت امرأة، قالوا: كانت ضعيفة…. يُسَمُّون عبيدَهم بأسماء حُلوة: ريحانة، وطَلّ، وسَلامة… ويُسَمُّون أولادَهم بصَخْر، وحَرْب، وجَوّاس، ولَقيط… يضحكون حين يدُور الشِّرابُ برؤوسِهم، ويقتَتِلُون حين يُفيقون. يحبُّون السُّيوف والخَمْرَ والنِّساء، ويعيشُون من أجل ثأرٍ لا ينتهي… أقوياء… وأقسَى ممّا ينبغي، حتّى على أنفسِهم».
مضمرات الرواية
ما تضمره الرواية بمثابة نقد مزدوج؛ الأول اجتماعي وثقافي ضد استعباد النساء، والثاني سياسي رمزي ضد خيانة الهوية والانسلاخ عن الأصل. كل ما لم يُقل صراحة، كأن يكون عنترة ابن جارية سوداء وأب من كبار العرب، يفضح عنصرية التاريخ، ويضعنا أمام مأزق الاعتراف والإنصاف. الرواية تسأل دون أن تصرخ: مَنْ أنجب مَنْ؟ ومَنْ يروي الحكاية حقا؟ وعنترة في الرواية ليس المحارب الشهير والبطل المغوار، بل هو ابن المجهول المعروف. هو الابن الذي لم يعرف أصله إلا بعد أن صار بطلا. ترمز شخصيته إلى الذات المقهورة التي تصنع مجدها رغم نبذها. عنترة هنا «نتاج الحب والإجبار، القوة والهامش»، وهويته معلّقة بين عبوديته وعبلة. إنّه مرآة لوطن يرفض الهامش لكنه لا يستطيع النجاة من عطاياه. أما عودة زبيبة إلى أمكسوم، قريتها في الحبشة، وهروبها بريحانة، ابنة عنترة، فهو فعل رمزي بامتياز. إنّها عودة الذاكرة إلى الأصل، وهروب من التكرار. ترفض أن تُسلّم ريحانة لقدرٍ يشبه قدرها. وكأنّ الرواية تقول: لا خلاص إلا بالعودة إلى الجذر، إلى الأم، إلى ما قبل الأسر. إنّها إنقاذ المستقبل من ماضٍ تكرر كثيرا.
لماذا كان صوت المرأة هو الأعلى في الرواية؟
كان حضور المرأة طاغيا في الرواية، وصوتها الأعلى والأوضح؛ لأنَّ التاريخ لم يمنحها ذلك الصوت، فجاءت الرواية لتعيد توزيع الأدوار؛ فارتفع صوت المرأة لأنّه الصوت الذي لم يُسمع من قبل. واختار الراوي أن يُنصت لماكِدّا وبنات جنسها لا لعنتريات الحيّ، وأن يجعل من عذاباتها لغةً، ومن ذاكرتها سردا، ومن حكمتها مفتاحا لفهم الحكاية. وخفوت صوت الرجل هو ردّ اعتبار لصوت غُيّب طويلًا. من نساء الرواية أم ماكدا الصابرة المكافحة التي «تعرف الحُبّ حين لا يُقال، وتفهم الغياب قبل أن يقع، وتخزّن الحزن في أطراف أصابعها وهي تقلّب الخبز بصمت دافئ… كأنّه وداع لا يحتاج إلى كلمات». وحضرت جدة ماكدا الحكيمة، ومن أقوالها: «الرِّمال لا تحفظ الأقدام… لكنّها تبتلعها. ومن دخل في بطن الرّمل، ابتلعه الرّمل». ومرشدتها في السفر «سمالو» التي كانت لها ناصحة أمينة، ولما خُطفتا وبيعتا عبدتين، أوصت ماكدا قبل أن يفترقا قائلة: «لا تموتي، يا ماكِدّا … وإن أرادوكِ جارية، كوني سيّدة النّار. لِدِي رَبَّكِ، واصبري». وأنيسة عبدة السيد مالك التي أخذت بيدها وأوصتها بالصبر وعدم الهرب وقالت لها: «الحياةُ قيدٌ لا بدّ منه، والانفلاتُ منه لا يكونُ إلّا بالضّياع». وعبدة عمرو بن شداد أم عنبسة التي كانت رفيقة بماكدا ومرشدة أمينة لها. وصفتها ماكدا: «بدأت تدخل إلى حياتي بهدوء، مثل نسمة لا تعلن عن نفسها». وعبلة بنت مالك زوجة عنترة التي لما سألوها رأيها في الزواج من عنترة، قالت برضا: «أعرفُه منذ رأيتُه يركُض خلف الخيل، ويضحك كأنّ الرّيح معه».
ومن خلف الستار كان الموقف المشرف الذي وثقه التاريخ بحروف من ذهب عندما صدت بُهيسة بنت أوس بن حارثة الطائي زوجها الحارث بن عوف في ليلة دخلتها، وقالت: «أتَفرغُ إلى النّساء، وقومُك يُقَتِّل بعضُهم بعضا؟ اخرج وأصلح بينهم، ثم عد إليّ». وتحقق بموقفها هذا نهاية حرب ضروس. وهذا يشير إلى القوة الكامنة في المرأة، وتستطيع أن يكون لها دور وتأثير وإن بشكل غير مباشر، إن امتلكت الوعي والعزيمة. والصورة السلبية الوحيدة كانت لزوجة السيد مالك بن زهير، تلك السيدة المتعالية الشاذة التي تسببت بجرح بليغ في وجه ماكدا.
وبعد؛ فإنّ «زبيبة.. الجدة ماكدا»، الرواية الصادرة حديثا في عمّان، عن الآن ناشرون، لوحة فنية فاتنة فائقة الجمال نسجت بإبداع وبراعة، تنقل القارئ من روض إلى روض، لا ملل ولا سأم، بل طرب ومتعة وبهجة ونشوة. وهي سردية عن ذاكرة منسية، وعن أبطال ظلوا في الظل، وعن نساء حكيمات مهمشات أنجبن أبطالا، حيث يكتب خالد الجبر سيرة مَنْ لا سيرة له، ويمنح صوتا لمَنْ لم يكن يُسمع. إنها رواية تُعلّم القارئ كيف ينصت للهامش؛ ليس تعاطفا، وإنّما اعتراف ببطولته.
ورواية «زبيبة» مشروع واعد مميز لعمل درامي؛ مسلسل أو فيلم سينمائي أو مسرحية، وفيها كل المقومات والإمكانات، من لغة فاتنة، وحوار مختصر عميق، ووصف جميل لافت، وأحداث وشخصيات وتحولات، بالإضافة إلى رسالتها الإنسانية النبيلة، وإسقاطاتها اللافتة على الواقع.
كاتب أردني