يصعد أستاذ قصير القامة متوهّج العينين فوق مكتبه في مواجهة تلاميذ يبدو عليهم الاستغراب، ويسألهم: لماذا أقف هنا؟ وحين أجابه أحدهم: لتشعر بأنّك أطول، قال الأستاذ بحماس: «لا! أقف فوق مكتبي لأذكّر نفسي أنه يجب باستمرار أن ننظر إلى الأشياء بطريقة مختلفة». قام بهذا المشهد الأيقوني الممثل روبن وليامز قبل 36 عاما من اليوم (1989)، وقبل يقتل الابتذال جملة «التفكير خارج الصندوق»، فتصبح على كلّ لسان بفضل مهووسي التنمية البشرية وتطوير الذات. وليس هذا المشهد من فيلم «جمعية الشعراء الموتى» هو الوحيد الذي انطبع في ذاكرة مشاهديه، فمَنْ مِن عشاق الشِّعر لم يتأثر بكلمات القبطان كيتنغ محاطا بتلاميذه وهو يقول: «نحن لا نقرأ ولا نكتب الشعر لأنه ظريف. نحن نقرأ الشعر ونكتبه لأننا أفراد من الجنس البشري، والجنس البشري ممتلئ بالشغف».
اقتباسات كثيرة من الفيلم لا تزال تدور على الألسنة، فليس غريبا أن يوصف بأنه «أحد أكثر الأفلام الملهمة في تاريخ السينما» ونجاحه الجماهيري والنقدي لا يحتاج دليلا، فقد حقق ربحا ماديّا يقدّر بـ15 ضعف كلفته التي بلغت 16.4 مليون دولار، وترشّح لأربع جوائز أوسكار، نال إحداها عن أفضل سيناريو. وحسنا فعلتْ نتفليكس حين رفعته على منصتها الشهر الماضي لمنطقة الخليج، فأعادت إلى الأذهان – وكثيرون شاهدوه من قبل- متعة فكرية وبصرية كتب لها السيناريو توم شولمان وأخرجها بيتر واير، بحبكة تبدو بسيطة ولكن عمقها الإنساني جعلها خالدة، تجري أحداثها سنة 1959 في مدرسة إعدادية متخيلة تسمى «أكاديمية والتون» في مدينة «فيرمونت» ذات تقاليد دراسية صارمة مبنية على أركان أربعة: «التقاليد، الشرف، الانضباط، والتميز»، لا ينتظر فيها الآباء والمدرسون من تلاميذهم سوى شيء واحد: التفوق الدراسي ولا شيء غيره، وكل الأجواء توحي بذلك من هندسة المدرسة القوطية الصارمة إلى حدّة ملامح الأهل متمثلة في والد نيل بيري العسكري السابق، وصولا إلى الشخصية السلطوية لمديرها حامي التقاليد وحارس الانضباط، إلى أن عُيّن جون كيتنغ (تقمص دوره ببراعة روبن وليامز) أستاذا للغة الإنكليزية، فأحدث ثورة في نفوس تلاميذه بأساليبه غير التقليدية في التدريس، بدءا من مطالبتهم بمناداته «قبطاني! يا قبطاني!» (وهي جملة مستوحاة من قصيدة بالعنوان نفسه كتبها والت ويتمان بعد اغتيال الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن) وليس انتهاء بالعبارة السحرية «Carpe Diem» اللاتينية التي تعني «اغتنم اليوم» أو «استغل اللحظة» التي أصبحت شعارا للتلاميذ لتحقيق أحلامهم، وإن أساء بعضهم تفسيرها، فاستهزأ بمدير المدرسة متحديا، وكادت تكلفه الطرد، إلى أن وضح لهم أستاذهم أن «هناك وقتا للجرأة ووقتا للحذر، والرجل الحكيم يفهم أيهما مطلوب».
حماسة الأستاذ كيتنغ وثورته على طرق التدريس التقليدية، كما تجلت في أمر تلاميذه بتمزيق مقدمة كتابهم المدرسي التي تعرّف الشعر تعريفا جامدا مثل التعريفات العربية (الشعر كلام موزون مقفى)، وتشجيعهم على امتلاك الجرأة لكي يخطئوا ويجدوا أرضا جديدة، مستلهمين قول روبرت فروست «هناك طريقان يتفرعان في الغابة، وأنا اخترت الطريق الأقل اختيارا، وهذا صنع كل الفرق»، هذه الحماسة والثورة والتشجيع جعلت مجموعة من التلاميذ تتخذ من أستاذهم مثلا أعلى، فيسعون لتحقيق أحلامهم، ويُحيون تقاليد جمعية سرية للشعر اسمها «جمعية الشعراء الموتى» كان أستاذهم مؤسسها يوم كان طالبا مثلهم في الإعدادية نفسها، واتبعوا خطوات سابقيهم، فكانوا يعقدون اجتماعاتهم في كهف لقراءة أشعارهم وأشعار الشعراء العظام، مفتتحين جلساتهم بمقطع ملهِم للشاعر الأمريكي هنري ثورو «ذهبت إلى الغابة لأنني أردت أن أعيش دون تسرع، أن أعيش بكثافة وأن أمتص كل النخاع السري للحياة. أردت أن أطارد كل ما يشوّه الحياة، حتى لا أكتشف في شيخوختي أنني لم أعش». وأكثر من تأثر بهذا الأستاذ المحفز أفضل تلميذ في المدرسة نيل بيري، وهو ابن عسكري فعل المستحيل لإدخال ابنه إلى هذه الإعدادية المرموقة، لتوصله إلى دراسة الطب في هارفارد، وبتشجيع من كيتنغ فضّل نيل ملاحقة حلمه، في أن يصبح ممثلا وهو البارع في التمثيل أيضا، مثل براعته في دراسته.
ولكنّ شعار «اغتنم فرصتك» تحول إلى نهاية كارثية، حين علم الأب الصارم برغبة ابنه، فعارضه بقسوة دفعت بالمراهق الهشّ الحساس إلى وضع حدٍّ لحياته. كما تأثر بهذا الأستاذ الكاريزمي الشاب الانطوائي تود أندرسن، الذي يعيش في ظل أخيه الذي كان طالبا مميزا في المدرسة نفسها، فالأستاذ كيتنغ ساعده على اكتشاف نفسه، وكان يخجل أن يتحدث أمام زملائه، واستفزه حتى دفعه إلى ارتجال الشعر، وكانت نقطة تحول واضحة في حياة تود، ظهرت في المشهد الأخير من الفيلم، حين قام بفعلِ تحدٍّ وتمرد عندما صعد فوق طاولته صارخا «قبطاني! يا قبطاني!» فكانت تحيةَ تكريم وشكر لأستاذه واستعادة لصوته المكتوم. ورغم هذا المشهد الأخير الدالّ على تشبّع التلاميذ بأفكار أستاذهم، إلا أن نهاية الفيلم ليست في عمقها سعيدة، ففي الحقيقة لم يتغير شيء، وكان مرور الأستاذ القصير على الإعدادية حجرا رُمِي في بركتها الراكدة، حركها قليلا ثم عادت إلى سكونها الأبدي، فالطالب المتحمس طُرد، والإدارة بمساعدة الأهل ضغطوا على التلاميذ ليشهدوا أن تحريض الأستاذ هو من دفع نيل إلى الانتحار. ولكن بقليل من التجرد أليس كيتنغ يتحمل أيضا جزءا من مسؤولية الانتحار، إذ بالغ في حث الشاب على السعي وراء تحقيق حلمه، وصدّقه دون تأكّدٍ حين أخبره نيل أن أباه وافق على تمثيله في المسرحية، مقابل المحافظة على علاماته الممتازة؟
مرّر فيلم «جمعية الشعراء الموتى» رسائل كثيرة منها، رفض الامتثال للتقاليد التي تبدو في ظاهرها جيدة وإيجابية، ولكنها تحجّم الطموح، وتضع التلاميذ في مسار واحد هو النجاح الدراسي لا يفكرون في الخروج عليه، ما دام هذا المسار محروسا برغبة الآباء الشديدة ومهابة الإدارة. فالفيلم من خلال شعار «اغتنم اليوم»، فيه دعوة للسعي وراء الشغف والأحلام، وعدم تأجيل ذلك، لأن الزمن لا ينتظر أحدا، كما يركز الفيلم على أهمية التفكير المستقل، حتى في فِعلِ التلقي كالقراءة، يحرض الأستاذ تلاميذه على تقوية شخصياتهم قائلا، «عندما تقرأون لا تهتموا بما يفكر فيه الكاتب فقط، بل اهتموا بما تفكرون فيه أنتم». ويعيد الفيلم الاعتبار للشعر خصوصا، والعلوم الإنسانية عموما، فهما بأهمية الطب والهندسة إن لم يكونا أهم في رأي كيتنغ، مستشهدا بأقوال الفلاسفة والشعراء الكبار. كما نجد في الفيلم تشريحا لدور المعلم الملهِم، وليس عجيبا أن هذا الفيلم من أكثر الأفلام شعبية عند المعلمين، وقد تقررت مشاهدتُه في كثير من الثانويات الأمريكية، وبالمقابل نجد فيه شجبا لضغط المجتمع ولرغبة الآباء في صوغ مستقبل أبنائهم على صورتهم، حتى إن تعارض ذلك مع رغبات الأبناء أنفسهم. ولكن في مقابل هذه النقاط الملهمة والصورة الوردية عن الشعر والشغف والحلم تعرّض فيلم «جمعية الشعراء الموتى» لانتقادات وجيهة، خاصة من جيل زد (Z) جيل الإنترنت ووسائل التواصل، الذي اعتنق قيما مختلفة، فتصرُّفُ الطالب نوكس ومحاولاته الحثيثة للحصول على قلب الصبية كريس، رغم علمه أنها مرتبطة بشخص آخر، كان في زمن الفيلم يعتبر رومانسية واغتناما للفرصة، لكن في وقتنا الحالي يعدّ تحرشا وسلوكا عدوانيا، خاصة إذا ترافق مع وقاحة الحضور إلى منزلها دون موافقتها.
كما يرى الجيل الجديد أن الفيلم يشجع على التمرد الفردي فبطولة التلاميذ ذهبت أدراج الرياح عند أول امتحان حقيقي، وكان الأولى السعي لتغيير النظام التقليدي من أساسه، بل حتى فكرة الانتحار يمكن النظر إليها على أنها تشجيع عليه من دون قصد، فهي تبدو عملا نبيلا، في مواجهة تعسف الأب، وترسل إشارات خطيرة للمشاهدين المراهقين الذين يسهل التأثير عليهم (الفيلم مسموح من سن 13 سنة حسب تصنيفه) بأن الانتحار أحد الحلول الممكنة حين تصطدم أحلامك بصخرة الواقع. وهو انتقاد وجيه بمفهوم الصحة العقلية ومعالجة الصدمات النفسية في علم النفس الحديث. كما أنه مسيء من الناحية التربوية للنظام التعليمي كله، فهو يتحدث عن المشاعر تجاه الأدب لا عن التحليل النقدي للأدب، ويقلل من قيمة الدراسة المنهجية للأدب.
ورغم هذه الانتقادات نتيجة تغيير في منظومة القيم، يبقى الفيلم في مجمله تحفة سينمائية مع ممثلين شباب موهوبين، وممثل كبير ساحر في جدّه وسخريته، وصلتنا عبره خلال ساعتين من الحلم رسالة ملهمة تقول: «بغض النظر عما يقوله أي شخص، الكلمات والأفكار يمكنها أن تغيّر العالم.
شاعرة وإعلامية من البحرين
