بيروت ـ «القدس العربي»: زينة المصايف في جبل لبنان تمتاز بجمالها الطبيعي الأخّاذ في أحضان غابات الصنوبر الخضراء، تاريخها الماضي والحاضر يزخر بالنشاطات السياحية والثقافية والفنية، إنها بلدة سوق الغرب التي لطالما شكلت وجهة للسياح الذين يقصدونها كمنتج سياحي مثالي لتمضية عطلتهم الصيفية وسط مناظر طبيعية خلابة ومناخ صحي معتدل جعلها أشبه بـ «الجنة» على حد وصف الفنان المصري الكبير الراحل محمد عبد الوهاب الذي اسُتقبل في فنادقها العريقة إلى جانب العديد من كبار الفنانين اللبنانيين والعرب والأجانب.
موقعها الجغرافي وتسميتها
لسوق الغرب موقع جميل يطل على معالم بيروت ويشرد النظر منها على البحر الممتد من خليج جونيه إلى بيروت وصولاً إلى الدامور، وهي تقع في قضاء عاليه في محافظة جبل لبنان وتحديداً في وسط الشحار الغربي على تلة استراتيجية امتداداً لتلة الروس التي تسيطر على المنطقة بأكملها في أحضان غابات الصنوبر التي تحيط بها ما جعلها بلدة من أجمل بلدات القضاء.
تعلو سوق الغرب عن سطح البحر من 700 إلى 850 متراً، وتبعد عن بيروت نحو 22 كلم وعن مدينة عاليه مركز القضاء حوالي 6 كيلومترات، ويمكن الوصول إليها عبر مدينة عاليه –عين الرمانة (عاليه) عين السيدة، أو عبر مدينة الشويفات – بشامون ـ عيتات أو عبر عرمون ـ قبرشمون – عيتات.
وخلافاً لمعظم تسميات البلدات اللبنانية التي تعود إلى اللغة السريانية أو الارامية، فإن بلدة سوق الغرب يعود إسمها إلى الأصل العربي، وكانت تدعى بسوق العين لانها قائمة على منبسط من الأرض عند عين ماء، كان المارون يتوقفون عندها للارتواء من مياهها، فضلاً عن تبادل وبيع منتوجات ومحاصيل مزارعي الجوار. ولاحقاً في أواخر القرن الثامن عشر اكتسبت سوق الغرب إسمها بسبب شهرة سوقها التجاري الضخم الذي كان يُعد من أوائل الأسواق التجارية في المنطقة والذي كان يقع في الجهة الغربية التي تمتد من عاليه ولغاية بلدتي كفرمتى وعبيه.
ميزاتها العلمية والثقافية والطبيعية
تتميز بلدة سوق الغرب الجميلة والساحرة بأنها مزجت بين التربية والعلم والثقافة وفن العمارة والتاريخ وسحر الطبيعة، فباتت بلدة نموذجية مميزة على الصعد كافة بفضل ما تختزنه من معالم تراثية وجمالية ودور عبادة ومدارس ومعاهد تربوية وجامعية ناهيك عن الفنادق والمنازل التراثية.
وامتازت المدينة منذ القديم بالعلم والثقافة بفضل أهم المدارس في لبنان والتي تعلّم فيها العديد من الشخصيات اللامعة والراقية والعلماء في حينه، وقد اقفلت معظم تلك المدارس وتمت إعادة تسمية بعضها، ومن بينها المدرسة الأمريكية سابقاً، ومدرسة «سوق الغرب» وهي من أقدم المدارس في لبنان وتأسست في عام 1680 واستمرت لغاية عام 1976 وكانت مدرسة داخلية أيضاً جذبت إليها العديد من المغتربين الذين أرسلوا أبناءهم لتلقي العلم والدراسة في صفوفها، وأبرز من تخرج من هذه المدرسة الأديب اللبناني أنيس فريحة، الذي عاد ودرّس فيها مادة اللغة العربية. كما كانت توجد مدرسة سوق الغرب لتعليم اللغة الانكليزية فضلاً عن كلية سوق الغرب اللبنانية التي توقفت في عام 1982، ومدرسة سوق الغرب المشيخية، ومعهد سوق الغرب التقني.
ومن بين المدارس «بيت إسعاد الطفولة» التي تأسست في عام 1976، وهي مدرسة فلسطينية أنشئت بجهود الاتحاد النسائي العربي الفلسطيني والجمعية اللبنانية التي نشأت بعد نكبة الشعب الفلسطيني، وكانت تدرّس المنهاج اللبناني فضلاً عن مواد تتعلق بالقضية الفلسطينية. ولاحقاً أقفلت المدرسة عام 1982 بعد القصف الوحشي الإسرائيلي عليها ما اضطر إلى نقل طلابها إلى منطقة عدرا قرب دمشق. كما انطلقت من أروقة هذه المدرسة فرقة الفولكلور الفلسطيني التي جابت الدنيا بصوتها وألحانها والدبكة الفلسطينية. ومن بين طلاب هذه المدرسة أسماء بارزة منها أحمد المذبوح السفير الفلسطيني في بيلاروسيا، وعلي حافظ الفار مقدم في حركة «فتح»، والدكتور ثابت طه، وزعل أبو رقطي مدير عام في التلفزيون الفلسطيني ومحمد الجموع مسؤول المترجمين في الأمم المتحدة وسواهم.
ولاحقاً، تحولت مدرسة سوق الغرب إلى جامعة البلمند بناء على رغبة من الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط والنائب السابق أنيس نصار إبن بلدة سوق الغرب، حرصاً منهما على الحفاظ على مفهوم العيش المشترك في البلدة التي عصفت فيها رياح الحرب المشؤومة ومنها حرب الجبل وما عُرف بجبهة «سوق الغرب». وفي العام الماضي احتفلت الجامعة بالذكرى العاشرة لانطلاق فرعها في بلدة سوق الغرب برعاية وحضور كل من بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي ورئيس طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبو المنى ورئيس الجامعة والنائب السابق وليد جنبلاط الذي أشاد بالنجاح الكبير الذي تحقق بإقامة صرح جامعي في قلب جبل لبنان وفي سوق الغرب، معتبراً في كلمته «أن هذا الصرح التاريخي يعود إلى أيام النهضة، وكان وسيبقى منارة للعلم والمعرفة والتنوع». وأضاف «هنيئاً لنا ولكم هذا الصرح الجامعي الكبير، اليوم وفوق العواصف والحروب الباردة والساخنة في كل مكان».
المنتزهات
والمطاعم والفنادق الأثرية
لأن سوق الغرب كانت تعد لؤلؤة الاصطياف انتشرت فيها العديد من المنتزهات والمطاعم والفنادق التراثية الضخمة التي كانت مراكز اقتصادية وسياسية مهمة في البلدة، وأصبحت ملاذًا ومقصدًا ممتعًا تجذب إليها السياح العرب والأجانب ورجال الأعمال والمستثمرين الذين ينشدون السكينة والراحة والاستمتاع بألذّ وأشهى المأكولات والمشروبات والحلويات. ومن بين هذه الفنادق فندق «سرسق» وهو من أهم وأقدم الفنادق التي بنتها عائلة سرسق الأرستقراطية في عام 1892 في هذه القرية الواقعة على خط القطار الآتي من بيروت، وكانت ضربة المعلم، بإلحاقه بكازينو كان الأول من نوعه في لبنان والشرق الأوسط، ما رفع عدد زواره، وتهافتت إليه العائلات الثرية خصوصًا البيروتية من آل بسترس وسرسق وتابت، وليتوج سريعًا أبرز فنادق الشرق الأوسط مطلع القرن العشرين.
ومن بين الفنادق التي ذاع صيتها فندق «حجار» الذي كان من أهم الفنادق وشهدَ عهداً ذهبياً في مرحلة ما قبل الحرب اللبنانية لما كان عليه من فخامة وشهرة قلَّ نظيرهما، ولكنه توقف خلال فترة الحرب كغيره من فنادق سوق الغرب، واشتراه أحد المستثمرين من بلد عربي فضلاً عن وجود فندق سوق كامل وصليبا ونزل نادر.
كما جذب هذا الفندق مجموعة من كبار الفنانين اللبنانيين والعرب والأجانب ولعب دورًا كبيرًا في أحداث سياسية بارزة في لبنان والعالم العربي، حين احتضنت قاعاته وحدائقه اجتماعات ولقاءات سرية جمعت أمراء ودبلوماسيين وجنرالات فرنسيين وبريطانيين، ومن بين الفنانين الذين استقبلهم هذا الفندق كوكب الشرق السيدة أم كلثوم والموسيقار الكبير الفنان محمد عبد الوهاب الذي أطلق على سوق الغرب لقب الجنّة، وشهد هذا الفندق في ثلاثينيات الماضي على أول حفل لملكات الجمال.
ومن بين المطاعم والمقاهي القديمة في سوق الغرب أيضاً: مطعم «تيوريل» و«كازينو بارودي» ومطعم «بارون» و«كازينو راس الجبل» و«كافيتريا كوكو بليكو».
معالمها الدينية التاريخية
تضم بلدة سوق الغرب العديد من الأديرة الدينية والكنائس التراثية الأثرية ومن بينها كنيسة القديس جاورجيوس التي بناها آل عطية بموجب فرمان من السلطان العثماني في عام 1570، فكانت تعتبر أول كنيسة خلال الحكم العثماني، وفي عام 1866 اعتُبرت لؤلؤة هندسية في عصرها ومن أضخم المباني الأرثوذكسية في لبنان، ولاحقا في عام 1904 وبناءً على طلب متروبوليت بيروت جراسيموس مسرة، بُنيت كنيسة جديدة أكبر حجمًا مع دير بجانبها ولكنهما تضررا بفعل الحرب عام 1983، ولكن بعد انتهاء الحرب عزم المطران الياس عودة متروبوليت بيروت وتوابعها إلى إعادة ترميم بناء الكنيسة عام 1994 وتم تأهيلها وتكريسها في عام 1996.
وتتميز الكنيسة بأعمدتها الضخمة وقبّتيها البيزنطيتين والقناطر الداخلية والأيقونسطاس المصنوع من خشب الأرز وبرج الساعة الذي يقع فوقها بهدف إخبار الناس بالوقت، كما تتميز الكنيسة برسوماتها الجدارية، فعلى قبّة الهيكل رسم للعذراء مريم والطفل يسوع داخل إطار مذهب، وقد صُوّرت والدة الإله وفق التقليد البيزنطي صاعدةً إلى السماء تُزيّنها الأشعة الشمسية والغيوم.
وتضم البلدة ايضاً كنيسة سيدة البشارة وقد بنيت هذه الكنيسة في عام 1899، وهي مبنية من الحجر المعقود الأنيق ومزينة بأروع اللوحات الدينية والقديسين فضلاً عن كنيسة للبروتستانت تأسست على يد إحدى الإرساليات الأمريكية في منتصف القرن التاسع عشر.
كما تضم البلدة ديراً للقديسة كاترينا وهو المقر الصيفي التابع لدير راهبات مدرسة «زهرة الاحسان» في الأشرفية.
وبالعودة إلى الحقب التاريخية في البلدة يذكر بعض المراجع أنه عثر على بعد مسافة قصيرة من كنيسة القديس جاورجيوس في سوق الغرب على بقايا قلعة مسورة، وتشير الأدلة الأثرية إلى انها احتلت في العصور الفينيقية واليونانية والرومانية والبيزنطية.
والمرجح بأن الموقع احتله التنوخيون في القرن الخامس عشر، والمعنيون في القرن السادس عشر والشهابيون في القرن السابع عشر، تم أعيد ترميمه من قبل عائلة بيت تلحوق في القرن الثامن عشر.
تقول الأسطورة ان العديد من المزارعين والمتحجرين وجدوا وفرة من الكنوز على الموقع، بما في ذلك العملات الذهبية، والتحف القديمة، والرموز الدينية وسواها.
وتبين وراء الحصن في أعمق الوادي وجود بقايا قرية مهجورة تعرف باسم عين الظهر.
جنة الله على الأرض
لا يمكن لأي زائر لسوق الغرب أن يغفل النظر عن زيارة منطقة رأس الجبل المعروفة بأنها من أجمل المناظر الطبيعية السياحية التي يشرد نظر كل زائر بها وينذهل بسحر موقعها المشرف على القرى المجاورة وإطلالتها على البحر وكثرة غابات الصنوبر، في لوحة طبيعية فريدة من نوعها تجمع بين الطبيعة الخضراء وزرقة البحر وكأنها «جنة الله على الأرض»، ما جعلها بكاملها منتزهاً جميلاً يقصده كل عشاق الطبيعة للاستمتاع بهذه «الجنّات الخضراء عا مد النظر اللي ما بينشبع منها نظر» كما أنشد العملاق الكبير الراحل وديع الصافي.
البيوت الأثرية
حافظت معظم المنازل في بلدة سوق الغرب على طابع تراث البيت اللبناني بهندسته المميزة وعمارته الفريدة وبقناطره وحجارته القديمة الأثرية وقرميده الأحمر الذي يكسو هذه المنازل التي تعكس حكاية الجمال التراثي، واستقبلت هذه المنازل القديمة والجميلة جداً والتي تعود إلى مئات السنين وأُعيد تأهيل الكثير منها بعد الاضرار التي أصابتها في الحرب، شخصيات بارزة ارتبط إسمها بالأحداث التاريخية وعلى سبيل المثال البيت الذي بناه جورج بيك مشعلاني الذي كان قائد جيش مصري في عهد الملك فؤاد الأول، اتخذه الجنرال ديغول في أثناء الحرب العالمية في عام 1943 مسكناً له، كما كانت سوق الغرب مصيف المندوب السامي الفرنسي الذي أقام في بيت العجلاني في منطقة رأس الجبل في سوق الغرب.
منتوجات سوق الغرب
تحتل المساحات الخضراء حوالي 75 في المئة من مساحة سوق الغرب الإجمالية، وهي مساحات شاسعة يكثر فيها العديد من أنواع الأشجار ومن بينها الصنوبر والزيتون المعمّر والتي يبلغ بعضها مئات السنين، وتشتهر بإنتاجها الزراعي المنوع بين كروم العنب وبساتين الأجاص والدراق والتفاح.
مهرجانات الأعياد
تستعد بلدة سوق الغرب للاحتفال بعيد السيدة العذراء بمهرجان ضخم يقام سنويا على مدار ثلاثة أيام متتالية في 13 و14 و15 من شهر آب/أغسطس، ويعرض أبناء البلدة في الاحتفال منتوجاتهم ومأكولاتهم، ويعتبر عيد السيدة من التقاليد المتبعة في البلدة إلى جانب عيد مار الياس في 20 تموز/يوليو وعيد الصليب في 14 أيلول/سبتمبر. وفي المناسبة تقام القداديس الاحتفالية وبعدها السهرة الفنية مع عشاء قروي يجمع أبناء البلدة والجوار فضلاً عن الزوار والسياح الذين يقصدون البلدة للترفيه والسياحة.
إلى ذلك، تقيم بلدة سوق الغرب سنوياً في فصل الصيف أسبوعاً للنظافة يشترك فيه أبناء البلدة من خلال تزيين محلاتهم التجارية والاعتناء بحدائق منازلهم وتخصص البلدية جوائز قيمة لأنظف محل تجاري وأجمل حديقة.
أما عائلات سوق الغرب فأبرزها صليبي، بارودي، سابا، حجار، خلف، نصار، عطية وقشوع.