المعمرون الذين تتجاوز أعمارهم 100 عام… كيف يتجنبون الأمراض؟

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: قد يعيش البشر أعماراً أطول في المتوسط هذه الأيام، ولكن مع ذلك، لن يعيش سوى جزء صغير من الناس ليبلغ المئة، فيما لا تزال أسباب بلوغ قلة مختارة من البشر هذه الأعمار لغزاً محيراً للعلماء.

ونقل موقع «ساينتست أليرت» العلمي المتخصص عن أحدث بحث منشور في هذا المجال أنه كشف مؤخراً عن عامل قد يكون مفتاحاً لطول العمر الذي يتمتع به المعمرون.
وبحسب تقرير الموقع الذي اطلعت عليه «القدس العربي»، فقد وجد الفريق البحثي أن من يعيشون حتى سن المئة يبدو أنهم يمتلكون قدرة خارقة على تجنب الأمراض.
ويحظى المعمرون باهتمام كبير من العلماء لأنهم قد يحملون مفتاح فهم كيفية عيشنا حياة أطول، وعيش حياة أطول بصحة أفضل.
ومن الأسئلة التي لطالما تساءل عنها الباحثون: هل يكمن أحد مفاتيح مرونة المعمرين في قدرتهم على تأجيل الأمراض الخطيرة، أم أنهم ببساطة أكثر قدرة على النجاة منها؟ أم أنهم يتجنبون بعض الأمراض تماماً؟
ويقول العلماء إن فهم إجابة هذه الأسئلة سيقربنا خطوةً واحدةً على الأقل من تحديد العوامل المحددة التي تُسهم في طول العمر.
وفي دراستين حديثتين، قام العلماء بتحليل ومقارنة الأشخاص الذين عاشوا لفترة طويلة وقصيرة العمر والذين وُلدوا في العام نفسه.
وأظهرت نتائج الدراستين أن المعمرين لا يعانون فقط من أمراض أقل عموماً طوال حياتهم، بل يُصابون بها أيضاً ببطء أكبر، كما أنهم أقل عرضة للإصابة بأمراض مميتة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية الخطيرة، مقارنةً بأقرانهم الذين عاشوا لفترات أقصر.
وشملت الدراسة الأولى 170 ألفاً و787 شخصاً وُلدوا في مدينة ستوكهولم بالسويد، بين عامي 1912 و1922. وباستخدام بيانات صحية تاريخية، تمت متابعة السكان لمدة 40 عاماً، إما من سن الستين حتى وفاتهم، أو حتى سن المئة.
وقام العلماء بحساب مخاطر إصابة كل مشارك بالسكتة الدماغية، والنوبات القلبية، وكسر الورك، وأنواع مختلفة من السرطان، وتمت مقارنة من نجوا حتى سن المئة بنظرائهم الذين عاشوا لفترة أقصر. ووجد العلماء أن المعمرين لم تكن معدلات إصابتهم بالأمراض أقل في أواخر منتصف العمر فحسب، بل استمرت هذه المعدلات طوال حياتهم عموماً. وعلى سبيل المثال، في سن الخامسة والثمانين، لم يُصَب سوى 4 في المئة ممن بلغوا سن المئة بسكتة دماغية. وفي المقابل، أُصِيب حوالي 10 في المئة ممن كادوا أن يبلغوا سن المئة، أي الذين عاشوا بين 90 و99 عاماً- بسكتة دماغية في سن الخامسة والثمانين.
وعلاوة على ذلك، ورغم عيشهم لفترة أطول، فإن خطر إصابتهم بمعظم الأمراض طوال حياتهم لم يصل قط إلى مستوى أقرانهم الأقصر عمراً.
وفي سن المئة، أصيب 12.5 في المئة من المعمرين بنوبة قلبية، مقارنةً بما يزيد قليلاً عن 24 في المئة بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 80 و89 عاماً. ويشير هذا إلى أن المعمرين يؤخرون – بل ويتجنبون في كثير من الحالات- الأمراض الرئيسية المرتبطة بالعمر، بدلاً من مجرد النجاة منها بفعالية أكبر. وفي الدراسة الثانية التي أجراها العلماء، واستعرضها موقع «ساينس أليرت»، شملت 40 حالة طبية مختلفة، تراوحت هذه الحالات بين الخفيفة والشديدة، مثل ارتفاع ضغط الدم، وقصور القلب، وداء السكري، والنوبات القلبية.
وأجريت هذه الدراسة على 274 ألفاً و108 مشاركاً وُلدوا بين عامي 1920 و1922 وعاشوا في السويد، وتمت متابعة المشاركين لنحو 30 عاماً، إما من سن السبعين حتى وفاتهم أو حتى بلوغهم سن المئة، وبلغ إجمالي عدد المعمرين الذين تجاوزوا المئة عام 4330 شخصاً، أي ما يعادل 1.5 في المئة فقط من المشاركين الذين أجريت عليهم الدراسة.
وحتى بعد تضمين مجموعة أوسع من الأمراض والسماح للمشاركين بالإصابة بأكثر من حالة صحية واحدة في التحليل، توصل الفريق البحثي إلى نفس الاستنتاجات التي تم التوصل إليها في الدراسة الأولى: أصيب المعمرون بأمراض أقل، وكان معدل تراكم الأمراض لديهم أبطأ على مدار حياتهم. كما وجد الباحثون أن المعمرين كانوا أكثر عرضة للإصابة بأمراض تقتصر على جهاز عضوي واحد. وهذا دليل على صحة هذه المجموعة وقدرتها على الصمود، لأن الأمراض التي تصيب جهازاً عضوياً واحداً أسهل بكثير في العلاج والإدارة على المدى الطويل.
وعلى سبيل المثال، بينما كانت أمراض القلب والأوعية الدموية التشخيص الأكثر شيوعاً بين جميع الفئات العمرية، كان المعمرون أقل عرضة للتشخيص مقارنةً بزملائهم قصيري العمر.
وفي سن الثمانين، شُخِّص حوالي 8 في المئة من المعمرين بأمراض القلب والأوعية الدموية. وبالمقارنة، شُخِّص أكثر من 15 في المئة من الأشخاص الذين توفوا في سن 85 عاماً بأمراض القلب والأوعية الدموية بحلول سن الثمانين. ويبدو أن انخفاض معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية عامل أساسي في إطالة عمر المعمرين.
كما أظهر المعمرون قدرة أكبر على الصمود في مواجهة الحالات العصبية والنفسية – مثل الاكتئاب والخرف – طوال حياتهم.
وعلى الرغم من أن معظم المعمرين أصيبوا في نهاية المطاف بحالات صحية متعددة، إلا أنهم أصيبوا بها في وقت متأخر من حياتهم مقارنةً بغير المعمرين، وعادةً في سن 89 عاماً تقريبًا.
ومن الجدير بالذكر أن غير المعمرين عادةً ما عانوا من زيادة حادة في عدد الحالات الصحية التي عانوا منها في السنوات الأخيرة من حياتهم. ولكن المعمرين الذين تجاوزوا المئة عام لم يعانوا من نفس التدهور الحاد في صحتهم، حتى من سن التسعين فصاعداً.
ويقول العلماء إنّ اكتشاف قدرة المعمرين على تأخير الإصابة بالأمراض، وفي بعض الحالات تجنبها، رغم عيشهم حياة أطول، أمرٌ مثيرٌ للاهتمام ومشجع. فهو يُظهر إمكانية التقدم في السنّ بشكل أبطأ من المعتاد، ويُخالف الاعتقاد السائد بأنّ طول العمر يُصاحبه حتماً المزيد من الأمراض.
وتشير نتائج هذه الدراسات إلى أنّ طول العمر الاستثنائي لا يقتصر على تأجيل الإصابة بالأمراض فحسب، بل يعكس نمطاً مُميزاً من الشيخوخة. ولكن يبقى من غير المعروف ما إذا كان هذا يُعزى أساساً إلى العوامل الوراثية، أو نمط الحياة، أو البيئة، أو إلى مزيج من هذه العوامل.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية