إسرائيل كيان مارق لأنه لا يستند إلى القانون، ولا يريد أن يخضع له، بل فَضَّل منذ نشأته المفترضة والمفروضة على المجتمع الدولي، الذي بدأ بالتشكل، بعد تأسيس هيئة الأمم المتحدة، أن يفْلت من القواعد التي تَحْكم الأمم والدُّول والمجتمعات، لما له من دَيْن على البلدان الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، لأن جريمة الجرائم التي لا تغتفر ولا تعرف التقادم هي، المذبحة أو المحرقة الكبرى، التي أعدت ليهود أوروبا من قبل الأوروبيين أنفسهم، وليس الألمان فقط، بل بعض اليهود كانوا نازيين ومناصرين للزعيم هتلر وللزعيم الفاشي موسوليني.
إسرائيل كيان عِبري يحرص على تقديم الشاهد الديني الأسطوري لتبرير وجوده، واستحقاق دولة له، مثل سائر بلدان العالم.. الخروج السافر عن جادة السياسة والتماس الأساطير والشرائع الدينية القديمة التي تحتاج إلى عقل الدولة، من أجل أن يعاد لها المعنى والمنطق والأحكام المعقولة، وليس الاستناد القَبْلي عليها، من أجل تبرير حق اليهود في قيام دولتهم.. المنطق مقلوب تماما ولا يحيل إلى دعامة مفهومة، أو سند مقبول ومعقول.
اليوم، يتأكد الجميع أن إسرائيل كيان مارق، ولا يمكن أن يكون دولة في المجموعة الأممية التي تتوسّل القانون الوطني والدولي، من أجل احتلال المنصب اللائق بها
وعليه، قياسا على الحالة العامة، التي سادت مقدمات وسيرورة الحرب الكونية الثانية، وبالرجوع إلى لوائح وتشريعات العقل الإنساني الحديث والمعاصر، نتأكد وعن يقين تام مروق الكيان العبري، الذي عبثا يحاول أن يتطاول على العقل المعاصر، الذي يجمع معه الممارسة في وحدة لا يمكن فصم عراها. فالعقل الذي يتواصل مع إمكانياته المتجددة، بناء على ثنائية النظرية والممارسة، هو الذي يشتغل الآن في ما يعرف بالحضور الفوري للشيء وطريقة التفكير فيه، وأن كل ما هو صحيح يطرد ما هو زائف، على النحو ذاته الذي يسري على النقود، العملة الصحيحة تطرد العملة الزائفة، وكذلك الدولة الزائفة، يجب أن تتوارى وتظهر الدولة التي تجاري العصر في كل محدداته وتجلياته، ولما هو أصدق وشرعي وفاعل لشعبها ولسائر البشر، وليس بؤرة توتر وخطر محدق بالناس جميعا، على ما يصنعه الكيان الصهيوني في آخر حِقَبه. ما يجري اليوم، بفضل تداعيات طوفان الأقصى، هو نقيض تماما لما حاول عمله المستعمرون والمناهضون للسامية، غداة الحرب العالمية الثانية، وتأسيس الأمم المتحدة، وعلى طرف نقيض على ما جرى تداوله في أروقة ومنابر ومنصات محكمة نورنبورغ، التي حاكمت زعماء وأزلام النظام النازي. كل الأجواء والهمم كانت تتجه إلى نبذ العنصرية والاستعمار والإمبريالية، والتطلع إلى حرية الشعوب في تقرير مصيرها.. لكن كل ذلك لم يكن كافيا أمام إعادة توظيف العنصر اليهودي، الذي أبرم صفقة بين كبار الإمبريالية، والصهاينة من أجل توطين احتلال جديد لليهود في الأرض العربية، عبر سرقات موصوفة للأرض والتاريخ، واغتيال الوعي بالأساطير والخرافات، أي بإنتاج وثائق مزيفة، وتغيير متَعسّف للجغرافية والتراث، وإعادة الإيقاع بين السكان الأهالي وحُكَّامهم، وانتهاك الدِّين والأخلاق وإعدام الشَّرف والحياء في استراتيجية تنطوي على نزعة صهيونية تخدم الغرب، ليس بمعنى ما، ولكن بكل معاني الكلمة، خاصة عندما يسخّر الجنس اليهودي مرة، في عملية مناهضة السامية آخر طرازها الإبادة الجماعية لهم، على ما فعل الحكم النازي أقوى فكر أوروبي في الغرب، ثم مرّة أخرى عندما أسند لليهود أيضا عملية إبادة وإعدام العرب في منطقة الشرق، على أساس أن الغرب هُزِم في تكريس الاستعمار كنظام سياسي حديث، وكان الأفضل أن يكلف اليهود مرة أخرى بضرب الأساس الذي أعاد لهم الاعتبار ولو نوعا منه، ونقصد إبادة الغرب لهم وإبادة اليهود للعرب. وتلك هي اليوم، المأساة التي يدفع ثمنها ليس العرب واليهود فحسب، بل العالم كله أيضا. التوصيف السابق يبقى اليهود دائما في المشهد، ويُحْصرهم كموضوع قائم في كل التقديرات والحسابات، وهذا ديدنهم دائما: التماس سياسة الإيقاع وبيع بالجملة والتفصيل، السلع والبضاعة المريبة والمغشوشة، أي صفقات ومعاملات لا تقيم وزنا للأمانة والعهد والصدق والوفاء.. بل تعمد أول ما تعمد إلى الخروج عن الدوائر والرغبة الجامحة للانتهاك والاختراق، على ما تفعل إسرائيل اليوم في سوريا ولبنان، واليمن وإيران، ناهيك من غزة والضفة الغربية.. وغدا لنظيره قريب. ما يجري اليوم في غزة هو حالة صهيونية رعْناء تنم عن آخر لحظة خروج حكّامهم من التاريخ والطرد الشنيع لهم من دائرة الإنسانية المعاصرة. فيوميات غزة هي يوميات يهودية نقلت إلى العرب باللعبة السادية نفسها، التي عوملوا بها في ذروة الحكم النازي.. يحاولون اليوم التخلص من هذه العقدة ليس بتجاوزها.. بل بالتمتع بها كلحظة يجب المرور بها مرة على مرة على ما هي لحظات التاريخ اليهودي أو ما يعتقد أنه يهودي.
اليوم، يتأكد الجميع أن إسرائيل كيان مارق، ولا يمكن أن يكون دولة في المجموعة الأممية التي تتوسّل القانون الوطني والدولي، من أجل احتلال المنصب اللائق بها. إسرائيل ليست دولة على ما هي عليه سائر الدول التي تشكلت ما بعد تأسيس الأمم المتحدة عام1945، لأنها قبلت بصفقة سرقة الأرض (الإقليم) وطرد الأهالي (الشعب)، وفرضت الحرب (كوسيلة حكم)، وكلها عناصر ومقومات منافية تماما للدولة الشرعية التي تنص عليها لوائح الأمم المتحدة ونوعية العلاقات الدولية الجديدة. الحياة السياسية المعاصرة تكشف حقيقة الأصول الفاسدة التي استندت إليها الدول الغربية في الطريقة التي تبنتها في الخروج من العصر الاستعماري إلى عصر تصفية الاستعمار. فقد بقيت حالة إسرائيل حالة شاذة، لم يرغب هذا الغرب الاستعماري أن يصفِّيها ويعمل على توفير سبل السلام وأجوائها الممكنة، كأفضل درب إلى نظام دولي، يمكن أن يواصل الحياة، في سياق تعددية حضارية وثقافية سليمة، وليست شاذة بوجود كيان مارق لا يعرف له اسم حقيقي في القانون الدولي.. لأنه بكل بساطة وسذاجة يعاني حالة مرضية، يتقزز كيانه من كل ما هو سليم وعادي ونظام قائم على القانون والأخلاق والأعراف المتفق عليها.
ضربات طوفان الأقصى وتداعياته وتفاعلاته، التي لا ولن تكف إلا بتصفية الخاصرة الفاسدة في جسد المجتمع الدولي، التي اكتشف الجميع أنها ليست خطرا على الفلسطينيين فحسب، بل على العرب ثم على المسلمين، ثم على بقية العالم.. أجل كل العالم اليوم يتألم من كيان مارق أطلق عليه ظلما «دولة إسرائيل». حقيقة الحقائق التي ظهرت للجميع أن إسرائيل كيان يهابه ويأباه كل بلاد العالم ليس لقوته بل لرعونته وطيشه، وعدم احترامه للقيم والضوابط الأخلاقية والسياسية والقانونية، ما يكلف الدولة الخصم سنوات من إعادة الترتيب والتعمير والبناء، لأن إسرائيل هي البلد الوحيد الذي يتمتع دون وجه حق، بنظام «شرط الرعاية السامية» الذي يعفيه من التعويض والمحاسبة ومن المسؤولية.
كاتب جزائري