كوميديا النقد: عندما ينصب الميزان ويستعين الأحياء بالموتى

في عصور الانحطاط وأزمنة الانحدار والاضمحلال، عندما تختل منظومة القيم ويعم التدهور ويضرب جذور كل شيء، وعندما تنهزم الدول، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً تكون نكبة الفن عظيمة. تجف منابعه ويهبط آخذاً في النزول إلى الأسفل بسرعة مدهشة، وينظر الناس حولهم فلا يرون إلا ما هو ركيك رديء غير ممتع، ويجدون أنفسهم محاطين بفنانين انتحلوا هذه الصفة بغير حق، فما أبعد المسافة بينهم وبين الفن. عندئذ يشتعل الحنين إلى الماضي وإلى عصور القوة الفنية، والفنانين العظماء الخالدين الباقية أعمالهم، لكن بقاء تلك الأعمال لا يعد كافياً، وتكون الدول في أمس الحاجة إلى عودة هؤلاء العظماء إلى الحياة مرة أخرى، لينقذوا ما يمكن إنقاذه، ويقيموا ما سقط، ويصلحوا ما فسد، ويرمموا ما تهدم. عندما ينظر المرء حوله فلا يجد سوى الخواء المريع والفراغ الرهيب والرداءة السافرة، عندما يجدب المكان ويقفر الزمان، عندما يخلو الوطن من قاماته المهيبة وأعلامه الكبار في شتى المجالات، عندما ينحط الفن وتتدهور الثقافة ويصاب المجتمع إصابة بالغة في الصميم، عندما يدرك المرء أنه يعيش أقسى تقلبات الدهر، وأشد الدورات الزمنية مرارة، ويرى بعينيه يد الاضمحلال الثقيلة التي تمسح كل شيء، وتمحو ملامح كنا نظنها لا تنمحي. ماذا يفعل المرء حينئذ؟ هل يستطيع حتى إن كان مبدعاً فذاً أن يملأ الفراغ وحده؟ أو أن يعيد المجد الغابر بمفرده؟ ربما عليه في كل الأحوال أن يسجل كلمته في الذاكرة المؤلمة، ويوثق ما عاشه في زمن الاضمحلال وعصر الانحطاط، وأن يترك إشارة ربما يهتدي بها من سوف يعيش زمناً مشابهاً في ما هو مقبل من عصور.
فلا يستطيع ذلك المبدع مهما كان عظيماً أن يصنع حاضراً مثالياً، أو أن يؤسس للمستقبل وحده، لذا يشتد الحنين إلى الماضي ويطغى الشعور بافتقاد العظماء، الذين قدموا أعمالاً جليلة وإبداعات كبرى، فكم من راحل عظيم نتمنى أن يكون بيننا الآن بروحه وجسده لا بأعماله فقط، أن يعود من عالم الموتى ليملأ فراغ الوطن ويؤنس وحشته القاسية. رغم أن سقطات البلدان والأمم العظيمة تكون كبيرة ويكون دوي الهبوط مروعاً، لكن لولا اشتداد عود الحضارة لعصفت رياح التدهور به ولم تتركه سوى تراب، ويبقى ذلك الجذر المتأصل في الأرض يمنح الأمل في أن تزدهر الحضارة من جديد، شرط أن تستعيد الأرض رجالها العظماء.

أريستوفانيس والبحث عن منقذ

عندما ألف أريستوفانيس مسرحية «الضفادع» في القرن الخامس قبل الميلاد، كانت هذه الأفكار تدور في ذهنه، وكان يبحث عن منقذ لأثينا يستعين به من عالم الموتى. أريستوفانيس شاعر الملهاة الإغريقية العظيم، عاش في عصر من عصور الاضمحلال، حيث تدهورت أثينا فنياً وهزمت عسكرياً، وعانت من تراجع كبير في شتى المجالات وعلى كل الأصعدة، وقد دخلت جيوش إسبرطة إلى أثينا بعد مرور عام واحد فقط على عرض مسرحية «الضفادع». عرفت الدراما الإغريقية الملهاة أو الكوميديا، كما عرفت المأساة أو التراجيديا، ولم يكن أريستوفانيس شاعر الكوميديا الوحيد عند الإغريق، لكنه أشهر أقطاب هذا الفن أو قطبه الأعظم، الذي يستطيع أن يقف إلى جانب أقطاب فن المأساة، إسخيلوس وسوفوكليس ويوريبيديس.
ولد أريستوفانيس عام 445 قبل الميلاد، وألف أكثر من أربعين مسرحية، لكن لم يصلنا منها إلا القليل. في تلك المسرحيات الكوميدية انتقد المجتمع الأثيني ونظام الدولة والحكم، والسياسة والبرلمان، ونظم التربية والأمور الدينية، والفن بطبيعة الحال، الذي كان على رأس قائمة اهتماماته. كان مقدراً في زمانه وحصل على العديد من الجوائز في مسابقات الدراما ومهرجانات المسرح، كما تصادم مع بعض الأوضاع السائدة، وخاض بعض المعارك الأدبية. ويعد أريستوفانيس الكاتب الذي وضع أسس الكوميديا الإغريقية، أو أقام هذا اللون المسرحي في شكله المكتمل، وتعد أعماله أعجوبة من أعاجيب الإغريق التي لا تنتهي، ولا تزال حتى اليوم مثاراً للبحث والدراسة والاكتشاف، كما لو أنهم هم الذين خلقوا الفن واخترعوه وامتلكوا أسراره كافة.
مسرحية «الضفادع» من الأعمال الأساسية التي تدرس لتلاميذ النقد في سنواتهم الأولى، فهي بالإضافة إلى كونها عملا مسرحيا يحتوي على الكثير من تقنيات وجماليات المسرح وأساليب الكوميديا، فإنها كذلك تضم الكثير من دروس النقد المهمة للغاية، وتعتبر تمريناً نقدياً ممتعاً ومنشطاً للذهن والحواس النقدية. ذلك العمل المكتوب سنة 405 قبل الميلاد، لا تزال أفكاره النقدية حية مثيرة قابلة للتطبيق، بل إنها تلامس واقعاً مريراً نعيشه الآن، فكم هو غني عالم الموتى بأعلامنا وأكابرنا الذين رحلوا، وكم هو فقير عالم الأحياء بميزانه المختل وقيمه المتلاشية. عند قراءة مسرحية «الضفادع» يجب الأخذ في الاعتبار أننا أمام عمل من أقدم الأعمال الإبداعية، التي يمكن الاطلاع عليها، يعود تاريخها إلى قرون تسبق الميلاد، وأننا أمام فنان تاريخي قديم، كان مشهوراً في زمانه ولا يزال خالداً معروفاً، وأن المسرحية تنقلنا إلى زمن أو عدة أزمنة أدبية بأحوالها وصراعاتها ومشكلاتها الفنية والنقدية. وقد يشعر المرء أثناء القراءة بأنه يطالع المادة الخام، أو المنبع القديم لبعض الأفكار والثيمات الأدبية، حيث تذكرنا الرحلة الخيالية التي يقوم بها بطل المسرحية مع تابعه أو خادمه إلى الدار الآخرة، بـ»رسالة الغفران» للمعري و»الكوميديا الإلهية» لدانتي، وكذلك برحلة «دون كيشوت وتابعه سانشو بانزا».

رحلة إله الفن إلى عالم الموتى

الرحلة في مسرحية «الضفادع» يقوم بها الإله باخوس أو ديونيسوس، إله الفن والخمر واللهو بصحبة خادمه زانثياس إلى الدار الآخرة، من أجل أن يستعيد يوريبيديس شاعر المأساة العظيم، ويأتي به إلى دنيا الأحياء مرة أخرى، لينقذ أثينا ويعيد إليها مجدها الأدبي الضائع. كان الإله باخوس يحزنه أن تكون أثينا خالية من شعرائها الكبار، ولا يوجد فيها إلا الرديء من الفن، فيقرر أن يقوم بهذه الرحلة وأن يسترد يوريبيديس تحديداً، لأنه كان شاعره المفضل. يرتدي باخوس ثياب هرقل الذي يقتدي به في رحلته إلى الدار الآخرة عندما ذهب ليسترد أليستيس. تتوزع مشاهد القسم الأول من المسرحية بين الاستعداد للرحلة وبداية انطلاقها، والشقاء الذي يعانيه الإله باخوس حتى يصل إلى عالم الموتى «هيدز»، وعبوره بحيرة الموت في زورق خارون، بينما اضطر خادمه إلى الدوران حول البحيرة والوصول إلى هيدز سيراً على الأقدام، لأن العبيد لا يحق لهم ركوب الزورق. أثناء عبوره البحيرة يستمع الإله باخوس إلى نقيق الضفادع وأناشيدهم المزعجة، التي تؤرقه بشدة وتغضبه وتعكر صفو مزاجه، وعلى الرغم من أن حضور الضفادع في المسرحية يقتصر على هذا المشهد فقط، إلا أن أريستوفانيس جعل منها عنواناً لمسرحيته الخالدة، ويفسر البعض هذا الأمر بأنه يرمز إلى الشعراء الرديئين والفن المنحط الهابط. كان إله الفن يصرخ في الضفادع وينهرهم ويأمرهم بأن يصمتوا ويكفوا عن النقيق، لكنهم كانوا يجادلونه ويتحدونه ويزيدون من نقيقهم المزعج. بعد أن يصل الإله باخوس إلى عالم الموتى ويرتاح من نقيق الضفادع التي لن تظهر مرة أخرى في المسرحية، يجد مشكلة عند عرش إله الموتى ومعركة دائرة، حيث كانت قوانين عالم الموتى تقضي بأن يجلس أعظم شاعر على عرش بجوار عرش إله الموتى، وكان إسخيلوس يتربع على هذا العرش، وبعد موت سوفوكليس لم ينازعه فيه وأقر له بالأحقية، لكن عندما رحل يوريبديس مؤخراً وانتقل إلى عالم الموتى، أخذ يطالب بالعرش الذي كان يرى أنه من حقه كأعظم شعراء المأساة.
عندما يجد إله الموتى نفسه أمام إله الفن، يحمّله مسؤولية الحكم بين الشاعرين المتنازعين، هنا تبدأ المباراة النقدية الممتعة بين إسخيلوس ويوريبيديس، مع تدخلات من إله الموتى وإله الفن والجوقة التي تعلق على الأحداث وتزيد الحماسة والتشويق. تدور المناظرة ويحتدم الصراع بين قطبي المأساة الإغريقية، إسخيلوس القديم ويوريبيديس المحدث، إسخيلوس الذي يرفض أن يكون يوريبيديس نداً ومنافساً له، ويوريبيديس الذي لا يقيم لإسخيلوس وزناً. يصف يوريبيديس إسخيلوس بالمتكبر المتغطرس الثرثار، الذي لا يهتم إلا بالبحث عن الكلمات الرنانة الجوفاء، ويتهمه إسخيلوس بأنه صانع التفاهات الذي أدخل الأناشيد الغريبة في مسرحياته وأباح الحرام في مآسيه. ويقول إسخيلوس إن شعره لم يمت بموته، أما شعر يوريبيديس فقد مات وانتقل معه إلى العالم الآخر، يعيب يوريبيديس على إسخيلوس غلبة الأناشيد ونقص الحوار في أعماله، حتى تكاد شخصياته أن تكون صامتة، كما يتهمه بالاحتيال على المتفرج، حيث ينطق بعد مرور نصف المأساة بكلمات ضخمة غريبة لا يعرفها الجمهور، وأنه يتعمد ألا يستعمل من الألفاظ الواضحة شيئاً. ويضيف يوريبيديس أنه بمجرد أن تسلم المأساة من إسخيلوس، جعلها أخف وطأة وخلصها من الكلمات الثقيلة، وتجنب الثرثرة والمهاترة والغموض والإبهام، وجعل أول شخصية تشرح أصل المسرحية عند ظهورها على المسرح فوراً، ولم يسمح لأحد أن يقف خاملاً بلا حراك، فقد كان الجميع يشتركون في الحوار، السيد والسيدة، والعبيد أيضاً، والصبية والعجائز، إذا دعت الضرورة، ويقول إنه لم يفعل في مآسيه إلا ما هو ديمقراطي، ويفتخر بأنه علم المتفرجين كيف يتكلمون، وكيف يفكرون، وكيف يفهمون، وعلمهم كيف يتيقنون وكيف يتشككون ويقلبون كل شيء على الوجوه كافة. وإنه قدم على المسرح مناظر من الحياة التي يألفونها ويعيشونها، وبذلك مكنهم من تتبع مسرحياته ودراستها، وأصبحوا قادرين على نقدها وتحليلها، لأنه لم يكتب بأسلوب مزخرف مصقول، ولم يفقدهم قدرتهم على التفكير، بأن أدخل في

مسرحياته البحث والمنطق والتحليل.

يتحدث إسخيلوس غاضباً ويسأل ماذا يجب توفره في الشاعر ليحوز الإعجاب؟ فيجيب يوريبيديس: براعته في أن يجعل المواطن أصلح. فيسأله إسخيلوس سؤالاً بالغ الأهمية: أي عقوبة تستحق إذن لأنك لم تفعل ذلك وأفسدت الأشراف والأخيار؟ ثم يبدأ إسخيلوس في الحديث عن نفسه، فيقول إنه نظم مأساة «سبعة ضد طيبة»، المأساة الحربية التي كان يتوق كل من يشاهدها إلى خوض المعركة. وإنه قدم مسرحية «الفرس»، التي علم الناس من خلالها التشوق الدائم لقهر العدو، وإنه بذلك قام بعمل عظيم. ويتحدث عن ضرورة اختيار المواضيع والنظر بعين الاعتبار إلى الفوائد والأمور النافعة المرجو منها، وضرورة أن يكون الشاعر مربياً، يهاجم الشرور ويصلحها بدلاً من أن يذيعها وينشرها، ثم يرد إسخيلوس على اتهامات يوريبيديس قائلاً، إنه يجب ابتكار العبارات السامية التي تليق بالأفكار والحكم الرائعة، ومن الطبيعي أن تنطق أنصاف الآلهة بعبارات أكثر سمواً وفخامة من عامة البشر، ويقول إنه علّم الناس الفضائل، ويتهم يوريبيديس بأنه قضى على الفضائل قضاء تاماً، وألبس الملوك ثياباً مضحكة ليظهروا أمام الناس في صورة تثير السخرية، وعلم الشباب اللغو والثرثرة والمجادلة، التي صرفتهم عن المدارس والساحات الرياضية، وعرض على المسرح قوادات وبنات يتزوجن من إخوتهن ونساء يلدن في المعابد، وترتب على ذلك أن امتلأت أثينا بالفساد والمهرجين، الذين يخدعون الشعب دائماً، ولم يعد فيها من يستطيع أن يحمل شعلة السباق، بعد أن أهملت الرياضة البدنية، وهذا نتيجة تملق العامة ومحاولة إرضائهم بكل ما هو مبتذل.
تستمر المناظرة والمباراة النقدية، ويحتار الحكم في قراره بعد أن استخدم المقاييس والقواعد الفنية لتقييم كل شاعر، ولم يعد أمامه إلا أن ينصب الميزان ويضع كلمات كل شاعر في كفة، ليرى أي الكلمات أثقل وزناً وأي كفة سترجح. في المرة الأولى ترجح كفة إسخيلوس لأنه وضع في أبياته نهراً فبلل شعره بالماء، وفي المرة الثانية ترجح كفة إسخيلوس أيضاً لأنه وضع الموت في أشعاره والموت أثقل الشرور كلها، وفي المرة الثالثة والأخيرة ترجح كفة إسخيلوس أيضاً، لأنه استعمل تعبيراً لم يسبقه إليه أحد. لكن إله الفن الذي كان لا يزال حائراً، والذي ذهب خصيصاً من أجل استعادة يوريبيديس شاعره المفضل، سألهما كيف يستطيع كل منهما إنقاذ أثينا، فيجيب إسخيلوس: «النجاة تكمن في اتباع طرق غير التي اتبعناها من قبل». فيقول إله الفن عبارة يجب التوقف عندها: «سأختار ذلك الذي تميل إليه نفسي»، ويختار إسخيلوس ليعود معه إلى عالم الأحياء وينقذ أثينا ويعلم الناس بنصائحه السديدة، وقبل أن يرحل إسخيلوس عن عالم الموتى يترك عرشه لسوفوكليس، ويوصي بألا يُسمح للمدعي يوريبيديس بالجلوس على عرشه أبداً.
أريستوفانيس الناقد الحصيف
كان إسخيلوس وسوفوكليس محافظين يرعيان تقاليد المأساة وأصول النظم التراجيدي، أما يوريبيديس فقد قام بثورة في عصره، وتمرد على الكثير من التقاليد وكسر بعض القواعد وحدّث وجه الدراما الإغريقية. وكان أريستوفانيس شاعر الملهاة محافظاً هو الآخر راعياً لتقاليد ما يعرف بالكوميديا القديمة، وكان يوريبيديس عدوه الأكبر، لذلك سلط عليه قلمه الساخر الحاد، وشن عليه الحرب، خصوصاً بعد أن ألف يوريبيديس مأساة ميديا التي تعكس شيئاً من موقفه ضد المرأة. كان يوريبيديس موضوعاً فنياً متكرراً عند أريستوفانيس، حيث سخر منه وتهكم على أفكاره في أكثر من عمل، وكان يحمله قسطاً من المسؤولية عن تدهور وانحلال أثينا. كان أريستوفانيس ناقداً حصيفاً بقدر ما كان مبدعاً عظيماً، وربما كان النقد هو الجوهر الأصلي لموهبته، ويمكن القول إن أغلب ما بقي من آثاره، ووصل إلينا من مؤلفاته كان ينطلق من فكرة نقدية في الأساس، تبنى من حولها الملهاة بأحداثها وشخصياتها ومفارقاتها الطريفة، ولعل مسرحية «الضفادع» خير مثال على ذلك، فيمكن القول إنها عبارة عن مسألة نقدية، وإنها تقوم على قواعد النقد وقوانينه التي نسج أريستوفانيس من حولهما خيالاً رائعاً.
وفي نهاية مسرحية «الضفادع» يثير أريستوفانيس نقطة مهمة في عالم النقد، عندما يقول على لسان إله الفن: «سأختار ذلك الذي تميل إليه نفسي»، فهو يطرح فكرة الميل الشخصي عند الناقد، وهل يحق له هذا الأمر أم لا؟ هنا يخبرنا أريستوفانيس أنه يحق للناقد أن يميل، ولنفسه أن تهوى وتقبل وتحب، أو أن تكره وترفض وتنفر. فعندما تميل نفس الناقد الحق فإن ميلها لا يكون مجرد هوى فارغ من الأسباب، بل إن هذا الميل يكون محملاً بأفكار واعتبارات كثيرة، وصادراً عن رؤية متسعة شاملة. والذوق الشخصي للناقد الحق لا يكون سطحياً أو عشوائياً، لأن الذوق بالنسبة للناقد يعد أداة من أدواته، يهتم بتدريب تلك الأداة ويعمل على تحسينها وإثرائها طوال الوقت، ويحميها من الآفات التي يمكن أن تصيبها أو تعطبها، وعلى الناقد أن يختار وينتقي لأنه لن يستطيع أن يواكب الإبداع كله، ولكي يثبت شخصيته وجدارته أيضاً. وقد كان أستاذنا الراحل فوزي فهمي الناقد والكاتب المسرحي ورئيس أكاديمية الفنون الأسبق يقول: «الناقد لا يقاطع الفن وإن خالف هواه، الناقد يقاطع اللافن».
رغم العداوة الشديدة بين أريستوفانيس ويوريبيديس، إلا أنه لم ينكر أن الأخير كان كاتباً مجيداً وشاعراً من أهم شعراء المأساة، بل إنه جعله نداً لإسخيلوس العظيم ينازعه على العرش ووضعهما معاً على الميزان. يمكن القول، إن تلك العداوة تعد من أقدم العداوات والمعارك الأدبية، وعلى الأرجح أن الهجوم كان ينطلق دائماً من ناحية أريستوفانيس، الذي اتخذ من يوريبديس مادة للنقد والسخرية والفكاهة في بعض مؤلفاته. رغم أن أريستوفانيس نشأ وتربى على أعمال يوريبيديس، الذي كان مثالاً وأستاذاً له في مطلع صباه، ثم صار كاتباً منافساً له متمرداً عليه، وكان ينتقده في حياته، ثم لم يتركه بعد موته، وذهب وراءه بالخيال إلى عالم الموتى ليستكمل المعركة كما تخبرنا مسرحية «الضفادع».
كما ذكرنا سابقاً ان أريستوفانيس، على الرغم من ذلك كله، لم ينكر أن يوريبيديس كان شاعراً عظيماً، وجعله نداً لإسخيلوس، لكنه في مسرحية «الضفادع» كان يضع أمام عينيه مصلحة أثينا ومن تحتاج إليه ليخرجها من أزمتها، ومن هو الأصلح والأشد ضرورة في تلك الفترة الزمنية الهشة التي كانت تعيشها. فقد كانت أثينا تحتاج إلى إسخيلوس صاحب الكلمة ثقيلة الوزن، الذي ينشر الفضيلة والأخلاق، ويبث في الشعب الأثيني روح الشجاعة والإقدام للدفاع عن وطنهم والوقوف في وجه الأعداء والأخطار المحدقة، حيث كانت أثينا على وشك السقوط والانهزام على يد جيوش إسبرطة، وهو ما وقع بالفعل بعد مرور عام واحد على عرض مسرحية «الضفادع». انتصر أريستوفانيس في ملهاته للفضيلة التي يمكن أن تنقذ الدولة من الانهيار، ونجده في الوقت نفسه يخبرنا بضرورة التنوع والاختلاف، وأنه لا مفر من التطور والتغير وتعاقب الأجيال والمذاهب الفنية، لكن عند لحظة معينة لا بد من الاختيار، ولا مفر أيضاً من التساؤل: من يستطيع أن ينقذنا؟

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية