الدوحة ـ «القدس العربي»: للمدن أسرار، وذكريات ترويها كتب التاريخ، وألسنة الناس الذين عايشوا قصصها، وتحولاتها، وتربطهم ذكريات تأبى الزوال والنسيان، وهو حال من مر من دخان، رائدة صناعة النفط في دولة صارت من أهم المنتجين لمواد الطاقة، وتصدرها لمناطق العالم.
الرحلة من العاصمة الدوحة لمدينة دخان على بعد نحو 80 كلم، تنقل المسافر عبر فضاءات متنوعة ومتعددة، ويجول في مناطق تروي العديد من القصص، وترسم له لوحة فسيفساء عن تنوع وتعدد تضاريس البلد.
يمر المسافر إلى الخور ويشاهد الطرق السريعة التي أنشأتها الدولة ضمن تحضيراتها لكأس العالم وهي أول بطولة تنظم في العالم العربي والإسلامي، فيقف أمام تلك البنية التحتية التي ستخدم الأجيال المتعاقبة في قطر. وتمر الطريق السريع على محميات طبيعية، ما تزال شاهدة على تاريخ البلد، وتحاول الدولة الحفاظ عليها، وتذكر السكان بما كانت عليه الدولة وتعلنها صراحة عن رغبتها الحفاظ على طبيعتها مهما بلغت من تقدم. عند الوصول إلى دخان تستقبل الزائر لوحة عملاقة ترحب بالضيوف وبالسكان، حيث إنها ترتبط دوماً بتاريخ النهضة الاقتصادية في قطر، وتستقبل الزائر بملامحها الهادئة على الساحل الغربي. وتستدعي الطبيعة الجميع لتعرض تاريخها وكيف تحولت المدينة من أرض صحراوية قاحلة إلى أول مركز لاستخراج النفط في الدولة. عندما وصلنا إلى دخان كنا أمام منطقة تتوسع وتعمر، ولم تعد مجرد مدينة صناعية، بل هي تفرض علينا أن نعتبرها شاهداً حيّا على بداية التحول الجذري في مسار الاقتصاد القطري، ومصدر إلهام لطموح لا يعرف الحدود.
أول ما لفت انتباهي الموقع الاستراتيجي لدخان وموقعها الساحلي على الخليج العربي، وأذهلني منظرها وهي محاطة بأراض صحراوية واسعة.
وأنا أتجول في المدينة، استعدت حديثي السابق مع الكاتب والروائي القطري أحمد عبد الملك، الذي غصنا فيه في أعماق المجتمع القطري، وتجولنا بين أماكن مفعمة بالحياة. وكان حديثه حاضراً عن دخان التي يعتبرها من أقدم المدن الصناعية في قطر، حيث لعبت دورًا محوريًا في تاريخ الدولة الحديث نظرًا لاكتشاف النفط فيها في أوائل القرن العشرين.
أدخنة حقول النفط
يُعتقد أن اسم دخان مشتق من كلمة الدخان، ربما بسبب أدخنة حقول النفط أو بسبب الأحوال الجوية التي تتسبب أحيانًا في ظهور ضباب كثيف في المنطقة.
وكان التجول في المدينة مع حديث أحمد عبد الملك عن آخر إصداراته، رواية «دخان.. مذكرات دبلوماسي سابق» وتركيزه على هذه المنطقة القصية في قطر.
يروي الكاتب القطري، فكرة الرواية التي تحمل اسم المدينة التي نزورها، ويعتبر أنها تسللت تدريجياً إلى وجدانه كلما مر من المنطقة (دخان) خلال جولاته وتوجهه نحو المخيم في موسم الشتاء، وكان يستوقفه دوماً أن المدينة كونها تنام على احتياطات البترول، فخيرها جزيل على قطر وأهلها، لكنها لم تحظ بالاهتمام الأدبي. حاول أحمد عبد المالك أن ينقل تاريخها للأجيال المقبلة، وشرع في مسح الأماكن وتفاصيل الحياة فيها، بما جمعه من معلومات عن قصة اكتشاف النفط، التي لم ترو.
بيئة ساحرة
عند تجولنا في دخان ومتعة عينها بجمالها العذري، نستعيد تدريجياً كل ما كتبه الروائي القطري عن هذه البيئة الجميلة والتي كانت مسرح أحداث قصة السفير عبد الرحمن الوجدي بطل الرواية، وتنقله من زكريت إلى دخان على ظهر حمار. وكانت أيضاً مسحاً شاملاً لتفاصيل هذه البيئة الجميلة والثرية التي تعكس واقع أهل المنطقة. كما أنها تتضمن تفاصيل حياة الناس في المكان، خلال تلك الفترة من تاريخ قطر مع اكتشاف النفط وتدفقه وتغير نمط الحياة.
يرتبط تاريخ دخان ارتباطًا وثيقًا باكتشاف النفط في قطر. ففي عام 1939، تم حفر أول بئر نفطية ناجحة فيها، وهو ما شكّل نقطة تحول هائلة في تاريخ الدولة واقتصادها. على الرغم من توقف العمل بسبب الحرب العالمية الثانية، فقد استؤنف الإنتاج في أواخر الأربعينيات، ما جعل دخان مركزًا رئيسيًا لصناعة النفط في البلاد.
وقد تم تأسيس بنية تحتية للمدينة بهدف إسكان العاملين في قطاع النفط، لا سيما أولئك الذين يعملون مع شركة «قطر للبترول» (حاليًا «قطر للطاقة»). ولهذا السبب، يُنظر إلى دخان باعتبارها مهد انطلاقة الصناعة النفطية القطرية.
وتُدار المدينة من قبل شركة قطر للطاقة، وتُعتبر بعض مناطقها الصناعية مغلقة تتطلب تصاريح خاصة للدخول. تُشرف الشركة على جميع العمليات الصناعية والسكنية في المدينة، وتُوفر خدمات أمنية وصحية وتعليمية للسكان. تُعد المدينة مثالًا على التخطيط الحضري المتكامل في المناطق الصناعية. وحتى الآن تُعتبر دخان من أهم المناطق المنتجة للنفط في قطر، وتأتي بعدها منطقة مسيعيد، إضافة لجزر على البحر، وتنتج كميات من النفط. وتحتوي على العديد من الحقول النفطية، من أبرزها حقل دخان، وهو أحد أكبر الحقول البرية في البلاد. تنتج هذه الحقول النفط الخام بالإضافة إلى الغاز المصاحب، وتديرها شركة «قطر للطاقة»، وهي الشركة الحكومية المسؤولة عن تنظيم وإدارة موارد الطاقة في البلاد.
وتُستخدم منشآت دخان في المعالجة الأولية للنفط والغاز قبل نقلهما إلى مرافق التصدير أو المصافي في مناطق أخرى من قطر. لهذا السبب، تُعد المدينة حيوية في شبكة إنتاج وتوزيع الطاقة القطرية.
وعند التجول بالمدينة يلحظ الزائر المجمعات السكنية التي تأوي العمال والمشرفين على العمل في المناطق الصناعية، ومعظمهم من الأجانب، وبعضهم أمضى عقوداً من الزمن يعيش فيها، والكثير من أبنائهم ولدوا وترعرعوا فيها وتعلموا وتوظفوا في مرافق المدينة.
كوبيون في المدينة
يستقبل الزائر المستشفى الكوبي الذي جاء بشراكة بين دولة قطر وكوبا وهو يوفر خدمات رعاية صحية عالية الجودة، وبه العديد من التخصصات الطبية، التي يبرع بها الكوبيون، وسبق أن أجريت فيه عملية جراحية لجبر كسر مزدوج تعرضت له في حادث مروري. وأثناء الفترة التي قضيتها في المستشفى لاحظت ذلك المزيج والتنوع في وجوه من يقصد المستشفى، من أبناء البلد والمواطنين القطريين، والعمال الأجانب من مختلف الجنسيات، إضافة إلى الكادر الطبي الكوبي الذي يعيش في مجمع سكني خاص قريباً من المستشفى.
وكانت تجمعني أحاديث مستفيضة مع بعض الشبان من جنسيات مغاربية جزائريين وتوانسة ومغاربة، يعمل أهلهم في المجمعات الصناعية، حيث أكملوا تعليمهم في قطر، وتوظفوا في المستشفى.
كانت أحاديثهم تفيض بالذكريات التي عاشوها في المدينة التي ارتبطوا بها، خصوصا وأنها كانت عبارة عن مجتمع متقارب، يلتقي الناس في أماكن التسوق والسياحة والترفيه.
عند مغادرة المستشفى الكوبي نلاحظ حولنا الكثبان الرملية والأراضي الصخرية التي تنتشر في كل مكان. لكنها تطل أيضًا على الساحل الغربي الذي يتميز بجماله وهدوئه، ما يجعل المدينة تجمع بين بيئة صحراوية وبحرية.
وغير بعيد عن المستشفى الكوبي في دخان، توجهنا نحو زكريت، وهي قرية ساحلية تضم تشكيلات صخرية نادرة وكهوفًا طبيعية خلابة. كما توجد محمية طبيعية تُعرف باسم «محمية بروق»، وهي منطقة بيئية محمية تضم حيوانات برية وطيور نادرة.
وجعل جمال الطبيعة العذري دخان مقصداً للسياح والزوار من كل مكان، يبحثون عن لحظات اكتشاف الطبيعة الساحرة، خصوصاً وأنها تضم الشواطئ والصخور الفريدة، ما يجعلها وجهة مفضلة لمحبي الطبيعة والمغامرات البرية.
وجهة عشاق الهدوء والاسترخاء
تستقبل المدينة لبعدها عن الضوضاء ولسحر طبيعتها، وتنوع تضاريسها، الكثيرين لممارسة الأنشطة الصحراوية مثل القيادة على الرمال (الدفان)، والتزلج على الكثبان الرملية، والتصوير الفوتوغرافي. كما أنها في موسم الخريف والشتاء تتحول لمقصد هواة التخييم البري، حيث تمتد الخيم التي ينصبها القطريون في مناطق تحددها السلطات، ويمضون فيها فترات الراحة، وإحياء لسيرة أجدادهم، واستمرارية المجالس التي تستقبل الجميع من دون دعوة مسبقة. عند الوصول لقرية زكريت التي تحافظ حتى الآن على طابعها العمراني البسيط المتناغم مع طقس المنطقة، وبيوتها البسيطة التي تشع بأرواح قاطنيها، تتراءى من بعيد التكوينات الصخرية الفريدة والتي تشكلت عبر مئات السنين.
ويقف الزائر مطولا أمام الصخور المنحوتة طبيعيًا، وتحديداً عند محمية بروق الطبيعية، وهي محمية ضخمة غنية بالتنوع البيولوجي وتحتضن أنواعًا من الطيور البرية والمها العربي.
زكريت العريقة
تشير بعض الدراسات أن زكريت تطورت أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، تزامناً وتوسع الزبارة والحويلة. وورد أن جون غوردون لوريمر ذكر في المراجع التاريخية للمنطقة قلعة محلية ادعى أنها بنيت من قبل رحمة بن جابر الجلهمي في حوالي عام 1800. وأجريت أول حفريات أثرية في زكريت في 1973-1974 من قبل فريق بقيادة بياتريس دي كاردي. تم اكتشاف قلعة زكريت خلال هذه الفترة. وتم حفر المنطقة مرة أخرى من قبل فريق فرنسي من عامي 2002 و2005 وتم تحليل محتويات هذه الحفريات في عام 2006. المساحة الإجمالية للموقع الذي تم حفره 18.000 متر مربع.
وتم تأريخ قلعة زكريت إلى أواخر القرن 18 وأوائل القرن 19. وشكل القلعة رباعي الأضلاع مع أربعة أبراج دائرية. في الوقت الأولي من البناء لم يكن للقلعة أي أبراج، أضيفت الأبراج بدلا من ذلك إلى كل جانب في مرحلة إعادة الإعمار. وتشير هيئة متاحف قطر أن قلعة زكريت بنيت في الأصل لأغراض دفاعية، وقد بنيت بالكامل من أحجار الفروش (صخور الشاطئ) في عهد الشيخ القبلي رحمة بن جابر الجلاهمة.
أما تصميم القلعة، فجاء على شكل مستطيل، ثم أضيفت الأبراج إلى زواياه الأربع في مرحلة لاحقة لتوفير مزيد من الدعم والثبات للأسوار. كما اكتشف علماء الآثار هياكل صغيرة، من بينها ثلاث مدابس (غرف لعصر التمر)، في المنطقة الواقعة بين القلعة والبحر. ويضم مسجد زكريت فناء تعلو كلاً من جداره الشمالي الجنوبي مئذنة أسطوانية، وتعلو كل مئذنة منهما قبة مثبتة على ستة أعمدة. وتتصل قاعة الصلاة المفتوحة بالفناء الخارجي عبر سبع بوابات. أما النافورة فقد أضيفت في وقت حديث نسبياً. وخلال عمليات التجديد والترميم الأخيرة، أزيلت جميع الإضافات من أجل إعادة المسجد إلى تصميمه الأصلي. كما استخدمت خلال ذلك مواد البناء التقليدية في صيانة الأسقف والجدران، وإعادة بناء البوابات الأصلية. وعلى مسافة قريبة من القلعة والمسجد، يقع العمل الفني العام «شرق – غرب/غرب – شرق» للفنان العالمي ريتشارد سيرا، والذي يعد موقعاً بارزاً يستحق الزيارة.
موقع تصوير سينمائي في قلب الصحراء
تضمن المنطقة موقع تصوير تم إنشاؤه لتصوير مشاهد من فيلم أو مسلسل تلفزيوني، يُعرف باسم «المدينة السينمائية»، ويشبه مدينة قديمة مهجورة داخل الصحراء، ويُعد موقعًا غامضًا يجذب المستكشفين. وتضم قلعة كبيرة محاطة بأشجار النخيل.
وتسلب المنطقة ألباب الزوار بالمناظر الطبيعية المذهلة بين الكثبان، تحديداً عند الاقتراب من الصخرة المميزة على شكل مظلة هي واحدة من المواضيع المفضلة للتصوير. وأصبحت شبه جزيرة زكريت ضمن برنامج أصحاب المغامرات وهواة التصوير، للوقوف على صخور الحجر الجيري والمحمية الشهيرة للحياة البرية.
الانغماس في الطبيعة
من يزور دخان ويتجول فيها وفي شواطئها بمياهها اللازوردية وهدوئها، وليس بعيداً عنها واحدة من رئة قطر النفطية، ومجمعات السكان، مروراً بالمستشفى الكوبي، ثم الوصول إلى زكريت وقلعتها، وصخورها الجيرية، لن يستطيع مغادرتها بسرعة.
يجد المسافر نفسه مرغباً على استكمال رحلته في مخيم مفتوح على بيئة صحراوية هادئة تسحبه بعيداً عن جو المدن وصخبها، ويعود لذاته، ويسترجع شريط المكان ومن مر من هناك، وتلك المدن المدفونة وسط الرمال.
منظر النجوم وهي تتلألأ في سماء دخان بعد جولة في المنطقة، بتاريخها الممتد، وتطورها المتسارع، ومحافظتها على جوها العريق، يظل راسخاً ومبعث راحة.
دخان تجمع بين العديد من الأضداد، وتقدم لمن يزورها لمحة شاملة عن قطر، وقصة تحدي الإنسان لطبيعته وموارده وموقعه وجغرافيته، وكيف يخطو بثقة نحو المستقبل من دون أن يتخلى عن إرث أجداده وتقاليده التي يحافظ عليها، وعلى موروثه عبر الزمن، مهما بلغ من تقدم.
ظلت رحلتنا مستمرة في الليل، مستمتعين بجو منعش رغم حرارة المنطقة في فصل الصيف، الذي تكيف معه السكان المحليون وطوعوا بيئتهم بما يسمح لهم التعايش مع الطبيعة القاسية، لكنهم استوطنوها وعمروها وصارت محل جذب عالمي.