ما مصير المشروع النووي الإيراني؟

حجم الخط
0

بداية لا بد من الإشارة إلى أن القاعدة العسكرية والاستراتيجية تقول، إن القوة النووية هي الرادع الوحيد للدول ضد أهداف وطموحات الأعداء الخارجيين. وقد بدا ذلك واضحا على أرض الواقع، في السياسة الدولية، التي يمارسها النظام الدولي الراهن، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك هو غزو واحتلال العراق، ومهاجمة ليبيا وأوكرانيا. فلو امتلك أي من هذه الدول السلاح النووي، لما تمت مهاجمتها ولما هُزمت في المعركة، وقد فهم اللعبة جيدا صانع القرار الإيراني، وأن القول إن هدف برنامجهم سلمي محض هراء، تُكذّبه وقائع التخصيب التي بلغت 60%، زائدا نصب جيل متقدم جدا من أجهزة الطرد المركزي، لم يكن مسموحا باستخدامها، حين تم التوقيع على خطة العمل الشاملة المشتركة بين إيران والدول الغربية في عام 2015. وعليه فإن هذه الدلائل والمؤشرات، تؤكد أن إيران كانت منذ البداية تهدف إلى امتلاك القوة النووية، كوسيلة من وسائل الردع والحماية الذاتية، وهي تمارس سياساتها الرثة والاستفزازية ضد دول المنطقة والعالم، التي تروم من خلالها تحقيق أهدافها.
لقد أثار هجوم الولايات المتحدة الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، خلال حرب الأيام الاثني عشر الأخيرة، جدلا واسعا عن مصير اليورانيوم المُخصّب، وإذا ما زال برنامجها النووي بشكل عام على قيد الحياة أم لا. وقد بدت التصريحات بهذا الشأن متضاربة إلى حد كبير، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقول، تم التدمير بشكل كامل، بينما هناك تقرير من أجهزة الاستخبارات الأمريكية يتحدث عن تأخير البرنامج، لا تدميره بشكل كامل.

إيران كانت تهدف إلى امتلاك القوة النووية، كوسيلة من وسائل الردع والحماية الذاتية، وهي تمارس سياساتها الرثة والاستفزازية ضد دول المنطقة والعالم، التي تروم من خلالها تحقيق أهدافها

ولو أخذنا بتصريحات رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية روفائيل غروسي، في حديثه إلى صحيفة «الفاينيشال تايمز» قبل الضربة العسكرية على المفاعلات النووية بعدة أيام، نجده يقول، إنه يعرف المنشآت الإيرانية جيدا، من خلال الزيارات التي قام بها، وهي موجودة داخل أنفاق حلزونية تحت الأرض، والتخصيب يتم على عمق 800 متر، بينما الولايات المتحدة ضربت هذه المنشآت بصواريخ لا تتجاوز مدياتها 60 مترا. معنى ذلك أن الضربة العسكرية أحدثت أضرارا في الطبقات العليا من المفاعلات، وأن 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب ما زال سالما، ويمكن نقله بسهولة إلى مواقع أخرى، بعيدا عن أعين مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي علقت طهران تعاملها معهم.
إن تقارير المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، التي تم نشرها في بداية الشهر الماضي قالت، إن طهران لديها مدينة كاملة لأغراض التخصيب تحت الأرض. ومعنى ذلك أن بعض عمليات التخصيب وليس كلها تجري في أماكن سرية أخرى، وليس بالضرورة في منشآت فوردو ونطنز، ولبيان مدى مصداقية تقارير المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، يكفي القول إنه هو من كشف عن منشأة فوردو للرأي العالم الدولي في عام 2009، وبالتالي فإن إيران لا تكشف عن منشآتها النووية، إلا بعد أن تكشف عنها المعارضة أو تقارير استخباراتية دولية. لذلك يمكن أن يكون هناك برنامج نووي مواز موجود في مكان آخر. كما جاءت الضربة الأمريكية الأخيرة لتُدخل إيران في مرحلة غموض نووي أكبر من ذي قبل، وبذلك غابت المعلومة الحقيقية عن البرنامج النووي الإيراني في الوقت الحالي. وإيران ترى أن هذه الحالة تصب في مصلحتها، فصانع القرار الإيراني يروم التمنّع من الذهاب إلى جولة جديدة من المفاوضات، وهم اليوم يطالبون بضمانات مكتوبة من الإدارة الأمريكية بأنها لن تُقدم على ضرب إيران مُجددا. وهذا شيء مستحيل بالنسبة لعقلية الرئيس ترامب، لكن الإيرانيين يريدون أن يجعلوا هذا الفعل رسالة تهدئة لتيار المحافظين المتشددين، الذين كانوا في الأساس يرفضون الذهاب إلى المفاوضات، وهم اليوم يلقون اللائمة على تيار محمد جواد ظريف وعباس عراقجي، الذين دعموا من قبل وبقوة الذهاب إلى المفاوضات مع الغرب.
لقد صبت طهران جام غضبها على مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية روفائيل غروسي، واتهمته بالتواطؤ في التحضير للضربة الأمريكية، التي حصلت على منشآتها النووية، وبذلك أعلنت عن تعليق تعاونها مع الوكالة، ورفعت الكاميرات المنصوبة في منشآتها. وقد أحدث هذا العمل ردة فعل لدى الدول الغربية، التي رأت فيه تهديدا إيرانيا مباشرا لمدير الوكالة، لكن هذا الموقف هو نتيجة طبيعية للتقرير الذي أصدره غروسي في 31 مايو/ أيار من العام الجاري. حيث تضمن التقرير اتهامات عديدة قيل إن بعضها كانت غير فنية، بل سياسية، وقد أدى هذا التقرير إلى قيام مجلس المحافظين في الوكالة، باتهام طهران بعدم الامتثال ومخالفتها معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وبالتالي إحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي.
ويبدو أن الاتهامات التي وردت في التقرير كان لها أثر فاعل في الضربة الإسرائيلية على إيران، التي جاءت بعد 12 ساعة فقط من صدوره.
واليوم ما زالت التقارير الغربية تتحدث عن نجاح إيران في نقل اليورانيوم عالي التخصيب إلى أماكن آمنة قبل الضربة العسكرية، وكذلك كميات اليورانيوم الأقل تخصيبا. وقد تحدث رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية نيكولا ليرنر قائلا، إن جميع جوانب البرنامج النووي الإيراني قد عادت إلى الوراء لعدة أشهر، بعد الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية. لكنه أضاف، أن هناك غموضا بشأن موقع مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب، وأن كمية صغيرة منه قد دُمرت، لكن الباقي لا يزال في أيدي السلطات.. وهنا لا بد من الإشارة إلى ما قيل على إنها صور عبر الأقمار الصناعية، لشاحنات كانت متوقفة أمام أحد المواقع النووية الإيرانية، يعتقد أنها هي التي نقلت اليورانيوم عالي التخصيب إلى أماكن أخرى. لكن هذا الادعاء لا يبدو أنه يقين مؤكد، فليس من المعقول أن تكون إيران بهذه السذاجة، بحيث لا تعرف أن هذه الشاحنات سوف يتم رصدها من قبل الأقمار الصناعية ثم تدميرها. كما أنه ليس من السذاجة أيضا أن إسرائيل والولايات المتحدة تركوا هذه الشاحنات، من دون معالجة بالطيران الحربي أو المُسيّر. ربما هي عملية تمويه قامت بها إيران لإعطاء فكرة بأنها نقلت اليورانيوم كي تمنع حدوث الضربة، فتجاهلتها الولايات المتحدة وإسرائيل، لأنهما يعلمان أن الموضوع مجرد تمويه.
إن السيناريو السيئ المقبل، في حالة إصرار طهران على عدم السماح لمدير الوكالة الدولية ومفتشيها بالدخول إلى إيران، هو رفع الملف إلى مجلس الأمن الدولي، والذي قد يترتب عليه قرار إيراني مقابل، وهو الانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وبذلك سيكون العالم أمام حالة أخرى شبيهة بالسيناريو الكوري الشمالي والإسرائيلي أيضا، أي الذهاب إلى صنع السلاح النووي بعيدا عن أعين العالم.
كاتب عراقي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية