في بداية عام 2019 وتعليقا على أزمة تلويح وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف بالاستقالة، كنت قد كتبت في «القدس العربي» مقالا تحت عنوان: «إيران والعالم: مهمة جواد ظريف الصعبة». تطرق المقال للظروف المعقدة، التي كان مطلوبا من ظريف العمل من خلالها، والتي تنوعت ما بين التحديات الخارجية والضغوط الداخلية، التي يدفع بعضها في سبيل إكمال الاتفاق النووي والمحافظة عليه، فيما تدفع اتجاهات أخرى نحو إلغائه وتمزيقه.
كانت مهمة ظريف صعبة، لأنها كانت تتطلب منه أن يعبر عن صورة إيران السلمية والمنفتحة والقابلة للتعاون، خاصة مع الأمريكيين، في وقت كانت تتواصل فيه عمليات النظام الخارجية في سوريا، وفي غيرها من الأماكن، وضمن إطار سياسي تتغول عليه الأجنحة المتشددة، أجنحة كانت ترى في أي تفاوض أو محاولة للاقتراب من الغرب نوعا من التنازل.
ظريف، الدبلوماسي صاحب «الانخراط البناء» وعراب الصفقة النووية، كان يوصف في أوساط سياسية داخلية كثيرة بأنه فاشل، وبأنه السياسي، الذي قدم للغرب ما يريدون دون عائد، حيث لم تستفد إيران، بنظرهم، حتى من الوعود الاقتصادية، التي تضمنها الاتفاق، والتي كانت المبرر الأهم لإتمامه. مهمة ظريف، المشهود له بالكفاءة والمهارة التفاوضية، كانت صعبة في ظل وجود مجموعة من العقائديين المتشددين، الذي يسيطرون على مراكز القرار، فيتحكمون في التحركات العسكرية الخارجية، وفي علاقات البلاد بدول الجوار، ويعتبرون أي خطوة للتقارب، أو التفاهم مع المنظمات الأممية، أو مع الدول الكبرى نوعا من الخيانة.
كانت مهمة اختيار شخصية وفاقية لشغل منصب الوزير الأول في الوقت الذي تتصارع فيه الأجندات، أمرا غير سهل فالمطلوب أن يكون المرشح مقبولا لأغلب الناس، وغير محسوب على أي تيار
تذكرت هذا المقال وأنا أفكر بما يواجهه رئيس الوزراء السوداني الجديد كامل إدريس من تحديات. إن نظرة خارجية سريعة قد تدفع للتقليل من مهمة الرجل، التي لا تتعدى اختيار طاقم الحكومة والإشراف على أدائها، خلال ما تبقى من فترة انتقالية، إلا أن من يعرف تعقيدات الواقع السوداني سيتيقن أن الأمور ليست بالسهولة، التي تبدو عليها. المسألة لا تتعلق فقط بظروف الحرب، التي تعيشها البلاد، والتي جعلت الأولوية لدى الحكومة والمواطنين هي صد تلك الفئة الباغية، التي احتلت البيوت وخربت مرافق الاقتصاد والحياة، وإنما تتعدى ذلك لطبيعة النظام المتشكل الجديد، الذي ولّده التدافع لردع المجرمين، والذي سمح لعدة مراكز ثقل بأن تفرض نفسها على خريطة الفعل السياسي. في الواقع فإن الصعوبات بدأت قبل وقت من اختيار إدريس، فكانت مهمة اختيار شخصية وفاقية لشغل منصب الوزير الأول في هذا الوقت العصيب، الذي تتصارع فيه الأجندات، أمرا غير سهل، حيث كان المطلوب أن يكون المرشح مقبولا لأغلب الناس، وأن يكون في الوقت ذاته غير محسوب على أي تيار. كان كامل إدريس بهذا شخصية مناسبة للموقع الشاغر، فهو لم يعرف عنه أي انحياز سياسي، أو أي ارتباط حزبي، كما أن عمله السابق كمدير لمنظمة أممية، كان يقوي حظوظه، حيث يظهر ما يتميز به من علاقات على المستوى الدولي، ما يمكن توظيفه لخدمة الحكومة، دون أن يملك أي طرف خارجي حجة للتحفظ.
بهذا فقد رأت أوساط كثيرة في إدريس البديل المناسب لرئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، الذي كان موضع رهان في بداية الفترة الانتقالية، بسبب أنه كان أيضا موظفا أمميا، ولما ظهر من أنه كان مدعوما من قوى دولية.
ولأن إرضاء جميع الناس غاية لا تدرك، فقد أظهر البعض في البداية عدم رضا لاختيار إدريس، وضع رجل من خارج النادي السياسي التقليدي في قمة الهرم التنفيذي كان بالنسبة لهؤلاء أمرا يصعب هضمه، فطفقوا ينتقدون الرجل في شخصه حينا، وينتقدون مبدأ المسؤول الفني غير المسيس حينا آخر، منطلقين في ذلك من افتراض لا إجماع عليه، وهو أن المنتمين لأحزاب هم أقدر بالضرورة على إدارة شأن الدولة. يدرك إدريس بلا شك كل تلك التعقيدات، كما لا يخفى عليه أن الفاعلين الأهم المتوزعين بين اليمين واليسار والحركات المسلحة، المتحالفة مرحليا مع الجيش، ينظرون إليه بتشكك، ذلك الإدراك ظهر من خلال الرسائل، التي حاول الرجل أن يرسلها، سواء من خلال اللغة القرآنية التطمينية، التي استخدمها، والتي قطعت الطريق على دعاية كانت تشكك في تدينه، أو من خلال إعلان انفتاحه وتعاونه مع الجميع، عدا القلة، التي عزلت نفسها باختيارها صف الجماعة المتمردة.
تحديان كبيران كانا يواجهان المسؤول المدني الأهم، أولهما توقيت اختياره، الذي جاء بعد أكثر من عامين من حرب مستمرة قضت على الأخضر واليابس. الحرب، التي دمر المتمردون فيها بشكل مقصود منافذ الاقتصاد ومعظم البنى التحتية، كانت تجعل استعادة الحياة الطبيعية أمرا تكتنفه صعوبات. في مثل هذا الظرف يكون النقد سهلا والإنجاز، مهما كان كبيرا، غير مرئي، وهو ما سيسهل حملات التحريض والشيطنة ووصف الحكومة بالتقاعس أو الفساد. يضاف إلى هذا حقيقة أن أغلب المواطنين لم يستوعبوا بشكل صحيح تفاصيل ما حدث من تخريب وتعطيل لخطوط الإنتاج ولمصادر الدخل الحكومي الأساسية، التي كانت الدولة تعتمد عليها، فيتعاملون مثلا مع مشكلات مثل انقطاع الكهرباء، أو شح الخدمات كمجرد تقصير يمكن أن يحل بالضغط والمطالبة.
أما التحدي الثاني أمام إدريس فكان تحدي تشكيل الحكومة في بلد تريد فيه كل الأرجاء وكل الأطياف أن ترى نفسها في هيكلها التنفيذي. يجب أن تراعي الحكومة ذلك وأن تقوم بأشياء متناقضة من قبيل تمثيل الاتجاهات السياسية، التي كانت داعمة للقوات المسلحة، مع الإصرار على أن تكون في الوقت نفسه حكومة محايدة سياسيا ومعتمدة بشكل حصري على عنصر الكفاءة. الوزراء المختارون، يجب أن لا يكونوا من اليساريين المقربين من «قوى الحرية والتغيير»، المتهمة بموالاة الجنرال المنشق محمد حمدان دقلو «حميدتي»، لكنهم يجب ألا يكونوا أيضا من الإسلاميين البارزين، لأن اختيار أسماء معروفة بانتمائها للحركة الإسلامية، قد يثير كثيرا من العواصف.
يشترط فيمن يتم اختياره من الوزراء، أن يكون ذا خبرة، لكن يفضل ألا يكون قد عمل في نظام البشير. هكذا فإن اختيار شخص أمضى العقود الأخيرة من عمره مغتربا خارج البلاد هو حل ممكن، لكن المشكلة هي أن ذلك يتعارض مع مطلوب أساسي آخر وهو شرط معرفة البلاد ومشاكلها واحتياجاتها.
بعد أسابيع من التمحيص تم التوافق على بعض الأسماء، والملاحظة الأولى الواضحة هنا هي أنه لم يتم الالتزام بالإطار النظري، المتعلق بشرط الكفاءة والمهنية وباختيار أشخاص بلا انتماء سياسي. من ناحية أخرى تم أخيرا حسم الأزمة، التي طرأت بشأن المحاصصة، التي حددها اتفاق سلام جوبا، الذي كان يعطي الحركات الموقعة عليه حقائب وزارية. الأزمة كانت تتعلق برفض الحركات المسلحة المنتمية لقبيلة «الزغاوة» الدارفورية التنازل عن وزاراتهم أو مكاسبهم من الاتفاق. بسبب ظرف البلاد الاستثنائي، وأيضا بسبب عدم وجود مرجعية متفق عليها، أو محكمة دستورية للفصل والتفسير، فإنه كان يصعب إلغاء محاصصات الاتفاق، من دون رضا الحركات. مهمة أخرى صعبة تنتظر إدريس وهي ترميم العلاقات الخارجية، التي شهدت تدهورا وتوترا مع أطراف كثيرة خلال الفترة الماضية، من دون ذلك، ومن دون النجاح في استبعاد من ساهموا في ذلك التخريب، سيكون من الصعب الحديث عن الانفتاح أو عن إعادة الإعمار.
كاتب سوداني