ماري كاسات: المرأة التي تسللت إلى ريشة الانطباعيين

ميشيل سيروب
حجم الخط
0

مُتأملاً لوحات الانطباعيين الأوائل من الفنانين مونيه، سيسلي، ديغا، رينوار، مانيه، كوربيه وكورو، أتعجب كيف استطاعت تلك المرأة القادمة من أقصى الغرب أن تجد لها مقعداً مميزاً بين هؤلاء الرجال! تأسست الانطباعية كمنهج في الرسم بفضل مجموعة من المبدعين الذين كانوا عطشى للحرية والانعتاق من رسم المواضيع التاريخية والدينية. جدد الفنانون لمسات الريشة في الخط واللون وتألقوا في ميدان الانطباعية، أسوة بفن النحت والعمارة اللتين كانتا حكراً على الرجال دون النساء.
باريس مدينة خاملة صمَّم نابليون الثالث (1818- 1873) على جعل باريس عاصمة أوروبا، بعد ثورات ونكسات وهزائم مُني بها الفرنسيون، آن أوانُ الازدهارِ والعمل ذلك ما قرره الإمبراطور. يعود الفضل لتحويل باريس من مدينة خاملة إلى مدينة تضج بالحياة والموسيقى لصناعة سكك الحديد وربط المدن ببعضها بشبكة واسعة، ما أدى لنمو متسارع وازدهار الطبقة الوسطى والبورجوازية المدينية على حساب الريف. كما تنامت فنون العمارة والهندسة بفضل عمدة باريس آنذاك (هوسمان1809 – 1891). عُرف هذا النهج لاحقاً بالهوسمانيزم، كانت الشوارع ضيقة وإضاءتُها ضعيفة، فرض هوسمان توسعة للشوارع والجادات ونبتت المقاهي على جانبي الطريق كما شهدت المدينة ازدياد عدد المسارح وصالات البلياردو. باريس القديمة مُحيت، احتلت البورجوازية قلب المدينة، وتسببت هذه السياسة بترحيل مئات الألوف من الفقراء والعمال إلى الضواحي، ولأول مرة شهدت باريس انقساماً طبقياً واضحاً في ميدان السكن، وذلك كان العامل الثاني لازدهار باريس، أما العامل الأخير: فقد شهدت العاصمة انطلاقةً كبيرة في عالم الأوبرا والموسيقى، وغزت الحداثة الحياة الباريسية تزامناً مع لمعان نجم فيكتور هوغو وبلزاك ونزوعهما الإنساني في الأدب وبودلير في رحاب الشعر. تلك العوامل الثلاثة مهدت التربة الصالحة لنشاط الانطباعية.
ماري كاسَّات: الحلم والموهبة لأب مولع بالفن وثري يعمل في التجارة، ولأمٍ مثقفة تجيد اللغة الفرنسية وابنة مصرفي،  ولدت ماري عام 1844(بعض المصادر تُشير لعام 1845) ودرست في كلية الفنون الجميلة في بنسلفانيا وفي سن الثامنة عشرة راودها حلم أن ترسم لوحة كلاسيكية ككارافاجيو (1571- 1610)، شجعها هذا الحلم على الرحيل نحو باريس لإتمام دراستها، لكن كلية الفنون الجميلة في ذلك الوقت لم تكن تستقبل إلا الذكور من الفنانين. كانت صدمتها كبيرة وأخذت ترسم لوحات على نهج الانطباعيين، قفلت راجعة إلى موطنها الأصلي على أمل تأسيس منهج طليعي هناك، لم تلقَ الانطباعية نجاحاً يُذكر من متذوقي الفن التشكيلي في مسقط رأسها، شدت الرِّحال إلى شيكاغو، من مساوئ القدر، التهمت النيران لوحاتها في حريق شب في المدينة، بالنتيجة لم تحصل لا على بلح اليمن ولا على عنب الشام، وعادت بِخُفي حُنين. قررت العودة مجدداً إلى أوروبا، أقامت في مدريد ثُمَّ في روما لم تستهوها المدينتين، كان مقصدها النهائي: باريس استقرت ماري كاسَّات فيها منذ عام 1874 حتى رحيلها إلى الأبدية.
تعريف الانطباعية لم يعتمد نقاد الفن التشكيلي على تعريف جامع للمدرسة الانطباعية، كما لم تحدد القواميس والمعاجم تعريف شامل لتلك المدرسة، لكن المتعارف عليه اليوم أن الانطباعية تعتمد درجات اللون بالتناغم مع ضوء النهار الغامر على تفاصيل اللوحة، وتجسيد لحظة خاطفة من مشهد عابر: كلوحة كورو نزهة في عز الظهيرة، وراقصات الباليه وسباق الخيل تحت المطر لديغا، وزهر النيلوفر وشروق الشمس لمونيه، أشجار وأسطح ملونة لسيسلي ونزهة عائلية لرينوار. تمتاز تلك اللوحات بالعفوية وبقوة «لمسات» الريشة والألوان المتداخلة التي لا حدود فاصلة بينها. كانت ولادة الانطباعية عسيرة، ترجح بعض المصادر عام 1835- 1840 كانطلاقة لتلك المدرسة، لكنها لم تنل الاعتراف إلا في عام 1860 بمعرض جماعي لفنانين رُفضت لوحاتهم في الصالات والكلية السويسرية للفنون الجميلة، ويعود الفضل لنابليون الثالث، عندما اقترح على أكاديمية الفنون عرضاً موازياً لأولئك الفنانين.
انطلق الفنانون نحو الطبيعة لرسم تدرجات الضوء في عزِّ الظهيرة والهواء الطلق، حملوا ألوانهم ومصاطبهم وتفرقوا في الدروب والمدن وعلى شواطئ نهر السين، في تلك الأثناء كانت ماري كاسَّات تلتزم البيت لرسم لحظات أسرية حميمة ومشاعر طافحة بالحب والبراءة بين الأم والابن، وابتسامات تشع جمالاً لها سحر وغموض ابتسامة الأم ونظرات دافئة في فضاء البيت برقة ونعومة.
الفن الياباني التزمت ماري كاسَّات برسم اللباس المتواضع والمحتشم للدلالة على مكانة المرأة في المنزل ومستقبل الأبناء في كنف الأم، التي استطاعت نشر الأمان والاهتمام والرعاية. لقد غزت الثقافة اليابانية الأوساط الفنية منذ عام 1850 واعتبرت نظيرة للانطباعية الفرنسية، ووقعتْ كاسَّات بسحر الفن الشرقي، بعد زيارتها لمعرض الفن الياباني المعروف باسم Ukiyo-e واتخذت ماري منذ عام 1890 «ذلك النمط» في ميدان اللباس ذات الخطوط الطولانية نموذجاً لمِا يحتويه من ألوان صارخة وزركشات تتوافق مع الانطباعية وأدواتها في الرسم. اتخذت عاملات التبغ والحركة النسوية لوحة «امرأة مع زهرة عباد الشمس»، رمزاً لنضالهن من أجل المساواة في الأجر وحق التصويت في ولايتها الأم، وكان لمراسلاتها دور مُشجع لنشاط المرأة السياسي آنذاك. في بدايات القرن العشرين حققت ماري نجاحاً مميزاً، بعد أن لاقت دعماً من إدوار ديغا (1834- 1917) وأصبحت تُعيل نفسها بنفسها. انتقلت إلى جنوب فرنسا، بعد أن تراجع بصرها وأعاقها المرض عن الرسم بهمة ونشاط، كما كانت تُنجز لوحاتها من قبل، كان لاندلاع الحرب العالمية الأولى أثر سلبي على مسيرة الفنانين عموماً، آثرت كاسَّات العزلة وأغمضت عينيها أغماضتها الأخيرة في عام 1926، بعد أن تركت إرثاً كبيراً من اللوحات ما زالت تزخر بها متاحف العالم. اليوم، في سوق المزادات وصالات العرض تُعتبر لوحات ماري كاسَّات علامة بارزة من علامات الفن التشكيلي.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية