قبل أن ندخل إلى صفحات كتاب «شخصية مصر في السينما» يتوجب علينا أولاً أن نُلقي الضوء على مؤلف الكتاب، الناقد والكاتب والسيناريست والمخرج التسجيلي صلاح هاشم مصطفى، المُهاجر إلى العاصمة الفرنسية باريس منذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين، تخرج هاشم في كلية الآداب – جامعة القاهرة – قسم اللغة الإنكليزية عام 1969، ثم سافر بعدها إلى فرنسا، حيث درس السينما وموسيقى الجاز والأدب الأفرو أمريكي في جامعة فانسان التجريبية في باريس.
من هنا بدأت رحلته مع السينما والموسيقى والإبداع، أنجز الكاتب المعروف مجموعة قصصية واحدة بعنوان «الحصان الأبيض»، صدرت منها الطبعة الثالثة قبل عدة أشهر، رغم أن الطبعة الأولى منها صدرت في الستينيات وكانت باكورة إبداع الشاب الرحالة، المُسافر على أجنحة الليل والخيال.
كتاب «شخصية مصر في السينما» هو أحد الإصدارات المهمة لعام 2025 عن السينما المصرية وتاريخها ورموزها ودهاليزها وأسرارها وتأثيراتها في المهرجانات الدولية والعالمية، فهو لا يقدم دراسة تحليلية فقط لعينات من الأفلام كما هو معهود، وإنما يشمل الكثير من التفاصيل عن رحلات السينما المصرية داخلياً وخارجياً، عبر العديد من المهرجانات المحلية والدولية والعالمية. وبحكم التجربة الثرية للمؤلف، لم يكتف بذكر عناوين المهرجانات وأثر السينما المصرية في فعالياتها، وإنما نقل بحرفية ومهارة العديد من الحكايات والحواديت، التي دارت في كواليس كل مهرجان مُتتبعاً مسيرة الفيلم المصري، ومركزاً على أهم ما يميزه فنياً وتكنيكياً وموضوعياً، ذلك أنه لم يترك معلومة ذات صلة بالفن السينمائي وعلاقته بالثقافة والفكر والسياسة، إلا وذكرها في سياقها الصحيح مع ربطها بالأحداث والأشخاص.
لقد أورد صلاح هاشم اسم صلاح أبو سيف عدة مرات، باعتباره الأستاذ والمُعلم وصاحب الفضل في الحفاظ على سمات المدرسة الواقعية وأصولها، فضلاً عن دورها الرائد في التعبير عن القضايا الاجتماعية الأكثر حساسية كأزمة الفقر والبطالة وما يتبعهما من تأثيرات سلبية شديدة الوطأة. كما تحدث المؤلف أيضاً في كتابة الذي يقع في 280 صفحة من القطع المتوسط عن رموز الإخراج في السينما المصرية، أمثال كمال الشيخ ويوسف شاهين وشادي عبد السلام ومحمد خان وداود عبد السيد وعاطف الطيب، إذ ألقى الضوء على أهم التجارب المُفسرة لعبقرية هؤلاء الكبار، مع الإشارة للاختلاف المذهبي والفكري والفني لدى كل منهم، حيث يرى أن مرحلة أبو سيف السينمائية مثلت بدقة التجسيد الحقيقي للواقعية بعد المخرج الرائد كمال سليم صاحب فيلم «العزيمة».
كذلك عمل يوسف شاهين الذي انطلق أيضاً من مبدأ الواقعية في أفلامه الأولى «باب الحديد» و»الأرض» و»جميلة بوحيرد»، على تطوير أسلوبه التعبيري السينمائي، بالاتجاه إلى القضايا الفكرية والفلسفية، والاستغراق فيها من خلال أفلام مثل «إسكندرية ليه؟» و»حدوتة مصرية» و»إسكندرية كمان وكمان» و»اليوم السادس» و»عودة الابن الضال»، إلى آخر السلسلة المعروفة التي غاير فيها كل ثوابته في محاولة منه للوصول إلى العالمية وتوسيع دائرة الوعي بأهمية السينما المصرية.
وقد خص صلاح هاشم، المخرج محمد خان بمساحة واسعة من دراسته البحثية الفلسفية الفنية، فأشار إلى أفلام معينة ظهر فيها إبداع خان على نحو مُختلف ومفارق لغيره من أبناء جيله، إذ اعتمد على الصورة والكادرات الواسعة في المقام الأول، بالإضافة إلى اعتماده على الإضاءة، وبعض الأدوات الأخرى المساعدة مع تقليل مساحة الحوار لإعطاء فرصة أكبر للتأمل والتدقيق في المشهد السينمائي بدلالاته وعمقه.
وبالضرورة حظي إبداع صلاح هاشم التسجيلي بقدر من العرض والتحليل، مُكتفياً بما كتبه الآخرون عن أفلامه التسجيلية والوثائقية، دون تدخل منه أو محاولة لتوضيح الرؤية، لكنه فقط اكتفى بنشر بعض المقالات المختارة عن أفلام مثل، «البحث عن رفاعة الطهطاوي» و»أول خطوة» و»ناس من مصر» و»صبحي شفيق وسؤال الهوية» وغيرها من النماذج.
ولم ينس الكاتب والناقد المصري، ابن قلعة الكبش في حي السيدة زينب، والمُعتز بأصوله وجذوره الشعبية، رغم إقامته الطويلة في فرنسا، أن يُعرج على السينما العالمية، موزعاً اهتمامه على السينما الإيطالية والسينما الفرنسية والسينما الآسيوية، وبعض نماذج من السينما الأمريكية، أو ما سماه بإبداعات هوليوود الجديدة، في إشارة خاطفة للمُتغيرات التي مرت بها هوليوود خلال الفترة الماضية بابتعادها النسبي عن الأفلام التجارية والنظر بنصف الوجه للسينما الإنسانية.
ولأنه يؤمن بدور الحركة النقدية في تطوير الذوق الفني، عمد هاشم إلى ذكر أقطاب النقد السينمائي والأدبي في مصر، من جيل الرواد فأشار بإكبار إلى عبد الفتاح الجمل ورؤوف توفيق وسمير فريد وكمال رمزي وآخرين.
وعن السينما الجديدة وحداثة التناول والطرح الفلسفي المختلف، أزاح المؤلف الستار عن بعض الأفلام القصيرة التي شاركت في مسابقات عالمية وأحدثت أثراً إعلامياً قوياً كفيلم «سُعاد» وفيلم «ريش» باعتبارهما نموذجين مهمين من وجهة نظره، غير انه خصص فصلاً كاملاً لسينما نجيب محفوظ بوصفها الدالة على تفوق السينما المصرية واقترابها الشديد من القاعدة الشعبية العريضة، إضافة إلى قُدرتها الفائقة على تحديد ملامح الشخصية المصرية باتصالها بالحارة القديمة ومناخها الاجتماعي الحضاري والأصيل.
كاتب مصري