قد تُثير إعادة قراءة أعمال غسان كنفاني أسئلة فارقة، وإحساسا هو الأقرب للتطهير، لكنها في المقابل ستكون مجالا للتعرّف على البدايات، التي تخص التعريف بـ»ادب الأرض المحتلة» وبالأنموذج المبكر لصور «المثقف العضوي» و»المثقف الشهيد».
استعادة كنفاني تعني كلّ شيء، الفقد الوجع الحزن، الخوف والغياب، مثلما تعني التعرّف على الوقائع، وعلى ما حملته من صراعات وخفايا، وعلى مواجهة سياسة المحو، وعلى التنكيل الصهيوني الذي تجاوز حدود «الحرب» ووضع الذاكرة الفلسطينية أمام تغييب قصدي، وإزاء وعي يتشكل بقسوة، محاصرا بالقلق و»الشقاوة الفلسفية» والقتل العنصري والهوياتي، وعلى نحوٍ أعطى للكتابة أن تكون بديلا عن الغياب، وشغفا عاليا بالبطولة، والإحساس بالبقاء، لصيانة ذلك الوعي، وللاحتفاظ ببعض شجاعته وإشهاره، لاسيما وأن الاحتلال جعل من المحو ممارسة شاملة، لها قسوة العسكرة، وشهوة الثقافة، وفداحة الأدلجة، ومرارة الطرد..
عمر غسان القصير، هو عمر صناعة النكبات، وربما هو عمر الأسئلة المُبكِّرة عن الفقد، والتصدي له، عبر ربط القضية الأدبية بالقضية السياسية في «التغريبة الفلسطينية»، وعبر التعريف بأن للفلسطيني سرديته، وأثره على الأرض وفي التاريخ، وأن التحرر من صدمة الاحتلال تستدعي مواجهة استثنائية، تقوم على الكشف والمساءلة، وعلى إعادة النظر بتاريخية الأشياء التي تتعرّض للفقد، بما فيها سرديات الاجتماع الفلسطيني، والسيرة الفلسطينية. تدخل إعادة قراءة أدبيات هذا «الاجتماع» في سياق تشييد مظاهر وعي المواجهة، وتأهيل الخطاب الفلسطيني للانخراط في ممارسة ثقافية، تُعيد النظر في الوجود في التاريخ وفي اللغة وفي المكان، مثلما تعيد النظر بظواهر الفقد والإخفاق والفشل، من خلال توسيع مديات النظر الى المسكوت عنه والمخفي في السردية الفلسطينية، لأن ما جرى، وما يجري هو جزء من «حرب سرديات»، وأن رهان الآخر على الغياب، وعلى الطرد من التاريخ كان دافعه لصناعة «أسطورته» الملعونة، وحروبه التي تقوم على فكرة الأرض واستيطانها، وعلى الهوية وما تخفيه، وعلى إعادة إنتاج شتات الفلسطيني كنوع من الاستدعاء الأنثروبولوجي القائم على مشروع الاستيلاء على التفاصيل، بدءا من السيرة والغابة والبحر والطعام والملابس، وليس انتهاء بالأيديولوجيا والمقدس التوراتي..
قد تكون العودة الى كنفاني خيارا لقراءة الثقافي الأيديولوجي والتاريخي، لكنها ستكون استفزازا لاستثارة «المتخيل السردي» بوصفه مجالا ينبغي إدراك ضرورته، فما يمارسه «العقل الصهيوني» اليوم يتغول عبر ربط السرد بالحرب وبالعنف الفائق، وربط الوجود الصهيوني بالأرض وبمشروع الاستيطان، وربط العالم بكينونة كيانه الذي يواجه تحديات وجودية، بدت فاضحة بعد الحرب مع إيران.
منذ أن أصدر كنفاني كتابه «في الأدب الصهيوني»، والحديث عن دور هذا الأدب لم يخرج عن طابعه الثقافي المحض، رغم أن مؤسسات الحكم والاستيطان الصهيوني أعطت لهذا الأدب أهمية كبيرة، على مستوى ربطه العميق بمنظومة التعليم، وبفاعلية تلك الأنثروبولوجيا، أو على مستوى تحويل الخطاب الصهيوني إلى جزء من نظرية القوة، وحتى إلى نوع من الربط بين العالم واللغة بتوصيف فيتغنشتاين، إذ يتم سحب تلك اللغة من الميثولوجيا و»المقدس» بمعناه التوراتي إلى الواقع، لتصنع لها «هيكلا» مسكونا بأشباح أسطورية وأنماط معقدة في الطقوس في العلاقة مع الآخر، وهذا ما كرّس في «المخيال الصهيوني» إحالات ترسخت في لا وعي الهوية، وفي الاجتماع السياسي، وفي العلاقة مع المكان وأساطيره القديمة..
صورة المثقف العضوي لغسان كنفاني لا تكفي وحدها لتسويغ قراءة خطاب المناضل الثوري، والكاتب الأيديولوجي والسارد الشاطر، بل ما نجده ضروريا هو إعادة النظر بمفهوم القراءة الشاملة للحالة الفلسطينية، لتخليصها من احتمالات الغياب التي تريدها المؤسسة الصهيونية، وتراهن عليها عبر العنف المفرط والطرد المنهجي، وبما يتيح لصياغة سرديات جديدة لاستعادة الهوية والمكان والمقدس والعلامة، وتفعيل أدوات ووسائط الكتابة عنها، وفضح المرجعيات الأدبية والأنثروبولوجية التي وظفها «العقل الصهيوني» في حروبه وفي سياساته الاستيطانية، مع مقاربة واقعية/ نقدية للنكبات بدءا من 1948 و1967 وحتى في 1973 وصولا الى حرب بيروت 1982 وآخرها حرب غزة 2024، بما يجعل هذه المقاربات مدخلا لإعادة النظر بطبيعة الصراع ذاته، وبمدى تمثيل هذا الصراع وعلاقته بمفاهيم ثقافية/ عولمية جديدة ليست بعيدة عن الأساطير اليهودية، مثل الشرق الأوسط الجديد، طريق براهما، التطبيع بالمعنى الإبراهيمي وليس بالمعنى السياسي، فضلا عن علاقتها بتمثلات الرأسمالية «السائلة» في مرحلتها الليبرالية الجديدة.

النشوء الصهيوني وعقدة المرجعيات
الانكشاف على الحاضر لا يعني التغافل عن الماضي، وعن مراجعة الذاكرة السردية التي أسهمت في صناعة «المكان الصهيوني» ومنها ما كتبته جورج اليوت في روايتها «دانيال ديروندا»، وبنيامين دزرائيلي في روايته «ديفيد آلروي»، إذ اثارت هاتان الروايتان جدلا حول مرجعيات النشوء الإسرائيلي للكيان، ولعلاقة هذا النشوء بالأسطورة والسرد التاريخي، وبفكرة التفوق العنصري، وبعزلة الكائن اليهودي وعدم قدرته على الاندماج مع الآخرين كما يقول دزرائيلي نفسه. قراءة كنفاني لرواية جورج إليوت دفعته إلى الاستغراق بعلاقة التخيل السردي بفكرة النشوء، إذ جعلت من ذلك التخيل مجالا لتوصيف اليهودي التائه، بوصفه كائنا خرج من الأسطورة ليبحث عن مكانه المقدس فـ»أعطت اليهودي أبعادا كوزموبوليتية، وجعلته، بسبب تفوقه العرقي، ودوره الرسولي في العالم، يدعو إلى ضرورة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ليتخذ من فلسطين قاعدة لنشر رسالته الحضارية» كما يقول فخري صالح.. في هذا العطاء يتمثل السرد أبعاده الخطيرة، فهو ليس تاريخا، بل تأسيسا على «المتخيل السردي» وعلى إحالاته نحو فكرة «الأرض الموعودة» و»الوطن القومي لليهود» الذي بدأ مشروعه مع ثيودور هرتزل، الذي كتب روايته المعروفة « الأرض القديمة الجديدة» عام 1902، وباتجاهٍ استثمر فيه تلك الدعوة، ليجعل منها مجاله الثقافي والسياسي والتاريخي، لتمرير فكرتها حول الأرض والعودة.. كل هذا كان يحدث وسط عتمة غامرة في العالم العربي/ الإسلامي، حتى قيل إن هرتزل زار السلطان عبد الحميد الثاني في الإستانة قبل وفاته سنة 1904 للضغط عليه في الموافقة على هذا النشوء، باعتبار أن الأرض الفلسطينية كانت تحت سيطرة العثمانيين..

الرواية.. التاريخ/ اللغة وصناعة الكيان
لا يمكن الحديث عن تاريخ كامل أو ناصع، وأن ما يصنعه السرد هو البديل الجاهز الذي يجعل هذا التاريخ مقروءا وقابلا للتداول، وبقدر ما أن السردية الصهيونية عمدت منذ القرن التاسع عشر على فرض تخيلها، عبر السياسة والمصالح ولعبة المال، لكنها كانت أكثر تخريبا في مجال صناعة السرديات، فجعلت بطل رواية جورج إليوت يرى أن رسالة اليهود هي «المساهمة في صنع مستقبل العالم، وإدراك قيمة التراث، والاتجاه إلى فلسطين»، كما قال فخري صالح، وعلى نحو بات لا يتكلم فيه هذا البطل المتخيل، إلا عن «دولة يهودية، وأن الشعب اليهودي «المختار» «اختير في سبيل الشعوب الأخرى». ما قاله إدوارد سعيد عن هذه العلاقة يؤكد ما ذهبنا إليه في فاعلية السرد على صناعة تاريخ ما، فقوله إن رواية الأسكتلندي والتر سكوت « آيفنهو» عام 1819 فقوله «إن رواية سكوت عملت كدعاية لنشر الفكر الصهيوني والتشجيع المبكر لإنشاء دولة يهودية في أراضي فلسطين» تؤشر إلى مدى قدرة هذا السرد على تسويق صورة الكائن اليهودي التائه والمضطهد والطيب والباحث عن «الوطن المفقود»، وهو ما يؤكده غسان كنفاني في كتابه «في الأدب الصهيوني» بأن «اللغة العبرية هي الأساس الذي بنيت عليه فكرة دولة إسرائيل، فكانت الخيط الذي تمكن اليهود من تمريره في ما بينهم ليتفقوا أخيرا على فكرة الوطن القومي». تضع علامات فارقة في توسيع قراءة التعالق ما بين السرد الروائي في متخيلها، وفي تمثيلها اللغوي، وصياغة مفاهيم الكينونة والمكان والكائن، وهي تمثلات تدعمها تلك السرديات بقوة، مؤكدا أن «عمر الفكرة الصهيونية يمتد إلى ما يقارب 150 عاما، وكان الأدب هو أول العرّابين لهذه الدولة، وقد اعتمد الأدب الصهيوني، سياسة التضليل الثقافي والادّعاء والتدليس، وقلب الحقائق، واستجداء العاطفة العالمية، من خلال روايات أدبية كثيرة، جاءت ممهدة لفكرة الدولة الغاصبة، ومسوّقة للمعاناة التي طالت اليهود في أوروبا عبر التاريخ»، وحتى فوز الكاتب الأوكراني شيموئيل عجنون بجائزة نوبل للآداب عام 1966ليست بريئة عن هذا السياق، ولا علاقة تجربة هذا الكتاب المدافع عن الصهيونية، في سردياته وفي لغته العبرية التي يكتب بها.
الغلو في سياسة التدليس حملت معها نوعا من القصدية في التشويه، وفي النظر الى الفلسطيني بوصفه كائنا لا تاريخيا، وإلى المرأة بوصفها انموذجا سلعيا، وهذا ما أشار إليه الكاتب آرثر كوستلر في روايته «لصوص في الليل»، مسوغا ذلك عبر نظرة قروسطية، لها أبعاد رمزية، وأوهام جعلته يقدم أنموذجا عن «اليهودي» بوصفه رمزا تاريخيا للبطولة وللقوة، لكنه سرعان ما اصطدم بواقعية هذه الصهيونية وعنفها وتوحشها، فعاد إلى الولايات المتحدة ناقدا سردياته، التي أرهص فيها، وهو يتخيل عودة التائه إلى البلاد الساحرة..

أوسلو والخطيئة السردية
ما كتبه إدوارد سعيد عن معاهدة «أوسلو» عام 1993 كشف عن الموقف الضدي، وعن رؤيته العميقة لعلاقة هذه الاتفاقية بالغياب الفلسطيني، وبأنها تقوم على فكرة السلام القلق البعيد عن «الأرض» وعن حقيقة استعادة الفلسطيني لوطنه، وأن ما تمخض عنها جعل مفهوم الأرض يخضع إلى مساومات سياسية، له علاقة بمفهوم «السلام الأمريكي»، الذي يفترض أن هيمنة «الكيان» ترتبط بالهيمنة على الأرض، وعلى هوية المكان..
في كتابه «أوسلو 2 سلام دون أرض» يدرك خطورة العبث بالأرض، وأن الاستبداد الصهيوني عاش منذ عام 1948 وهم «الدولة» وسطوة اللغة والهوية، وهي قضايا تحتاج إلى سرديات مغذية، وإلى تفريغ الأعداء/ الأغيار من قوتهم، منتقدا في الآن نفسه إجراءات السلطة الفلسطينية في التعاطي مع هذا الاشتباك الصعب، ومع أطروحاته السياسية والسيادية، ما تمخض عنها ظل قابعا «على خرائب ما تبقى من تلك المعاهدات الفاسدة القاصرة، التي سُمّيت بـ»إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي» كما قال صبحي حديدي..
ما صنعته معاهدة أوسلو هي تحريك سياسي أكثر من كونه سرديا، إذ استغوت معها فكرة العودة إلى الوطن التاريخي، وإلى الأرض الغائبة، وصار حديث السياسة والتوافق، والقبول بما صنعته «المركزية الدولية» التي جذبت الزعماء الثلاثة وهم يوقعون، ليتوهموا دخول التاريخ من خلال صورة تلفزيونية، مات اثنان منهم، وبقي واحد خارج النسق السياسي..
ما حدث في أوسلو دعا البعض الى إعادة قراءة غسان كنفاني، مثلما دعا لحظتها إدوارد سعيد الى الانسحاب، وإلى الإحساس بأن أول ضحايا هذه المعاهدة ستكون «السردية الفلسطينية» وأن الفلسطيني سيجد نفسه أمام استيطان أسطوري، ربطه المخيال الصهيوني بالتوراة وباللغة العبرية، وأن التغريبة ستكون هي القدر الثقافي، الذي سيذهب إليه الفلسطيني ليتغذى عبر حكايات محاصرة، لا بحر لها، ولا رائحة للبرتقال، ولا لروح المسيح فيها، لأن البقاء خارج الأرض التاريخية سيكون خيارا صعبا ومعقدا، فهو يعني الاستعداد للقبول بتوافقات سياسية لا تقل وجعا من سرديات المحو، وأحسب أن ما أثاره غسان كنفاني لحظتئذ حول «الأدب في الأرض المحتلة»، كان يؤسس لهذه الحساسية الفارقة، لأن مشروعه عن أدباء الأرض المحتلة يتجوهر حول فكرة وجود الشهود الأرضيين، فإن ما يكتبونه سيكون هو القوة الخارقة لمواجهة ذلك المحو…

كاتب عراقي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية