لندن ـ «القدس العربي»: تتوجه أنظار الملايين من عشاق كرة القدم نحو ملعب «ميتلايف» مساء اليوم الأحد، لمشاهدة المباراة النهائية لكأس العالم للأندية التي ستجمع رابع الدوري الإنكليزي الممتاز وبطل كأس المؤتمر الأوروبي تشلسي، ببطل أوروبا وأحدث المنضمين إلى نادي الثلاثية باريس سان جيرمان، المنتشي بتحطيم عقدته الأزلية مع دوري أبطال أوروبا بعد أسابيع تعد على أصابع اليد الواحدة من تتويجه بالثنائية المحلية الدوري والكأس في فرنسا، وحدث ذلك بعد الفوز المظفر الذي حققه البلوز اللندني على حساب فلومينينسي بثنائية الابن الضال لممثل السامبا جواو بيدرو في أولى قمم الدور نصف النهائي، قبل أن يأتي الدور العملاق الباريسي ليضيف كبير القوم ريال مدريد إلى قائمة ضحاياه، بما وُصف على نطاق واسع بـ «الفوز الكاسح» الذي وصل قوامه إلى رباعية مُذلة كانت قابلة للضعفين على أقل تقدير، لولا تعملق الحارس تيبو كورتوا في أكثر من فرصة محققة بنسبة 100%، خاصة في الشوط الأول الكارثي بالنسبة لفريق المدرب تشابي ألونسو، والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه الساعات هو: هل ستكون مواجهة أسود غرب العاصمة الإنكليزية في المتناول لكتيبة اللوتشو لويس إنريكي؟ أم أننا سنكون على معركة كروية طاحنة قابلة لكل الاحتمالات؟ هذا ما سيكون محور نقاشنا الأسبوعي المخصص للمباراة النهائية الأغلى على مستوى البطولات القارية عالميا.
الطريق إلى نيويورك
صحيح تشلسي لم يكن من الفئة الأوفر حظا في الترشيحات قبل ضربة بداية البطولة، لكن بالنظر إلى السبب الجوهري وراء وصوله إلى نهائي نيويورك، سنجد أنه يكمن في حصول المدرب الإيطالي إنزو ماريسكا على الهدف المنشود، والذي جاء من أجله إلى سُدّة الحكم في «ستامفورد بريدج» بعد تحول منصب المدرب إلى حقل تجارب منذ بداية المشروع الأمريكي، وهو إعادة النادي إلى ما كان عليه قبل التدهور العظيم في آخر عامين، من خلال التواجد ضمن المراكز الأربعة الأولى المؤهلة لدوري أبطال أوروبا الموسم المقبل، بدون انتظار هدية المركز الخامس في البريميرليغ المؤهل لنفس البطولة الأوروبية، وتبعها بالتتويج بكأس المؤتمر للمرة الأولى في تاريخ المؤسسة، بعد اكتساح ريال بيتيس الأندلسي برباعية مقابل هدف في نهائي «فورسلاف»، حيث كانت أشبه بهدية السماء إلى تلميذ الفيلسوف بيب غوارديولا، وفي رواية أخرى مكافأة على ما بذله من جهد لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، بما في ذلك استعادة ثقة الجماهير، التي آمنت برغبة المدرب الأربعيني وقدرته على إعادة الأمور إلى نصابها، وأهمها الاستقرار على قوام رئيسي شبه ثابت في الخطوط الثلاثة، إلى جانب عودة الطريقة الحادة والشخصية المهيبة المعروفة عن «فخر عاصمة الضباب» الفائز مرتين بالأميرة الشقراء، وهي الأشياء التي بدأت تظهر للنور في الأمتار الأخيرة لموسم البريميرليغ الأخير، تمثلت في حسم جُل المباريات الفارقة في عودة الفريق إلى الكأس ذات الأذنين الموسم الماضي، أبرزها تجاوز البطل ليفربول بثلاثية مقابل هدف، وتخطي الغريم الشمالي الآخر مانشستر يونايتد بهدف مارك كوكوريا، والمباراة الأكثر صعوبة وتعقيدا في النصف الثاني أمام الجار الجريء فولهام، التي كانت شاهدة على بوادر التحول في عقلية اللاعبين، بتحقيق الفوز في خضم المشاكل التي كان يعاني منها الفريق على مدار الموسم، شاملة الغيابات المؤثرة وصداع سوء الطالع في اللمسة الأخيرة أمام مرمى المنافسين، وقبل هذا وذاك، الفوز الثمين الذي جاء على حساب نوتنغهام فوريست في عقر داره، في أشرس فترات الصراع على المركز الرابع الذهبي، ما ساهم في تحسين سمعة النادي محليا وقاريا، بعدما تحول إلى مادة ساخرة في وسائل الإعلام العالمية وعالم «السوشيال ميديا»، حيث كان يُنظر إلى تشلسي، كفريق بلا مقومات أو مؤهلات لتحقيق أدنى درجات النجاح في عالم الساحرة المستديرة، على خلفية مئات الملايين التي أنفقتها الإدارة الأمريكية، لشراء عشرات اللاعبين في غضون عامين، دون الوقوف على شكل أو هوية أو حتى تشكيل أساسي وفلسفة واضحة للفريق داخل المستطيل الأخضر مثل باقي كبار إنكلترا. لكن بعد الصحوة المتأخرة في نهاية الموسم، والتي أسفرت عن العودة إلى الأبطال بجانب معانقة البطولة القارية الأوروبية المستحدثة، بدا وكأن الأعمدة الرئيسية في مشروع ماريسكا، تخلصت من الضغوط والقيود التي كانت تعيقها على تقديم أفضل ما لديها بالقميص الأزرق، مثل ثنائية لافيا وكايسيدو في بعض الأوقات، وثلاثية كايسيدو وإنزو وبالمر في أوقات أخرى، وبالمثل كوكوريا ورفاقه في الدفاع، وبيدرو نيتو ونكونكو وبالمر وباقي أصحاب المهام الهجومية في الثلث الأخير من الملعب، ولعل من شاهد مباريات الفريق في المونديال العالمي، لاحظ التغير الكبير في الأداء الفردي لأغلب اللاعبين والجماعي بشكل عام، من ذاك الفريق المفكك الذي فقد مكانه بين كبار البريميرليغ في السنوات القليلة الماضية، إلى منظومة جماعية تعاظمت قوتها بشكل متدرج على مدار البطولة، على طريقة بعض المنتخبات التي تستغرق بعض الوقت من أجل دخول أجواء البطولات القارية، إذ كانت البداية أقل ما يُقال عنها عادية ولا تعطي مؤشرات بتأهل الفريق إلى نهاية مراحل خروج المغلوب، بانتصار اقتصادي على لوس أنجلوس إف سي بهدفين نظيفين، ثم بهزيمة محرجة أمام فلامينغو البرازيلي 1-3، وحتى في مباراته الأخيرة في الدور الأول أمام الترجي التونسي، لم يكن الطرف الأكثر إيجابية أو إقناعا، على أقل حتى اللحظات الأخيرة من عمر الشوط الأول، التي شهدت هدفي توسن أدارابويو وليام ديلاب، قبل أن يطلق البديل جورج رصاصة الرحمة الثالثة في الوقت المحتسب بدل الضائع في الشوط الثاني، بعدها بدأ الأسد اللندني يكشر عن أنيابه، باستعادة جزء كبير من حضوره وشخصيته المحفورة عنه في الأذهان في هكذا مواعيد عالمية من الوزن الثقيل، وكانت البداية بإخماد ثورة بنفيكا في بداية الإقصائيات، تلك المباراة التي توقفت لفترة ليست قصيرة بسبب الظروف المناخية، وبعد عودتها تمكن أنخيل دي ماريا من إدراك هدف التعديل لفريقه البرتغالي في آخر لحظات الوقت المحتسب بدل الضائع، ليرد البلوز الصاع صاعين، بتسجيل ثلاثة أهداف دفعة واحدة في الأشواط الإضافية، فيما كانت أشبه بالرسالة الواضحة لنوايا ماريسكا ورجاله في هذه البطولة، استنادا إلى السمعة الكبيرة التي اكتسبها بنفيكا في الآونة الأخيرة، على غرار مبارياته الهوليوودية أمام برشلونة في دوري الأبطال، ونجاحه في تصدر مجموعته على حساب الوصيف العملاق بايرن ميونيخ والثالث بوكا جونيورز الأرجنتيني ثم أوكلاند النيوزيلندي، وتأكيدا على جديته في رسالته التحذيرية، أطاح بأقوى ممثلي بلاد السامبا وأكثرهم جاهزية لمزاحمة جبابرة القارة العجوز على اللقب المونديال، والإشارة إلى الفوز المقنع الذي تحقق على حساب بالميراس 2-1 في ربع النهائي، ثم بقاهر الهلال السعودي، فلومينينسي بثنائية نظيفة، والتي اعتبرها الكثير من النقاد والمتابعين «مباراة من طرف واحد»، ليبقى التحدي الأخير والأهم للمدرب ماريسكا ومشروعه، هو ما سيقدمه أمام غول عاصمة الموضة والنور، إما أن يعيد أمجاد ماضي البلوز العظيم، ذاك الفريق الذي يصعب التنبؤ بما سيقدمه في هكذا لحظات تاريخية، مثل الانتصار الملحمي على بايرن ميونيخ في عقر داره في نهائي الأبطال عام 2012، وإسقاط مانشستر سيتي في نهائي نفس البطولة عام 2021، وإما يواجه مصير عتاولة القارة، الذين تعرضوا لكل أنواع الإذلال والقهر الكروي منذ بداية العام، آخرهم نادي القرن الماضي في نزهة نصف نهائي المونديال.
الطفرة والخيبة
لا شك أبدا، أن أغلب النقاد والمتابعين، توقعوا وصول بطل أوروبا إلى المباراة النهائية لكأس العالم للأندية، لكن ما لم يتوقعه أحد، أن يظهر فريق المدرب الإسباني لويس إنريكي، بهذا التجبر والطغيان أمام كل خصومه الكبار، باستثناء غفوته العابرة أمام بوتافوغو البرازيلي، وهذا الأمر كان واضحا في ليلة تدمير دفاعات دييغو سيميوني وفريقه المدريدي برباعية بلا هوادة، وبافتراس زميل الأمس ليونيل ميسي ورفاقه في إنتر ميامي بنفس النتيجة في ثمن النهائي، والأهم ليلة عبور العملاق البافاري بهدفين نظيفين، رغم طرد الثنائي ويليان باتشو ولوكاس هيرنانديز، والهدف الثاني على وجه الخصوص، الذي سجله عثمان ديمبيلي على طريقة الضربة القاضية في آخر ثواني الوقت المحتسب بدل الضائع، جاء بعد حالة الطرد الثانية التي كانت من نصيب هيرنانديز، ليأتي موعد المكافأة الكبرى، بتقديم مباراة العمر أمام ريال مدريد، في مباراة كانت تبدو ظاهريا قبل ركلة البداية وكأنها متكافئة، أو بلغة كرة القدم «50 – 50»، مع أفضلية طفيفة للفريق الباريسي، بحكم بعض العوامل، مثل الاستقرار الفني، متمثلا في وجود مدرب إسبانيا السابق على رأس القيادة الفنية للموسم الثالث على التوالي، ومعنويات لاعبيه المرتفعة بعد إخضاع الأميرة الأوروبية، باكتساح أفاعي الإنتر بخماسية لن تمحى من الذاكرة إلى يوم يبعثون، مقارنة بالنادي الأشهر عالميا، الذي يبحث عن طوق النجاة في فترة ما بين عصرين، والمقصود نهاية ما تبقى من جيل العاشرة والحادية عشرة وإلخ في النصف الثاني من العقد الماضي، وبداية تسلم جيل «الغالاكتيكوس» الجديد الراية، بعد وصول الفريق إلى قاع الحضيض الكروي في نهاية حقبة المدرب السابق كارلو أنشيلوتي، والتي وصلت لحد الخروج من الموسم الماضي خالي الوفاض، باستثناء فوزه على باتشوكا في المباراة النهائية لكأس الإنتركونتينينتال (كأس القارات للأندية)، بعدها ودع دوري الأبطال على يد مدفعجية آرسنال في ربع النهائي، ثم واصل مسلسل سقوطه وهزائمه الكارثية أمام الغريم الأزلي برشلونة، بالتجرع من مرارة الخسارة في كل المواجهات المباشرة بينهما في الموسم، بواقع مباراتي الدور الأول والثاني على مستوى الدوري الإسباني، بالإضافة إلى نهائيي الكأس السوبر وكأس الملك.
وهذا ما استدعى حضور تشابي ألونسو لخلافة أستاذه الإيطالي في «سانتياغو بيرنابيو»، أملا في حل المعادلة أو اللغز الذي استعصى على الميستر كارليتو، بالوصول إلى التوليفة أو الطريقة السحرية التي تساعد نجوم الفريق على تقديم وتطويع موهبتهم لمصلحة الفريق، في مقدمتهم ثنائي الهجوم كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور، ومن خلفهما الفتى البريطاني جود بيلينغهام، الذي بدوره تراجع مستواه في الموسم المنقضي مقارنة بالنسخة البراقة التي كان عليها في موسمه الأول في مدينة «الفالديبيباس»، ربما كما يتردد من حين لآخر في وسائل الإعلام الإنكليزية والمدريدية، لتأثره بالإصابة التي يعاني منها منذ فترة طويلة على مستوى الكتف، وحاجته الماسة للخضوع لجراحة في أقرب فرصة متاحة، وربما لتراجع تأثيره وفاعليته في الثلث الأخير من الملعب، بعد إلزامه بالتحرك في مناطق ومربعات معينة داخل الملعب، مقارنة بالحرية التي كان ينعم بها قبل وصول المدمر مبابي، كلاعب كان في موسم الكأس ذات الأذنين الخامسة عشرة، يلعب دورا مركبا، بالجمع بين مركز لاعب الوسط المهاجم الكلاسيكي رقم (10)، أو صانع الألعاب الوهمي المتسلل من الجهة اليسرى، وبين رأس الحربة رقم (9) لتعويض رحيل القائد والهداف كريم بنزيمة، خصوصا في لحظات الفوضى داخل منطقة الجزاء والحاجة إلى لاعب يُجيد ألعاب الهواء واستغلال أنصاف الفرص في المناطق المحظورة في دفاع الخصوم، بينما في وجود صاحب القميص رقم (9)، اقتصر دور جود على أدوار لاعب الوسط رقم (8)، أبرزها حمل الكرة في الثلث الثاني وتمريرها لمبابي أو فيني في ظهر المدافعين، وهذا يفسر تراجع أرقام وانتاجية الدولي الإنكليزي في موسمه الثاني، لكن الشيء المحير، يبقى في استمرار الحلقة المفقودة بين مبابي وفينيسيوس سواء تحت قيادة أنشيلوتي أو كما شاهدنا في ليلة الإذلال العظيم أمام سان جيرمان، والتي وُصفت بالمباراة «الكاشفة» لمدى العمل والجهد الذي ينتظر المدرب الإسباني الشاب، حتى تظهر بصمته على الفريق الملكي، عكس الرواية التي تم ترويجها على نطاق واسع في المحيط الإعلامي الأبيض في بداية المونديال، بأن مدرب باير ليفركوزن السابق، بدأ يضع يديه على مصادر قوة اللوس بلانكوس، بعد الظهور المبشر نوعا ما للصفقات الجديدة، خصوصا قلب الدفاع دين هاوسن، الذي ظهرت جودته ومدى تأثيره في وجوده مقارنة بغيابه، وهذا الفارق كان واضحا بعد غيابه بداعي الإيقاف أمام «بي إس جي»، حيث ظهر الدفاع بنفس النسخة البائسة التي كان عليها في نهاية ولاية الميستر كارليتو الثانية، والجديد هذه المرة، مبالغة ثنائي قلب الدفاع في تقديم الهدايا التي لا تقدر بثمن للخصوم، بتلك الطريقة التي نسف بها راؤول أسينسيو، كل ما بناه الموسم الماضي، بهفوته التي نادرا ما نشاهدها في ملاعب كرة القدم النسائية ودوريات الشباب، وكانت سببا في وصول فابيان رويز لشباك تيبو كورتوا في لقطة الهدف الأول، وتبعه أنطونيو روديغر بدقائق تعد على أصابع اليد الواحدة، بتقديم تمريرة حريرية لعثمان ديمبيلي، على إثرها جاء الهدف الثاني، الذي تسبب بشكل أو آخر في موت المباراة إكلينيكيا، وبدرجة أقل ظهر تأثير ألكسندر أرنولد في مركز الظهير الأيمن، الذي عاد مرة أخرى، كواحد من أبرز نقاط ضعف الدفاع والفريق بوجه عام.
أخطاء وجبروت
بوجه عام، أثبتت مباراة الريال وسان جيرمان، أن الانتصارات التي حققها الميرينغي في مرحلة المجموعات والإقصائيات، لم تكن مقياسا لعودة الأمور إلى نصابها الصحيح في الفريق، بل على أرض الواقع، بشهادة المؤيد قبل الغريم، ما زال المشروع على مسافة بعيدة من فرق الصفوة في البريميرليغ والعملاق الباريسي، في ظل استمرار أغلب مشاكل الموسم الماضي، متمثلة في ضعف الجودة في بعض مراكز الدفاع، مثل صداع الظهير الأيسر، والكوارث الدفاعية في قلب الدفاع، وقبل هذا وذاك، اللاعب الفنان القادر على حمل الكرة والانطلاق بها بشكل عمودي في التحولات السريعة من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، أو مهندس من زمن العمالقة مثل توني كروس، يملك من الموهبة ما يكفي لوضع الكرة بين قدمي الجناح أو المهاجم المنطلق من الثلث الأول أو الثاني إلى حدود منطقة الجزاء بلمسة عبقرية واحدة، وأشياء أخرى ملخصها أنه سيكون من الجنون الحكم على تجربة ألونسو مع الريال بعد الخسارة المؤلمة أمام بطل أوروبا، أو كما يقولون «من السابق لآوانه» إعطاء الأحكام المبكرة على ألونسو في بداية تعارفه على اللاعبين في المونديال، لكن ما أثار الجدل على نطاق واسع، وفي نفس الوقت أثار مخاوف المشجعين، أن المدرب لم يبادر بمساعدة نفسه، على توظيف اللاعبين في أماكنهم ومراكزهم الطبيعية كما جرت العادة منذ بداية البطولة، متجاهلا المقولة المأثورة في مصر «طالما ماشية لا تلعب في أي حاجة»، معدلا طريقة لعبه من مهاجمين اثنين إلى ثلاثة، لإرضاء مبابي بعد تعافيه من الوعكة الصحية وإشراكه بجانب فينيسيوس في الهجوم، على حساب مفاجأة البطولة غونزالو غارسيا، الذي تحول من مشروع راؤول غونزاليز الجديد في مركز المهاجم رقم (9)، الذي يُجيد التسجيل بكلتا القدمين والرأس بنفس الجودة والدقة، إلى جناح أيمن مهاجم، مهمته الوحيدة تسلم الكرة الركض بها في أماكن بلا أهمية في الملعب، ثم تمريرها إلى الوراء، لعدم تمرسه على شغل المركز الذي يلعب فيه عادة رودريغو، وهذا في حد ذاته، تسبب في حرمان الهجوم المدريدي من أكثر من 50% من قوته الضاربة، في الوقت الذي بصم فيه أصحاب الأسماء الكبيرة على مباراة للنسيان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، في القلب منهم اللغز فينيسيوس جونيور، الذي يسير من سيئ إلى أسوأ منذ خسارة سباق «الكرة الذهبية» مع الإسباني رودري أواخر العام الماضي.
ونفس الأمر ينطبق على مبابي، الذي نقل عدوته وطاقته السلبية إلى غرفة خلع الملابس البيضاء، بإصراره دائما وأبدا على وضع نفسه في إطار اللاعب المتخاذل الذي هدم معنى أو فكرة التوازن بين وسط وهجوم الفريق، وذلك بطبيعة الحال، لعدم التزامه بأدواره الدفاعية، أو لعدم تعلمه من محاضرة مدربه السابق في «حديقة الأمراء» لويس إنريكي، التي كان ملخصها، أنه لا جدال على إبداع كيليان في الثلث الأخير من الملعب، لكن ما يعيبه وسيعيقه دائما على تحقيق حلمه بالمنافسة على «البالون دور»، غياب دوره القيادي، كأول مدافع عن مصالح الفريق والكرة بين قدمي أول حامل للكرة من المنافس، مكتفيا بدور المشاهد، الذي ينتظر الكرة في المناطق الذي يحبها، ليظهر إمكانياته وقدراته في موقف لاعب ضد لاعب وانطلاقاته بالكرة وبدونها في المساحات الشاغرة في الهجمات المرتدة، ومن الواضح أن مبابي، ما زال متمسكا بقناعاته الشخصية على حساب درس إنريكي، رغم أنها تأتي بنتائج عكسية على فريقه. وما يضاعف محنة الريال، أن فيني، لا يقوم هو الآخر بأي دور دفاعي، وهذا في عالم الكرة الحديثة، التي ترتكز على فكرة الضغط المبكر والمتقدم من الأمام، تجعل اللوس بلانكوس، يبدو وكأنه يلعب بدون لاعبين اثنين، باعتبارهم خارج الخدمة في أغلب الأوقات، وحتى عندما تأتي انطلاقة نادرة، يفضل كل منهما الحل الفردي على اللعب الجماعي، لذا سيتعين على تشابي، حل هذه الإشكالية بجانب التركيز على بعض نقاط ضعفه، قبل أن تتسع الفجوة مع برشلونة وباقي المنافسين في القارة. أما الفريق الباريسي، فكما نقول دائما من قبل تتويجه بدوري أبطال أوروبا، يبقى الفريق الأكثر توازنا بين الدفاع والهجوم في القارة الهجوم، معتمدا في المقام الأول على ظهيرين يصعب تواجدهما في نفس العصر، فما بالك في فريق واحد، والحديث عن أفضل ظهير أيمن في العالم أشرف حكيمي، الذي تصدر قائمة الأكثر صناعة للأهداف في الأبطال ومونديال الأندية، ومعه البرتغالي الفذ نونو مينديز، الذي تحول من كابوس إلى أفضل وألمع نجوم العالم، على غرار ما فعل أمام محمد صلاح في مباراتي ليفربول، وبوكايو ساكا أمام آرسنال، ودومفريس في نهائي الإنتر، وكل من قابله في مباريات المونديال، آخرهم المغلوب على أمره غونزالو غارسيا، فيما يكمن حجر الزاوية في هذا المشروع، في الثنائي البرتغالي فيتينيا وجواو نيفيز، وأمامهما الإسباني الساحر فابيان رويز، كواحد من الصواريخ القادمة من الخلف إلى الأمام، لتنويع الحلول والأفكار الهجومية برفقة قادة العصابة ديزيريه دوي وكفاراتسخيليا وعثمان ديمبيلي أو برادلي باركولا، والحديث عن الفريق الأكثر ابتكارا للهجمات والأكثر رغبة في تسجيل الأهداف بلا توقف، والأكثر في كل شيء إيجابي في عالم كرة القدم، بما في ذلك انتهاء إشكالية هفوات الحراس، بعد وصول دوناروما إلى أعلى مستوياته على الإطلاق في مسيرته، لذلك راهن الكثير من النقاد والمتابعين على وصول هذا الفريق إلى المباراة النهائية، إذا واصل اللعب بنفس الروح القتالية المذهلة التي كان عليها في النصف الثاني من الموسم، وهو ما حدث على الأراضي الأمريكية، فقط يحتاج لإنهاء المونديال بنفس الطريقة، لينصب نفسه بطلا للعالم، بدلا من الاستيقاظ على واحدة من مفاجآت تشلسي غير المتوقعة في هكذا مواعيد كبرى.