جين كيلي: ثورة راقصة على شاشة السينما

عندما انتقل الرقص من المسارح إلى شاشة السينما، امتلأت هذه الشاشة بالحياة، وغمرتها طاقة من النشاط والحيوية والجمال، واتسع الخيال المرافق لخطوات الراقص أو الراقصة، ووجدت متعة فنية جديدة إلى جانب متعة الصورة والحوار والتمثيل، وصارت الحركة تشيع البهجة والنشاط في نفس المتلقي، وصار المهرة من الراقصين نجوماً، يذهب المتفرج خصيصاً إلى السينما من أجل مشاهدة رقصهم، وازدهر إنتاج الأفلام الاستعراضية.
ولا شك في أن تاريخ السينما سيظل يذكر الراقص الأمريكي جين كيلي، لا كأحد أهم الذين رقصوا على شاشة السينما فحسب، بل كفنان أشعل ثورة راقصة بالفعل، وغيّر وجه الأفلام الاستعراضية والغنائية في أمريكا، بموهبته الخارقة وتمكنه المذهل من فنون الرقص وتصميم الاستعراض، وسحره الدائم مهما مرت عليه عقود طويلة من الزمان.
كان جين كيلي متعدد المواهب، يغني ويمثل ويخرج ويصمم الرقصات، وفوق كل هذه المواهب تتربع موهبة الرقص، وكأنه امتلك هذا الفن من جميع جوانبه. وإن كان قد تخصص في فن الكلاكيت، الذي كان رائجاً في فترة الأربعينيات والخمسينيات، فإنه في أدائه لهذا النوع من الرقص كان يوظف مهاراته في خطوات الباليه الكلاسيكي، التي تعد من الأمور الأساسية لدى أي راقص، والتي يلمحها المشاهد لرقص جين كيلي في لحظات معينة. وكذلك كان جين كيلي يجمع بين الرقص الحديث والرقص التعبيري، والحركات الرياضية والأكروباتية.


ظهر جين كيلي وتألق في فترة من أجمل فترات السينما الأمريكية، الفترة التي كان يصنع فيها التاريخ الفني وكلاسيكيات المستقبل. ويُعرف الراقص الراحل بأنه خلع عن الرقص ربطة العنق، وجعله قريباً إلى العامة، بحيث يشعر المشاهد الأمريكي بأن جين كيلي يعبر عنه، وأنه يستطيع أن يرقص مثله في الشارع أو في أي مكان. ولد جين كيلي عام 1912 وتوفي عام 1996، وصنع مشواره الفني من الصفر، ومن الرقص في الحانات الصغيرة من أجل الكسب المادي ومساعدة الأسرة، إلى أن تربع على عرش من عروش هوليوود بفضل موهبته النادرة في الرقص. امتلك كل ما يؤهله للظهور على شاشة السينما، تلك الشاشة الحساسة للغاية، التي لا تجامل ويجب أن لا يُلقى إليها بأي مار عابر ثقيل الحضور، ذهب جين كيلي إلى السينما بوسامته ووجهه المقبول وابتسامته الجاذبة، وخفة ظله وروحه المرحة، وقدرته على التمثيل والغناء، وجسده الذي تكمن فيه أسرار الطاقة الفنية الهائلة، التي تبرز كنجم لامع بين كل مواهبه الأخرى، إنها طاقة الرقص اللانهائية.

الرقص تحت المطر
قدم جين كيلي للسينما مجموعة هائلة من الأفلام الاستعراضية، بالإضافة إلى أعمال أخرى قدمها للمسرح والتلفزيون. وكان فيلم «أمريكي في باريس» 1951 انطلاقة رائعة وحدث فني كبير حصد الجوائز والنجاح الجماهيري، ومن خلال هذا الفيلم قدّم جين كيلي باليه قصيرا أو من فصل واحد مدته 17 دقيقة تقريباً. بعد هذا النجاح الساحق وفي العام التالي 1952 حقق كيلي نجاحاً آخر لا يقل أهمية، وربما كان أكثر شهرة، إنه الفيلم الخالد «الغناء تحت المطر» ورقصته الأيقونية بحق في تاريخ السينما، على أنغام أغنية «الغناء تحت المطر»، حيث يغني جين كيلي أو «دون» بطل الفيلم ويرقص تحت المطر، منتشياً بسعادة حب جديد لا يزال في بدايته.
تلك اللوحة السينمائية المفعمة بالخيال والحيوية والسعادة، لا تزال تدهش المتلقي بجمالياتها المتعددة وسحرها الدائم المتجدد. كان جين كيلي يصمم رقصاته بنفسه، وهنا في هذه الرقصة صمم مجموعة من الحركات، لا يصاحبه فيها سوى مظلة المطر، تتنوع بين المرح والتعبير عن الحب والسعادة، والخطوات التي تذكر بالسينما الصامتة نظراً لسياق الفيلم، والدورانات الواسعة التي يجوب فيها الشارع، كما يجوب راقص الباليه أرجاء المسرح، ورقص الكلاكيت تحت المطر المنهمر، وضرب المياه بالقدمين كطفل صغير يلهو.
لا تعتمد جاذبية فيلم «الغناء تحت المطر» على أغانيه واستعراضاته فقط، كأغنية (صباح الخير)، أو (اجعلهم يضحكون) وغيرهما من الأغنيات والرقصات، التي اشترك فيها جين كيل مع ديبي رينولدز ودونالد أوكونور. وإنما يعد الفيلم تحفة سينمائية بحق، ومن أجمل الأفلام المرحة التي لا يمل المرء من مشاهدتها، كما أن الفيلم يوثق مرحلة مهمة للغاية من تاريخ السينما، وإن كان هذا التوثيق في قالب كوميدي، وربما كانت الكوميديا هنا نوعاً من الواقعية، تعبر بالفعل عن مفارقات وصعوبات تحول السينما من الفترة الصامتة إلى الفترة الناطقة في العشرينيات من القرن الماضي. وكيف فرض ذلك التحول تغيراً في تكنيك التمثيل، حيث يجد «دون» بطل الفيلم، الذي جسد شخصيته جين كيلي، نفسه مهدداً بفقد مكانته على شاشة السينما، بعد أن كان نجم السينما الصامتة، وكيف تحول إلى أضحوكة عندما عرض فيلمه السينمائي الأول الناطق، نظراً لتكلفه الشديد وتعبيراته المصطنعة وطريقة الإلقاء المتشنجة، بالإضافة إلى معاناة الممثل من التعامل مع التقنيات والأجهزة الحديثة التي هي الميكرفون، الذي يجب أن يكون قريباً منه أثناء التصوير وما يسببه له من ارتباك، وإعادة تصوير المشاهد بسبب مشكلات جودة تسجيل الصوت.
بعد الفشل والإحباط وسخرية الجمهور، كان على دون أن يفكر في حل مبتكر، وأن يواكب هذا التغير الهائل الذي حدث في صناعة السينما، وأن يقدم هو الآخر شيئاً حديثاً وقالباً فنياً جديداً هو القالب الاستعراضي.
يظل جين كيلي أحد أعظم فناني الاستعراض في تاريخ السينما العالمية، بأسلوب رقصه المبهر الفريد، الذي يجمع بين القوة والخفة والرشاقة، والانضباط الكلاسيكي والحداثة، كما أنه كسر الحاجز بين المتفرج والرقص، وخرج بهذا الفن إلى الشوارع والساحات ليرقص وسط الناس، وإن كان ذلك على شاشة السينما في لعبة الخيال. ومن أروع الأمثلة على ذلك رقصة I Like Myself من فيلم It’s Always Fair Weather عام 1955، حيث يغني جين كيلي ببراءة وسعادة طفل، فالحب جعله يشعر بالرضا عن نفسه وعن حياته. تعد هذه الرقصة من أجمل الرقصات في تاريخ السينما ومن أصعبها أيضاً، فالرقصة كلها يؤديها جين كيلي في الشارع وهو يرتدي حذاء التزلج، ويقوم بخطوات الكلاكيت السريعة والوقفات والدورانات بتحكم فائق ولياقة مذهلة، مع تقديم التعبيرات المناسبة عن الحالة الشعورية إلى جانب التكنيك الصارم، كل ذلك بحيوية لا مثيل لها وطاقة مليئة بالبهجة وحب الحياة.

كاتبة مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية