اندلعت الحرب بتنبيه على الموبايل. طالعت التليغرام وشاهدت الفيديو. شاهدت دبابات روسية تجتاح أوكرانيا، ثم تبعه فيديو آخر تظهر فيه طائرات من طيار وهي تغادر مواقعها، ذلك ما حصل في شتاء 2022. وبينما العالم يتعافى من الجائحة ومن تبعاتها، كانت القذائف تتساقط على سماء كييف، لأن الحرب لا تنتظر، والحرب بدأت هذه المرة من موبايل، وليس من تشغيل تلفزيون، أو من انتظار برقية في وكالة أنباء، أو من ترقب جريدة في الصباح. والحرب أسرع من عدائي المئة متر، لا وقت لها من أجل انتظار الصحافيين أو المصورين، بل إنها مستعجلة في أمرها. ففي الوقت الذي لم يكن فيه الأوكرانيون يعلمون إن كانت تهديدات روسيا واقعا أم مجازا، كان أشخاص آخرون يتابعون الأحداث على الأرض، على الرغم من أنهم يعيشون خارج البلد، ويعلمون ما يحصل تماما مثلما يعلم من يعيش في أوكرانيا. فنشر الأخبار صار كذلك أسرع من إطلاق طائرة مسيرة، أو إنزال قذيفة.
لم يحصل أن بلغ البشر حالة من المساواة، مثل المساواة في بلوغ أخبار الحروب. فالأخبار باتت في متناول الجميع، وهي أقرب إليهم من الخبز الذي يتناولونه كل يوم. والجميع بات بوسعه مشاهدة الحدث لحظة وقوعه، أو بفارق بضع ثوانٍ. صارت الحرب مثل السلع المعلبة، تصل إلى بيوت الناس من غير أن يبادروا إلى طلبها. يكفيهم موبايل بحجم كف اليد، كي يروا ماذا تفعل دبابة بحجم ربوة، وتكفيهم دقيقة واحدة في تحديد مسار طائرة مسيرة تشق 300 كلم في الساعة.
ومنذ أيام شاهدنا نارا أخرى تشتعل في سماء الشرق الأوسط، نحصي الطائرات المسيرة قبل أن تفرّغ حمولاتها، نحصي الصواريخ قبل أن تبلغ مقصدها، نحصي الضحايا قبل أن يعلم أهلهم بمصيرهم، كما نسمع خطابات التهديد والوعيد، في لحظة التفوه بها. معذرة، لا توجد خطابات حربية، مثلما تعودنا عليه في النزاعات السالفة، بل تحولت الخطابات إلى تغريدات على السوشيال ميديا، وبمجرد نشرها فإن أشخاصا يعيشون على بعد آلاف الكيلومترات من الموقعة يعرفون فحواها، ويعرفون إلى أين تودي وما هو تأثيرها على تبعات النزاع. لأن الحرب صارت سماء مفتوحة، صارت الحدث الأكثر مأساوية وكذلك الأكثر ديمقراطية في آن، لأن توزيع المعلومة يجري بالتساوي بين الذين يخوضون شؤونها، ومن يجلسون في بيوتهم ويشاهدونها. لم نعد نحتاج إلى انتظار نشرة أخبار، ولا إلى ترقب جريدة تصدر في اليوم التالي.
في الحروب الأخيرة اختفت ظاهرة «سكوب» أو الخبر الحصري. من يدعي امتلاك خبر حصري عن الحرب فهو يخادع المتابعين، لأن الأخبار باتت مباحة في كل حين، وكل طرف من طرفي النزاعات يوزع أخبار عملياته مثل من يوزع الغنائم على الجنود، من غير تمييز أو تفرقة. كما إن كل واحد من طرفي النزاع، وقبل أن يطلق الرصاصة الأولى أو الصارخ الأول، فإنه يعد العدة، والعدة تبدأ من التجييش الإعلامي، من تدريب جيش يشتغل على السوشيال الميديا، وعلى نقل المجريات التي تدور في الواقع. ويحرص كل طرف أن يبث الأخبار في لحظة وقوعها، بغرض التأثير على العدو، وكسب المعركة النفسية. ونحن في بيوتنا نتابع الأحداث والمعارك، لم نعد مجرد شهود على حدث دموي ومؤسف، بل صرنا لاعبين فيه من غير أن نعلم. لأننا تحت تأثير المعركة الإعلامية، والمشاهدون يصطفون إلى جانب طرف ضد آخر، حسب التأثير الذي تحدثه لا الصواريخ، بل التغريدات على السوشيال ميديا.
لم يعد الإنسان المعاصر ينعم بالحق في الحياد، بل إنه متورط في المجريات، كما لم يعد في حاجة إلى صحافي، لأن الصحافي نفسه يصل إليه الخبر في اللحظة نفسها، التي يصل فيها إلى ملايين الموبايلات. لم يعد الصحافي يمتلك أفضلية على المواطنين الآخرين، لأنه لم يعد يمتلك الحق في خبر غير معلوم، ولا يمتلك سرا، بل إنه يعيش الحدث كما يعيشه غيره، وفي الحروب الجديدة لا فضل لأعجمي على عربي، لأن الجميع في زاوية واحدة، يشاهدون في صمت. فالحروب لم تعد حكاية تروى أو خبرا في باب (الحصريات)، بل صارت صوتا وصورة، نعلم ما يدور فيها بالمرتبة نفسها التي يعلم فيها طيار أن عليه إطلاق قذيفة.
في كل مرة نسمع من يهلل أن العالم يسير إلى ثورة في الذكاء الاصطناعي، ثم ندرك أن العالم يسير بالأحرى إلى ثورة عسكرية. ففي كل حرب جديدة، نكتشف أسلحة جديدة. وأسماء طائرات مسيرة وصواريخ لم نكن نسمع عنها من قبل. فيما هناك من يسعى إلى تيسير حياة البشر، بأن يتيح لهم ما وصل إليه الذكاء الاصطناعي، نجد من يود القضاء على البشر بأسلحة، وهي أسلحة تطورت كذلك بفضل الذكاء الاصطناعي. هذا الذكاء الذي يصنع حياة الناس ويهدمها في الوقت عينه.
وفي كل حرب جديدة كذلك، ندشن قاموس أسلحة جديدة، ندون فيه كلمات وعتادا لم نسمع عنه في أزمنة سالفة. وكأننا نعيش في عالمين متوازين، عالم يحلم بازدهار الإنسان وعالم آخر يحلم بإرساله إلى قبر. لأن المنتصر في الحروب الحديثة هو من يسجل أكبر عدد من الضحايا في صفوف العدو. هو من يسجل أكبر عدد من الخسائر في البنايات والمنشآت. لم نعد نشهد حروبا تقليدية، عندما تجتاح جيوش بلدا، بل صارت الحروب تعتمد على الحد الأدنى من الجهد، على الحد الأدنى من الاستعراض العسكري، وعلى الحد الأقصى من التكنولوجيا. لم تعد الحروب مثلما مضى تنتهي بمعرفة أسماء أبطال جدد، قد تنصب لهم تماثيل أو ترصع أكتافهم نياشين، بل إننا لا نعرف أسماء الجنود ولا الضباط، لكننا نعرف أسماء طائرتهم وصواريخهم التي يطلقونها. قد نعرف اسم الضحية لكن لا نعرف من أزهق روحها. نعرف اسم الميت لا الحي. ونحن في موقع الشاهد والمشاهد، ونتخيل حجم الأضرار في حال وصلت تلك الصواريخ والطائرات المسيرة إلى الجوار. فقد صرنا نعيش تحت سماء مفتوحة، تعج بأخبار الحرب، بوسع أي كان أن يلتقط منها الخبر الذي يشأ، بل الأخبار تنزل على موبايل مثلما تنزل قذيفة على بيوت مأهولة. صرنا جزءا من الحرب من غير أن نعلم.
كاتب جزائري