عادية الشرّ والقتلة الذين خرجوا من بيننا

حجم الخط
0

رغم ما يقرب من ستة أشهر على سقوط النظام في دمشق، ما زال السوريون، ممن لهم ابن أو أب أو أخ أو قريب مفقود أو معتقل، يبحثون عن أحبتهم، يسألون كل من نجا من السجون السورية، إذا ما كان صادف عزيزهم في هذا السجن أو ذاك.
يعودون للتحديق في الصور التي تسربت بين حين وآخر من معتقلات النظام السوري، لعلهم يجدون جثثهم في الصور التي طالما تأملوها، ولم يجدوا أحبتهم فيها، لكن بعد فتح السجون السورية، وخروج الجميع، من لم يظهر اعتبر في عداد المفقودين. وتجربة الفقد من أصعب تجارب الصراعات الدموية، لأن عدم معرفة مصير الأحبّة، يُبقي الأمل عند الأهالي أن يعود أحبتهم بمعجزة. هناك حوالي 120 ألف مفقود موثق، وعشرات المقابر الجماعية. لا يمكن لأهالي المفقودين تجاوز أحزانهم من دون معرفة مصير أحبتهم، فعندما يتأكد الأهالي من موت أحبتهم، يستطيعون الحداد عليهم، والحداد هو الأداة الأهم للتعافي من قسّوة الفقد.
تبدو الجرائم المعروفة حتى الآن، مجرد رأس جبل الجليد من فظائع النظام، وسيبقى جديد الفظائع التي ارتكبت خلال الأعوام المنصرمة تكشف من جديد. ويكفي أن نتخيّل أي جحيم عاشه السوريون خلال هذه السنوات، بينما ظل العالم يتفرج على القتل المتواصل من دون أن يرّف له جفن. المفزع في المشهد أن صور التي تسربت، وصور المعتقلين الذين نجوا من الموت، وخرجوا من السجون بعد سقوط النظام، تكاد تتطابق مع صور الهولوكوست في زمن النازية.
الصدمة التي تسببت بها عمليات القتل الواسع الذي شهدته البلد، لا يأتي من وحشيتها وحدها، بل من العجز عن تفسيرها، والقدرة على فك شفرتها أيضًا. كيف يُمكن لبشر عاديين أن يتحولوا إلى آلات قتل إبادية؟ يقفز هذا السؤال أمام صورة كل ضحية.

الكارثة تكمن في قدرة النظم الشمولية على تحويل البشر إلى محض «منفذين» و»تروس» في الآلة الإدارية لدولة البطش، أي تجردهم من إنسانيتهم

من أين جاءت كل هذه القسوة؟ أين تربى هؤلاء المجرمون الساديون المنفلت؟ أي منظومة قيميّة في غاية التشويه أنتجت هذه الوحوش البشرية مصاصي دماء بشر مثلهم؟ هل تفسر «عادية الشرّ» التي أبدعتها حنة ارندت في كتابها «ايخمان في القدس»، والذي يحمل عنوانًا فرعيًا «تقرير عن عادية الشرّ» الوضع السوري. شكل ايخمان في نظر أرندت نموذجًا للإداري التكنوقراطي الذي يرتكب أبشع الجرائم بضمير مرتاح دون أن يرف له جفن بوصفه جزء من آلة القتل. ينزع تعبير «عادية الشرّ»، الذي استخدمته ارندت الشيطنة عن الجناة والقتلة، مصورة ايخمان بوصفه موظفًا بورجوازيًا تافهًا، وليس ساديًا أو شاذًا كما حاول الادعاء الإسرائيلي تصويره، بل شخصًا عاديًا تمامًا، ومرعبًا في عاديته. لم ترَ أرندت في أيخمان تجسيدًا للشرّ، بل اعتبرت أن الكارثة تكمن في قدرة النظم الشمولية على تحويل البشر إلى محض «منفذين» و»تروس» في الآلة الإدارية لدولة البطش، أي تجردهم من إنسانيتهم، وتجعلهم منفذين للشرّ بوصفه الأمر الطبيعي الذي يجب عليهم القيام به.
ليس التحليل الفكري وحده الذي يتحدث عن تحول البشر إلى تروس في آلة الدولة الشمولية المدمرة، علم النفس بدوره يدعم هذه العادية للشرّ. بعد الحرب العالمية الثانية، تم إجراء العديد من التجارب والأبحاث النفسية لإيجاد أجوبة مقنعة عن كيفية إتباع الإنسان لأوامر قد تعتبر غير أخلاقية أو إنسانية. من أشهر هذه التجارب تجربة العالم النفسي الأمريكي ستانلي ملغرام مطلع الستينيات، وفيها قام بتجنيد متطوعين مقبولين من الناحية الثقافية والاجتماعية، وقام بتوزيع الأدوار عليهم من دون أن يعرف المتطوعون الغرض الرئيسي من التجربة. قام ملغرام بوضع أحد الأشخاص في غرفة مغلقة لا يمكن لأحد رؤيته وأعطى لهذا الشخص تعليمات أن يخطئ بصورة متعمدة في هجاء بعض الكلمات. على الجانب الثاني من الغرفة شخص مزود بقائمة من الكلمات التي طلب منه أن يلقنها للشخص الموجود في الغرفة، ليقوم هذا الأخير بهجائها بالصورة الصحيحة، وإذا أخطأ يضغط السائل على زر يؤدي إلى صعق الشخص بشحنة كهربائية، تُزاد كميّة الشحنة في كل مرة يرتكب فيها الشخص خطأ إضافيا. في الحقيقة، لم يكن هناك أي جرعة كهربائية، لكن السائل لم يعرف ذلك، والشخص الموجود في الغرفة كان يتصنع الصراخ من الألم. لم يكن للمشتركين مانع من تنفيذ هذا الأمر، مما أدى إلى الاستنتاج بأن للإنسان نزعة بإتباع الأوامر إذا ما اعتقد بأنها صادرة عن أشخاص مسؤولين، حتى إذا كانت هذه الأوامر منافية للمنطق.
مرعبة فكرة «عادية الشرّ»، إنَّ الشرّ مقيّم بيننا، في منازلنا، بين أصدقائنا، جيراننا، في البشر البسطاء الذين يسيرون في الشارع، كل هؤلاء يمكن تحويلهم الى تروس في آلة القتل، يمكن أن يذبحوني في أي وقت. لكن، لا. مهما كان حجم الإجرام، فإنه لا يمكن القبول بعادية الشرّ، ولا يمكن القبول أن البشر يرتكبون جرائمهم بوصفهم جزءا من آلة كبيرة. هل كان يمكن للضحايا أنفسهم أن يكونوا قتلة؟! لا يمكن عكس المواقع بين القتلة والضحايا في التاريخ الحيّ. وإذا كان الضحايا لم يختاروا موقعهم، فإن القتلة اختاروا موقعهم. وإذا كانت الوحشية الدموية هي النتاج الطبيعي للتمسك الكلبي بالسلطة، فإن الشرّ لا يمكن فصله لا عن السلطة ولا عن القتلة المندمجين في هذه السلطة، ولا ينفذون المذبحة لأنهم تروس في آلة، بل لأنهم جزء من الآلة ذاتها ومصالحهم مرتبطة بها. من الممكن الحديث عن مجندين برتب منخفضة، بأنهم أسرى آلة الدولة، لكن لا يمكن أن ينطبق ذلك على رئيس فرع أمني.
قد تكون الصدفة التاريخية أحيانًا لعنة على بلد بأكمله، كما حدث لسوريا التي وقعت تحت حكم بشار الأسد: رئيس جاءته السلطة مصادفة، فحوّل البلد إلى مسرح للموت والقهر، كأنها لعبة أطفال بين يديه. لكن رغم كل ذلك، يظل الشرّ فعلًا إراديًا. لا يمكن التماس الأعذار للقتلة، ولا يمكن مساواة الضحية بالجلاد. القتلة هم القتلة، والضحايا هم الضحايا. والشرّ، مهما بدت عاديته، يظل خيارًا إنسانيًا فظيعًا اختاره هؤلاء القتلة بإرادتهم.

كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية