في عام 2018 دخل عيادتي شاب عشريني برفقة والدته، التي أمسكت دفة الحديث فسألتني السؤال التقليدي:
دكتور هل تذكرتنا؟
أجبت الإجابة المعهودة مع ابتسامة:
ذكريني.
دكتور نحن مرضى عندك.
وهذه صيغة حديث اعتدت عليها من المرضى، وبعضهم يعاتبني لأني لم أتذكره ثم أكتشف أنه راجعني قبل عشر سنوات!
كررت:
ذكريني حجة.
ردت السيدة
أرسلنا إليك الدكتور براء قبل سنوات وكان ابني مصاباً….
قاطعتها لأني تذكرتها. سألتها عن حالها، وسألت الشاب إن كان مرض الصداف قد عاوده، كي أثبت لها أني تذكرت، نفت الأم ذلك وأكد الشاب النفي. راجعني هذا الشاب عام 2013، يومها صارت مدينة حماة تحت السيطرة المطلقة للنظام السوري، بعد أن خرج ما تبقى من الشباب المقاتل إلى الأرياف، وهؤلاء كانوا ينفذون حرب عصابات بسيطة داخل المدينة، على شكل اغتيالات وسيطرة على بعض المناطق ليلاً، مثل حي طريق حلب لحماية المظاهرات السلمية الليلية في الشوارع الفرعية لذلك الحي، بعد خروجهم انفلتت وحشية النظام من عقالها لأنه لم يعد هناك من يردعها.
كانت مخابرات القوى الجوية (الجوية) كما يشار لها اختصاراً، التي تتمركز في مطار حماة العسكري ويتزعمها سهيل الحسن، رمزاً متطرفاً لتلك الوحشية. كانت وحشية صافية. في ذلك الوقت أصبحت الاعتقالات العشوائية أشبه بصيد السمك بالبراميل، أو بشبكة صيد ذات ثقوب صغيرة، وهذه طرق صيد ممنوعة لأنها تُجرّف الأسماك تجريفاً فتهلك ضرع وزرع الثروة السمكية. ينزلون إلى الشارع، ينصبون حاجزاً طياراً فيعتقلون كل شاب تصادف مروره. يذهبون به إلى المُعتقل في المطار. فإن كُتبت له النجاة من الموت يطلقون سراحه وسطياً بعد أربعين يوماً، أو يسلمون جثته لأهله بزمن أقل، كثر ماتوا تحت التعذيب..
في تلك الأيام كانت جلود الناجين من هذا المعتقل الرهيب في حال يرثى لها بسبب الازدحام وسوء التغذية والتعذيب الوحشي غير المسبوق. كلهم يخرجون مدنفين مصابين بالجرب، وقمل الجسد، والتقرحات والإنتانات الجلدية. وقد يصاب المعتقل بقصور كلوي حاد نتيجة الضرب المبرح على عضلات الجسم، ما يؤدي لتحلل العضلات وعجز الكلية عن طرح مخلفات التحلل (الميوغلوبين)، وربما احتاج المريض إلى غسيل كلوي. كانت خسارة الوزن بمعدل يومي يتراوح ما بين نصف كيلوغرام إلى واحد كيلوغرام. خلال شهر واحد يخسر المعتقل وسطياً 20 كيلوغراما، وهذا معدل تعجز كل أنظمة التنحيف عن الوصول إليه. كنت أقترح من باب السخرية على من يرغبون بتخفيض الوزن، أن يستشيروا أبو حيدر جوية..
لكن هذا الشاب، الذي اعتقله حاجز طيار من الشارع، كانت له قصة أغرب فبعد خروجه مصاباً بكل الأمراض الجلدية السابقة الذكر وخسارته 25 كيلوغراما من وزنه خلال أربعين يوماً اكتشف طبيب الأمراض الداخلية إصابته بفقر دم لا مصنع Aplastic Anemea ، أي أن نقي العظم المولد لعناصر الدم قد توقف عن العمل. تبين بعد إجراء الفحوص الدموية أن سبب توقف النقي هو العوز التام للفيتامين بي 12. كانت قيمته في تحليل الدم صفر. يجب أن نذكر هنا أن الجسم لا يُصنّع الفيتامين بي 12، بل يحصل عليه من الغذاء. لكنه يُخزّن كمية تكفيه أربع سنوات، وهذا يعني أن جسد الشاب فقد بشكل تام مخزوناً يكفي لأربع سنوات في أربعين يوماً على يد أبو حيدر جوية! تساءلت يومها ما هي الحلقة الاستقلابية التي دخل بها جسم هذا الشاب في المعتقل؟ ربما لو عرفنا ما فعله أبو حيدر جوية لاكتشفنا حلقة استقلابية غير معروفة من قبل. وربما حاز أبو حيدر جوية على جائزة نوبل.
تحسنت حالة الشاب بعد حقنه بالفيتامين بي 12، لكن فجأة ملأت البثور، التي لم تستجب للعلاج بالصادات الحيوية، جسده فراجعني. لم يكن أمراً صعباً أن أُشخص إصابته بشكل خطير من الصداف هو الصداف البثري، حيث تعلو البثور القيحية سطح الجسم فترتفع حرارته ويتدهور وضعه. كان علاجه مشكلة حقيقية لأن الدواء الوحيد المتوفر في سوريا «الميثوتريكسات» قد يفاقم تثبيط النقي. عالجته بجرعات خفيفة من الدواء، مع مراقبة لصيقة، ثم جلبنا له عقاراً آخر من خارج سوريا. وفي النهاية استطعت السيطرة على الوضع وعاد المريض إلى وضعه الطبيعي، ولم أشاهده بعد ذلك إلا هذا اليوم. قالت الأم:
دكتور نريد أن نسترد الصداف..
فوجئت بهذا الطلب الغريب، لكن بعد أن استلم الشاب زمام الحديث بدأت الصورة تتضح قال، إنهم طلبوه للخدمة العسكرية الإلزامية بعد أن استنفد فرص التأجيل الدراسي، ولم تعد هناك فرصة للتهرب، لأن الحواجز تملأ المدينة، وقد أُغلق طريق الشمال، الذي يوصل إلى المناطق المحررة، وكذلك سُدت أبواب الهجرة الخارجية. كان الالتحاق بالجيش عمل انتحاري من كل الجوانب، المادية والمعنوية والأخلاقية، لأنك تضع نفسك في مكان تُشارك فيه بقتل شعبك، وتُعرض نفسك لخطر الموت اليومي، لتصبح في نظر شعبك خائباً مات تحت الراية الخاطئة. وأيضاً هو خيار مكلف مادياً لأن المجندين جوعى مرضى، وينتشر بينهم مرض الجرب، يأكلون ويتداوون على حسابهم الشخصي. وبعد أن أعاد النظام احتلال حلب، وتقدم في مناطق خفض التصعيد، عاد ضباطه لإهانة المجندين وابتزازهم مالياً. وبعد كل ذلك كانت فترة الخدمة مفتوحة إلى ما لا نهاية، عشر سنوات أو أكثر.
بعد أن أفلست كل محاولات الشاب للتهرب من الخدمة تذكر مرض الصداف، فتقدم بطلب إعفاء صحي. أُحيل الشاب إلى مشفى حمص العسكري وهناك فحصه الطبيب فلم يجد سوى بقعتي صداف صغيرتين في حين أن الإعفاء يحتاج لمرض منتشر بنسبة تزيد عن 30% من الجسم. أخبر الشاب الطبيب بأنه تعرض فيما مضى لهجمة صداف بثري. فطمأنه الأخير بأنه بمجرد الالتحاق بالدريج، مكان الدورة العسكرية، سيتفاقم الصداف نتيجة الحياة القاسية وقلة الغذاء في مناخ جبلي صحراوي في القلمون، فتُحال من جديد إلى لجنة التسريح وتتسرح. لكن يا دكتور بعد عدة أيام من التحاقي وبدء الرياضة والهواء الصحراوي النقي والنوم المنتظم حدث العكس، لقد اختفى الصداف بشكل تام! كشف عن الجزء العلوي من جسمه ليثبت صحة كلامه فوجدته صافياً، ثم أكملت الفحص فلم أجد أي بقعة صداف، لقد شفي الصداف وهو خبر مفرح في الأيام العادية. عادت والدته للموضوع الذي حضرت من أجله. قالت بحزن:
دكتور نريد دواءً يُعيد الصداف.. أرجوك يا دكتور لا تردنا خائبين.
أجبتها:
يا أمي يأتي المرضى إلينا كي نعالج الصداف.. هذه أول مرة أسمع هذا الطلب. مهمة الطبيب أن يعالج الأمراض لا أن يسببها.
أجبتها بهذا رغم معرفتي أن هناك أطباء، خاصة في مجال الأمراض العينية يتربحون من إجراء عملية الساد لشبان أصحاء، يستأصلون عدسة العين الطبيعية ويزرعون لهم عدسة صناعية، أو يستخدمون جهاز الليزك الخاص بتصحيح البصر لإضعاف الرؤية بمعدل 4 درجات بدل تصحيحها. كي يتم إعفاء الشاب من الخدمة العسكرية!
نفيت لها حاسماً ومن دون مجاملات وجود مثل ذلك الدواء. فبان الحزن وخيبة الأمل على وجهها. في تلك اللحظة تذكرت حزنها، قبل سنوات، على إصابة ابنها بالمرض، وقارنته مع حزنها اليوم على شفائه، قارنت لهفتها في الماضي على شفاء ابنها من مرضه ولهفتها اليوم على أن يعود مريضاً. قارنت بين لطفي في المرة الماضية وأنا أبث الأمل بالشفاء فترتفع المعنويات، وقسوتي اليوم وأنا أبث الخيبة بعدم قدرتي على استعادة المرض، فتنهار المعنويات.. قارنت بين سعادتي في الماضي لتمكني من إشفاء المريض، وحزني اليوم لأني لم أجعله مريضاً. بعد أن غادرا العيادة خائبين حزينين. توقفت عن استقبال المرضى لعدة دقائق تأملت فيها الحالة السريالية التي دخلنا بها، أم تسعى جاهدة كي يمرض ابنها، وطبيب يشعر بالخيبة والحزن لأنه لا يستطيع أن يجعل المعافى مريضاً. في تلك اللحظة بدا لي أن الكون بات مقلوباً، يمشي على رأسه رافعاً قدميه إلى الأعلى. كان القلم في يدي والوصفة التي لم أكتبها أمامي فكتبت عليها اسم المريض. كتبت مكان الدواء:
يلعن روحك يا… لأنك أدخلتنا هذا المأزق.
بعد ذلك مزقت الوصفة إلى قطع صغيرة فحولتها فتاتاً، ثم رميتها في سلة المهملات. وبعد دقيقة أخرى تمالكت نفسي فطلبت من السكرتيرة أن تدخل مريضاً جديداً.
كاتب سوري