الآخر كخنزير… مناخ المجزرة

حجم الخط
0

«يا خنازير»، هذه هي العبارة الوحيدة التي نقلها شهودٌ عن الإرهابي، الذي فجّر نفسه في كنيسة «مار إلياس» في حي دويلعة على أطراف دمشق. هذا ما سمعه بعض مصلّي قداس الأحد الفائت، الذين خسروا 22 شهيداً على الأقل، في مجزرة دموية أصيب فيها أيضاً أكثر من خمسين مصلياً.
«يا خنازير».. هكذا فقط، لم يذكر أحد أنه سمع صيحة «الله أكبر»، على عادة ذئاب «داعش» المنفردة، التي حامت في أرجاء المعمورة، فيما يهمّون بإطلاق النار، أو الضغط على زر التفجير.

«خنازير» هي نسختهم الخاصة من كلمة بشار «جراثيم»، أو «صراصير»، كما في إعلام «الهوتو» بحق التوتسي، أو كما في وصف قادة إسرائيل «الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت»

عبارة نسمعها منذ شهور، إثر سقوط المخلوع بشار الأسد، عندما بدأت الانتهاكات تتجول هنا وهناك، خصوصاً في المناطق التي تسكنها أغلبية من الأقليات. ومن كثرة الانتهاكات (المصنفة على الدوام انتهاكات فردية حتى لو بلغت المئات أو أكثر)، ولشدة فظاعتها لم يركّز أحد على عبارات كهذه، إذ غطى الدم والقتل والحرق على سواه من الارتكابات. ومثلاً؛ من يفرغ الآن لمحاسبة شخص ظهر في فيديو ليسأل شخصاً آخر على دراجة في الطريق لأي طائفة ينتمي، وحين يجيب يسخر منه ومن طائفته!
«خنازير» هي نسختهم الخاصة من كلمة المخلوع بشار الأسد «جراثيم»، أو «صراصير»، كما في إعلام «الهوتو» بحق التوتسي في رواندا، أو كما في وصف قادة إسرائيل «الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت»، ما يعني في المحصلة توطئة لسهولة القتل بلا عذاب ضمير.
لنترك تحديد الجهة الفاعلة لأصحاب التحليل السياسي، والمثابرين على إطلاق الاتهامات يمنة ويسرة، وكم من السهل أن تنحو نحو «الإخبارية السورية» فتقول إنهم (أي القتلة) «إيران أو الفلول أو داعش»، أو سواها ممن ألصقها فوراً بـ «أعداء الداخل»، من أكراد «قسد»، ودروز الهجري (تصور! أولئك الذين ليس في ثقافتهم الانتحار أو الانغماس أصلاً!)، لنتحدث أولاً عن المناخ الذي أوصلنا إلى هنا، المناخ الذي ينعش أعمالاً كهذه. وبالمناسبة، هذا «الشلف» للاتهامات ليس سوى نوع من تشتيت المسؤولية، وهو بحد ذاته ضرب للسلم الأهلي.
سمعنا، ورأينا الدوس على الرؤوس، حرق صلبان، وحرق شجرة ميلاد، والإذلال المتعمد، من قبيل حلق شوارب شبان من الطائفة الدرزية بشكل مهين (يعرفون سلفاً اعتزاز أبناء الموحدين بشنباتهم)، وكم تمنّينا أن يقول أحد إن تلك الفيديوهات مزيفة.
لا يمكن بالطبع أن تكون حوادث ممنهجة من قبل السلطة، أكيد أن الإدارة السورية الجديدة لم تخطط، ولم تصدر قراراً بهكذا إذلال، إذ لا يمكن أن تطلق النار على نفسها، وهي الساعية إلى شرعية دولية وحقوقية تشترط عليها احترام حقوق الإنسان، والأقليات، والمرأة. لكن في النتيجة التعامل مع هذا الكم الهائل من «الحوادث الفردية» هو مسؤولية السلطة. قبل المحاسبة عليها ألّا تهمل مناخاً يهيئ للتعديات، لكن الحاصل أن السلطة مشغولة بصور «زنوبيا» في المناهج التعليمية، وفي النظر والتمحيص بملابس البحر، وأحوال البارات والفنادق، وتعيين نواب للالتفاف على الوزراء، ومستشارين (اُنظرْ انشغال حاكم مصرف سوريا المركزي بتعيين سامي مبيض، أحد أبرز مؤرخي النظام، مستشاراً لشؤون توثيق تاريخ المصرف. تصوّر! الناس جياع، ولا تلوي على نكلة، فيما الحاكم مشغول بالتأريخ للمصرف!)، واجتراح مبررات لإهمال محاسبة مجرمي النظام السابق.
وبالطبع لا يتعلق الأمر فقط بانتهاك حقوق أقليات، فالتعديات متوفرة أيضاً بحق أبناء الأكثرية (فليسامحني الرب على هكذا اصطلاحات، لم أجد سبيلاً للتحايل عليها)، من حادثة اعتداء عناصر الأمن العام على قاض في حلب أثناء عمله، أو عابر سبيل في مدينة حمص كان مع خطيبته، فالتكفيري، المتشدد، سيرى في أي آخر خنزيراً يستحق الدوس ما دام لا يمشي على هواه، وهو جاهز لابتكار الحجة المناسبة، وإن لم يجد، فالآخر فلول ريثما يثبت العكس، ولن يثبت بالطبع.
قال أحد الشهود إن مرتكب مجزرة «مار إلياس» ما هو إلا داعية سبق له أن جاء الحي في سيارة دعوية، وطُرد منه شرّ طردة. وظاهرة السيارات الدعوية، التي تنادي بشعارات دينية، راجت في أحياء المسيحيين، كمعادل صاخب لجماعة «شهود يهوه»، وهي تعبير طفولي عن «أمل» ساذج للغاية، فمن يتخيل أن أحداً سيبدّل دينه بهذه الطريقة! ثم ماذا يفيد؟ هل يتخيل المؤمنون المثابرون على التبشير أن شيئاً في العالم سيتبدل؟ أو أن التبشير سيقلب الكفة يوماً ما؟

تُرك الإعلام تحت رقابة «الشيخ». لا قوانين إذاً، ولا وزير إعلام، هنالك فقط «إعلام الشيخ»

ثم انظروا أي فعل بغيض يأتيه هذا «المؤمن» عندما يبيح لنفسه قتل مصلين يقفون بين يدي الله، على غرار ما فعل الإرهابي الإسرائيلي باروخ غولدنشتاين حين فتح النار على مصلّي الفجر في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل المحتلة.
لقد أفلتوا كل تلك المظاهر، تُرك السلاح ليسرح ويمرح، ترك اللثام يخفي الوجوه، وتُدوولتْ بكثرة فيديوهات الإهانة والإذلال لمواطنين، أحياناً لأتفه الأسباب، من دون أن يعلن عن محاسبة أو مقاضاة أحد، تُرك الإعلام تحت رقابة «الشيخ»، وقد ظهر عنصر أمن في أحد فيديوهات المجزرة يمنع صحافياً من التصوير مع عبارة «إنْ كان الشيخ يسمح»، لا قوانين إذاً، ولا وزير إعلام، هنالك فقط «إعلام الشيخ».
وقد تبدو بعض الأحياء المحسوبة على الأقليات هادئة وصامتة، لكن ذلك جاء بعد موجات عنف وقتل واعتقال، تحت وطأة الخوف والإذلال. اذهبوا إليها لتروا كم أنها أحياء جريحة، صمتها يائس، ويومياتها أقرب إلى الذهول، بعد تفاؤل هائل بمستقبل واعد. لقد استطاع الملثمون، و»المجموعات والفصائل المنفلتة الغامضة»، إقصاءهم إلى خانة المواطن الملتجئ إلى الحائط، المواطن المراقب، الذي بلا حول، مع أنه المواطن الذي «يخاف اليوم من فشل الإدارة الجديدة أكثر مما يخاف من نجاحها»، والتعبير لكاتب صديق متحدر من أقلية. تعبير يحمل حيرة مأساوية، ربما لن يشعر بها الأكثريّ المنتشي بالنصر، الذي لا يريد أن يسمع صوتاً آخر غير النصر، غير التقدم (بلغة إعلام الأنظمة الاشتراكية)، إن حدثت انتهاكات أو مجازر فلأن الفلول و»داعش» وإيران ما زالوا فالتين، لا لأن الحكومة قصّرت في أي شيء، وكأنها خلقت منزهة عن الخطأ. كما لا يريد أن يسمع صوتاً انتقادياً، فالوقت الآن لبناء حدائق مزهرة في قاسيون، وللحلم ببرج ترامب. مرّروا المجزرة من فم ساكت، وإلا فإنكم تغذون الفتنة، وتخرّبون على السلم الأهلي.
ليس هذا وقت قول الحقيقة بنظر البعض، ليس وقت الانتقاد، لا يريد أحد أن يفهم أن «عدم تسمية الأشياء بأسمائها مساهمة في بؤس العالم»، على ما يقول كاتب فرنسي، وأن قول الحقيقة، مهما كانت قاسية أو جارحة أو لا ترضينا، هو مساهمة في بناء البلاد.

 * كاتب من أسرة «القدس العربي»

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية