أيامكم سعيدة وكل عام وأنتم بخير…
لا بهجة في العالم تساوي بهجة الأم عندما تنظر إلى وليدها وهو يفتح عينيه أول مرة ويرى النور. ورغم أنها لا تعرف ما يخبئ له القدر، ونوع المضمار الذي كُتِب عليه أن يجري على أرضه؛ هل هناك ما ينبئ بأنه مفتوح حتى النهاية، أم تعترضه الموانع بين مسافة وأخرى، وبين حين وآخر. ثم يحضر الأب، ويبصر طفله الصغير يمر بعينيه الضئيلتين على الطيف الأول للوجود: تناقضاته وأشواقه وما فيه من عواطف عارمة وبسيطة ومتوسطة تنتظره، والمخاوف التي عليه مقاومتها، كيف يكون إحساسه واستجابته لما يجري في عصره، رفضه وتمرده، أو استكانته وقبوله بكل شيء.
الأمر الثاني الذي يلاحظه الوالدان باهتمام، يدي الوليد وقدميه، ثم عضوه التناسلي، ذكرا كان أم أنثى. لا يوجد على وجه الأرض أب وأم لا يراودهما الأمل في مستقبل سعيد لطفلهما. لكن ثلاثة أرباع حياتنا، أو أكثر من ذلك، تقررها هذه الأعضاء الخمسة، وتحدد شكل نجمنا بين الأقران. بزوج من اليدين والقدمين، وعضو تناسلي واحد، سوف يجوس العالم هذا المخلوق الضئيل الآن، الجبار في ما بعد، ويذوق مسراته ويتجرع العذابات وأسوأ المخاوف. هل يمكننا، وفق هذا التصور، تعريف الإنسان بأنه كائن يسيرُ على خمس أقدام؟ تحضر هنا قصة الثور المجنح، حارس أبواب مدينة نينوى في بلاد آشور. اسم الثور في الأصل هو «شيدو لاموسو»، من «لامو» التي تعني باللغة السومرية أنثى الجن، مهمتها حماية المدن من الأعداء، ومن الأرواح الشريرة، ثم أُلحق بالاسم ذكرُ الجن بالآشورية «شيدو»، فصار الكائن الخرافي المجنح في الميثولوجيا الرافدينية، يشمل الأنثى والذكر، تسير أو يسير على أقدامه الخمس، تُريد أو يُريد أن يخرق الأرض، وتبلغ ويبلغ السماء طولا. أعطى علماء التاريخ والآثار أقدام شيدو لاموسو الخمس تفسيرات عديدة، وليكن ما توصلتُ إليه هنا رأيا جديدا؛ فالثور يمثل الوجه الإنساني بعمومه، ذكورا وأناثا وبين بين، يقوم الجميع بحراسة الوطن دون استثناء، مثلما يحصل الآن في الجيوش الحديثة. وماذا عن الجناحين على ظهر الثور؟ أعتقد أن وظيفتهما رمزية، لغرض الإيحاء بأن الحارس يستطيع التحليق في السماء، ومطاردة الأعداء والإيقاع بهم.
الفقر والغنى، الشقاء والهناء، المسرات والأوجاع.. إلى آخر التناقضات في حياتنا، تفصل بينها هوة عظيمة نستطيع طفرها بأقدامنا الخمس، وبها أيضا يمكننا بلوغ حافة الغابة وحافة الصحراء وحافة المنحدر الجليدي، وفي كل الأحوال ثمة مخاطر علينا اجتيازها، تدفعنا الهمة ويوجهنا الإقدام والعزيمة، ولا شيء آخر، إن وقفت بالطبع إلى جانبنا آلهة القدر. وفي حال عاكست السفينةَ الرياحُ العاصفة، فلا تفيد الملاح عندها خمس صَوَارٍ أو خمسون أو خمسمئة، شُدت إليها مُتُن الأشرعة.
الجلاد والضحية، الغني والفقير، موفور الصحة والسقيم؛ جميع هؤلاء يُمنحون الحياة التي في النهاية، دائما هي نفسها. صحيح أن الأشخاص الذين ينتمون إلى الفريق الأول – الذين وقفت الآلهة إلى ظهورهم – لهم البِشارة كلها، والنعمة التي تشبه نهرا يجري إلى الأبد، حتى إن نهاياتهم تكون في الغالب سعيدة، وفيها معاني الشرف، لكن في حالات معينة، وحسب الزاوية التي ننظر فيها إلى الوجود، يُحسبُ لأعضاء الفريق الثاني – الذين عاندهم القدر بإصرار – امتيازٌ يُعطيهم الحَظوة بين الناس والمكانة الأمثل، ومن ثَم يستمدون من حرمانهم وفقرهم وعذاباتهم حالة الظفر الإنساني الأرفع، كما أن بعضهم يُرفعون دون مراء إلى درجة القداسة، ويلوح عناء الإنسان عندها صورة من الراحة والسكينة. إن قوانين التعاسة والهناء لدى بني البشر غير معلومة تماما، وعللها غير مترابطة، كما أنهم لا يمتلكون معيارا أمثل للسعادة باقيا أبدا، فهناك من «يسكن في قشرة جوزة، ويعد نفسه ملك السحاب»، على حد قول شكسبير، وهناك من يرتقي بسعي مطرد أعلى نجم في سمائنا؛ ما إن يبلغه حتى يرمي بنفسه إلى الأرض منتحرا مدحورا، لأن «الحظ العظيم يأتينا أحيانا بعبودية عظيمة»، كما يقول الفيلسوف سينيكا. من يوميات كافكا أنقل هذه المفارقة العجيبة، تعزيزا لما ذهبتُ إليه: «إذا كنت أجلس قريبا من البالوعة وتغمرني مياه المطر، أو أجلس في الطابق العلوي تحت أضواء الثريا أحتسي الشمبانيا، فأمر السعادة لا يعود إلى المكان، وإنما إلى الأفكار المزعجة التي تحاصرني هنا أو هناك».
يستطيع المرء ادعاء أي حال وصفة، إلا السعادة، حين تحل علينا تجعلنا أقوياء في الداخل مثل حصاة لا تنكسر، وهذه لا يشبهها شيء ولا يمكن تقليدها. أقوياء ومصقولون بالمناعة ضد التعاسة، وضيق الحال، والجفاف والمرض. ربما لم يرَ المشهد الذي ذكره كافكا أحد منذ أن وُجد العالم، لكننا نمر بمواقفَ مشابهةٍ في كل وقت، وما يقرر حال المرء في الأخير من رغد في العيش، أو كدر وسقم هو ما يمكن أن ندعوه «قانون الصدفة»، الذي يتحكم فينا ويوجه مصائرنا؛ نحن الذين لا نعرف، ما هي الوجهة الأصح! حتى إن الجميع يعدون أنفسهم إعدادا جيدا طوال الوقت، بمعونة أقدامهم الخمس بالطبع، كي تكون لهم مناعة حقيقية وفعالة ضد مفاجآت الصدفة وألاعيبها. هنالك قُوى خفية حتما تدبر ارتطاما يؤدي بحياة المرء إلى أن لا تسير وفق النواميس الاعتيادية في عرض الأيام، وتخضع بدلا من ذلك إلى قانون الصدفة، الذي هو اللاقانون، أو القانون الضد. ورغم الفوضى الناتجة، تبقى الحياة في جميع أحوالها، رائعة لأنها فرصتنا الوحيدة على سطح الكوكب، سواء صاغها القانون الطبيعي، أو اللا قانون. رائعة وسعيدة مثل حلُم سعيد، وعلينا أن نمتلئ بها مثل قنينة تُغطس في الماء، بل إن بعضا من الحياة التي يصوغها القانون الضد، أي الصدفة، ربما تفوقت على الحياة المستقرة والهانئة التي تجري على منوال واحد، مثل قطار يسير على سكة، وهذا كلهُ ليس إنسانيا فحسب، وإنما جميل أيضا.
قلةٌ هي العوائل – أو إنها نادرة جدا، إلى حد يمكننا الاحتفاظ بأثاثها وحاجاتها الشخصية في خانة في بهو متحف – لا يكون لواحد أو أكثر من أفرادها، حظ أن يلف خط سير حياته نظام الفوضى، أي قانون الصدفة، ويقلبه فجأة، ودون سابق إنذار من حال إلى حال؛ من أعلى إلى أسفل أو بالعكس. عندما تتقاطع أقدامنا الخمس مع قوى القدر الجبارة، يكون النزال غير متكافئ بالمرة، يشبه الصراع بين أرجل صرصار كافكا وأجنحته، مع العاصفة الرعدية التي تغلق عليه سماء الغابة السوداء بالعتمة.
إن حياتنا على سطح الكوكب، يكتنفها الغموض أكثر مما نعرفه عنها. فلا يمر يوم دون أن يظهر إلى السطح شيء جديد يغمرنا بالسرور أو الحزن، ومع هذا تبدو جميع الأيام متشابهة، شروقا وغروبا وليلا، وتستمر الأرض في دورانها البطيء، ويغدو الأمس واليوم والغد كأنه يوم واحد. لكن الساعة محكومة بالقدر، وواعدة بما تأتي به الصدفة، وتحل فجأة زوبعة تعصف بهذا المجرى الهادئ للزمن، كما لو أن سيلا انحدر من جهة بعيدة، في الزمان والمكان، وسوف يشل هذا التيار الغاضب أقدام شيدو لامو الخمس، فيغرق سريعا مثل كتلة من الحجارة الثقيلة، وتبتلعه الأعماق.
أين مضى زمانك يا ابن آدم؟ لقد تمكنت منك موجة عابثة كنت تستطيع دفعها، في أيام سعدك وزهْوك وعزك، برجفة أو رعشة من إصبع صغير في أقدامك الخمس!
كاتب عراقي