استعارة كونية الزمن

الاستعارات قد تكون كونية، أو على الأقل تعرفها شعوب كثيرة، ويعرف متعددو اللغات والتراجمة هذا الأمر حين يبحثون في اللغة الهدف عن العناصر الاستعارية المشتركة، التي تحافظ على استعارات اللغة المصدر. فمن الاستعارات المتواترة في هذه الثقافة أو تلك كثير من الاستعارات التي يسميها العرفانيون الاستعارات الاتجاهية، تلك التي يقترض فيها المتكلم اتجاهات للتعبير عن التصورات المجرّدة من نوع [السعادة فوق] و[الشقاء تحت] في قولهم (أنا في قمة السعادة) أو(هو في الدرك الأسفل من العناء).
وفي اللغة الإنكليزية يقال «I’m feeling up» في مقابل He’s feeling down ومن هذه الاستعارات الكونية [المعرفة نور] في قولنا بالعربية (ألقى الكاتب الضوء على هذا الرأي). وفي الإنكليزية «She shed light on the issue» ومنها أيضا استعارة [العاطفة حرارة] مثل قولنا (لاقاني ببرود)، أو (غمرني بدفئه العاطفي). وفي الإنكليزية Their relationship is warm. ومن الاستعارات الكونية أيضا [الحياة رحلة] في قولنا بالعربية تقاطعت طرقاتنا وبالإنكليزية We’re at a crossroads. هذا الالتقاء بين اللغتين العربية والإنكليزية في هذه الأشكال الاستعارية، يمكن أن يكون عيّنة عن كونية الاستعارات.
الاستعارات الكونية هي استعارات مشتركة بين معظم الثقافات، لأنّها من الناحية الإدراكية تنبع من تجارب تتقاسمها شعوب مختلفة، هيأت لظهورها عناصر ثقافية متشابهة. لكن لماذا تعد هذه الاستعارات «كونية»؟ كثيرة هي العوامل المؤدّية إلى هذه الكونية، سنركّز في ما يأتي على العناصر الإدراكية، أو العرفانية منها. من ذلك أن الوعي بالجسم البشري يمكن أن يكون اتفاقيّا، لأنّ بنية الجسد الأساسية متقاسمة بين كل البشر، إذ هم يتحركون متأثرين مثلا بقانون الجاذبية نفسه، ويشعرون بالحرارة والبرودة، ويرون الضوء والظلام وغير ذلك من العناصر الإدراكية المشتركة. للبشر خبرات أولية مشتركة مثل الإحساس بالمكان، والحركة، والزمان، والانفعالات الجسدية أو الروحية كل هذه العناصر هي التي تفسّر وجود استعارات متشابهة في لغات مختلفة، وتظل متشابهة إن نحن لم نركّز طبعا على طرائق التعبير عنها.
سنركز على استعارة كونية مهمّة وعميقة وعابرة للثقافات هي [الزمن نسيج] ومن أمثلته بالعربية قولنا مثلا (لاحت خيوط الفجر)، أو (انقطع خيط العمر) أو (نسجت لها الأيام خيوطًا من الأمل). فيستعار الخيط بما هو مادّة النسيج الأولى للفجر أو للأيام، أو لغيرهما من عناصر الزمن الطبيعية للتعبير عن تمثّل الزمن على أنّه نسيج ملوّن يمكن أن ينماز فيه اللون الواضح من اللون الداكن، أو على أنّ فيه من المتانة أو الهلهلة ما في النسيج إذ يمكن أن يلتئم، أو ينقطع مثلما ينقطع كلّ نسيج، وما الحياة في إدراكنا لها إلاّ حال من حالين: المتانة والاستمرار والقوة وهي عنوان لكل حياة أو الانقطاع وهي عنوان النهاية والموت.
استعارة الزمن نسيج، تُعدّ من الاستعارات الكونية لأنها تنبع من تجربة حسية مشتركة للبشر جميعا: نحن جميعا نتعامل مع الأقمشة، نلمسها، نراها تُنسَج خيطًا بخيط، ثم تُطوى أو تُقصّ، أو تُرقّع وهذه التجربة المادية توفّر بنية تصورية جاهزة نسقطها على مفاهيم تجريدية مثل الزمن، الذي لا يمكن لمسه أو رؤيته، لكن يمكننا تخيّله على أنّه نسيج تلتئم أجزاؤه، أو ينقطع سداه فجأة أو بالتدريج فأعمارنا ندركها وهي قابلة، لأن تبلى يوما بعد يوم، بعد أن تنسج لحظة بلحظة.
النسيج تجربة بدوية لأنّ البيوت والمنازل التي تبني اليوم بالطوب والحجر كانت تبنى قديما بالخيوط والحياكة والنسيج. حين يبني المرء خيمته وينسجها يعرف ولا شكّ حكاية السدى ونسج الخيوط خيطا خيطا. والحضري حين ينسج الكسوة بالخيوط العادية أو الرفيعة، يعلم جيدا كيف تلتئم في حبكة وعلى هيئة معينة ما تفتأ تكبر وتتراكب. إنّنا بهذه التجربة يمكن أن ندرك أنّ الزمان وعاء كالخيمة يحوينا وهو لباس لكنّه يتلبّس بنا ولا يمكن أن ننزعه لأنّنا حين نفعل نكون قد انتهينا.
لكنّ هناك وعيا أساسيا هو الذي في رأينا جعل هذه الاستعارة تلتئم، هي استرسال الزمان في شكل خيط قبل أن يكون في شكل خطّ. (الزمان خطّا) استعارة متولّدة من (الزمان خيطا) لأنّ هذه استعارة محسوسة ملموسة، وتلك استعارة مجرّدة أو خطاطية. حتى تعلم الخطّ لا بدّ أن تراه ممثلا في الأشياء ومن بينها الخيط. يبدأ التجريد بما هو عملية خطاطية تمّحي فيها تفاصيل العناصر المتشابهة بأن يستعير الذهن أشياء ملموسة؛ ففكرة الاسترسال التي هي سمة من سمات الزمان الأساسية فكرة خطاطية لا يمكن أن يصل إليها الجسد من دون استعارة: كيف يفهم المرء قضية أنّ الزمان مسترسل، وأنّه نقاط متصلة إن لم يتمثّل بشكل مجرّد الأشياء القريبة من تصوّره عنها؟ الخيط وما فيه من اتصال وتماسك وترابط هو الصورة الاستعارية المثلى لذلك الاسترسال، لكنّ الخيط يمكن أن يكون وحدة مثلما الساعة من الزمن تكون وحدة لغيرها هي اليوم، ويكون اليوم وحدة للسنة وهكذا دواليك. كذلك الشأن بالنسبة إلى النسيج يكون الخيط وحدته، ولكنّ هناك نظما يلحم السدى مثلما تلتحم عناصر الزمان ووحداته لتؤلف الوقت.
النسيج فعل متدرّج في الزمن: الخيوط تُنسَج خيطا خيطا، وهذا يشبه مرور الزمن لحظة بلحظة، والنسيج يُطوى كما تُطوى صفحات الماضي. وتكرار الخيوط يشبه تكرار الأيام: الزمن يُرى كشيء خطي ومنتظم. النسيج قد يُمزَّق أو يُرقَّع كما تُرى حياة الإنسان أو ماضيه أو مستقبله، ظهرت هذه الاستعارة في لغات وثقافات مختلفة.
في القرآن نجد هذه الاستعارة في قوله تعالى : (وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) [البقرة: 187]. اندرجت في استعارة أوسع هي (البشر نسيج) في قوله تعالى في الآية نفسها ( أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ).. إنّ العلاقة بين البشر بما هي نسيج والزمن بما هو نسيج، هي علاقة سياقية تبدو لنا وكأنّها استرسال لاستعمال الاستعارة نفسها في سياقين مختلفين، لكنّها يمكن أن تكون استعارة جامعة أو خطاطية تجعل الخلق (بشرا ) والوعاء (الزمان ) جميعا أنسجة من سدى مختلف وراءه الناسج الإله الذي يحيك الخيوط فيقرب بين البشر ويجعل من الزمن وحدة مسترسلة، ووعاء يحيط بالبشر المخلوقين. تلتقي الاستعارتان الزمانية والبشرية في هذه الآية التقاء مفيدا يتمثل في التداخل بين الأجساد حين الإفطار، وانفصالها حين الصوم. أن تلبس المرأة زوجها وأن يلبسها فهذا معنى من معاني استعارة النسيج يصبّ في معنى الملابسة، أو الاقتراب إلى حدّ التمازج؛ ولكنّ تبيّن الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل هو ضرب من الإدراك يقترن بترك ملابسة غيره، والإقبال على ملامسة روحه. إنّنا لا نريد أن نذهب أكثر في تحليل استعارة النسيج في القرآن التي تركّز على أنّ الجسد هو في أصله نسيج مميز، لكن ليس بالمعنى الاستعاريّ للنسيج، بل بالمعنى الحقيقي له الذي يعني خلق الروح وتلبيسها جسدا.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية