لم يشعر الأردنيون من قبل بما شعروا به ليلة الخميس الماضي، فهذه المرة الأولى التي يتأهل فيها الأردن الى نهائيات كأس العالم لكرة القدم، بعدما حجز بطاقته بالتأهل المباشر بعد فوزه على عمان في مسقط بثلاثية نظيفة، تصادفت مع خسارة غريمه على البطاقة الثانية المنتخب العراقي، الذي سقط أمام المتأهل الأول كوريا الجنوبية، والأجمل أن التأهل جاء عشية العيد الأضحى المبارك، وكأن العيد أصبح اثنين.
ليس مستغربا أن تحتفل كل البلاد بهذا الانجاز، وعلى رأسهم الملك عبدالله الثاني، الذي شاهد المباراة من مبنى سفارة الأردن في لندن، فيكفي النشامى فخراً أنهم اصبحوا أول منتخب عربي من القارة الآسيوية يتأهل الى مونديال 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وأول منتخب من شرق القارة يتأهل، بعدما اعتاد ان يكون في الصف الثالث والثاني، خصوصا بعد اخفاق المنتخبات الأكثر تجهيزا تاريخيا، والتي عادة تحظى بتسهيلات وتجهيزات ومدربين أجانب من أعلى عيار، خصوصا الخليجية منها، فتخطى الأردن منتخبات مثل السعودية التي تنتظر فرصة أخيرة بمواجهة استراليا في المباراة الأخيرة، حيث المطلوب منها الفوز بخمسة أهداف نظيفة كي تضمن التأهل المباشر، فيما اكتفت قطر والامارات بالملحق عبر الحلول في المركزين الثالث والرابع في المجموعة الأولى، وحتى منتخب العراق الذي كانت حظوظ ترشيحه في التأهل المباشر أكبر بكثير من الأردن، سيكتفي بخوض الملحق الفاصل، علما أن المنتخب الفلسطيني الذي يعيش شعبه ويلات نكبة جديدة، لعب دوراً محورياً في تأهيل شقيقه الأردني، بالفوز على المنتخب العراقي في الجولة الماضية، ليتسع فارق النقاط الى أربعة بين النشامى وأسود الرافدين، ما أنقذ الأردنيين من خوض مباراة أخيرة طاحنة أمام المنتخب العراقي في عمان، كان سيكون الفائز فيها هو المتأهل مباشرة الى النهائيات.
طبعاً هناك أبطال حقيقيون للقصة الأردنية، وأبرزهم نجوم الفريق على علوان صاحب ثلاثية الفوز على عمان، وموسى التعمري أشهر لاعب كرة قدم في تاريخ المملكة، كونه أول أردني يلعب في احدى البطولات الخمس الكبرى في أوروبا مع رين في الدوري الفرنسي، ويزن العرب ويزن النعيمات، وغيرهم من النشامى والأبطال.
الآن يتبقى هناك أكثر من سنة كي يستعد الأردن لمشاركته المونديالية الأولى، ولكن يا خوفي أن يفعل المسؤولون ما يفعلونه عادة من محاولة التغيير في ادارة الفريق، والتدخل في شؤون دينامكيته، على غرار ما يفعلونه عادة كلما اقتربوا من انجاز كبير، ففي العام 2013، وخلال التصفيات لنهائيات كأس العالم 2014 في البرازيل، نجح المنتخب الأردني في التأهل الى الملحق الفاصل مع المدرب العراقي عدنان حمد، لكن قبل بدء منافسات الملحق أقيل حمد من منصبه وعين مكانه المصري حسام حسن، الذي نجح في قيادة النشامى الى الفوز على أوزبكستان في الملحق الآسيوي، لكنه خسر بخماسية في ذهاب الملحق العالمي أمام أوروغواي، قبل أن يتعادل معه سلبا في الاياب.
وقبلها تكرر الأمر محدداً مع منتخب الشبابـ الذي رافقته شخصياً في نهائيات كأس آسيا للشباب في الهند، حيث كان الجميع فاقد الأمل منه، الى درجة أن الأردن لم ترسل معه أي صحفي لتغطية أحداث النهائيات، لكن حدثت المفاجأة وتأهل الى الدور قبل النهائي، حيث ضمن المشاركة في نهائيت كأس العالم، ولم يتفوق عليه سوى الكوريتين الشمالية (البطلة) والجنوبية واليايان، لكن الاتحاد الاردني سرعان ما استعان بمدرب أجنبي لخوض المونديال، وكأن من نجح في تحقيق هذا الانجاز غير محسوب ضمن النخبة.
واليوم نجح المدرب المغربي جمال السلامي في تحقيق هذا الانجاز مع المنتخب الأردني، بعدما تسلم الدفة من مواطنه الحسين عموته الذي نجح في قيادته الى المباراة النهائية لكأس آسيا 2023 لأول مرة في تاريخه، فهل سيفكر المسؤولون بمدرب أجنبي في الشهور المقبلة لقيادة النشامى في النهائيات الأمريكية؟
لكن الأهم اليوم أن عيد الأردن أصبح عيدين، خصوصا أنه أول منتخب عربي يتأهل الى نهائيات مونديال 2026، وهو يعكس مدى النطور الهائل للفريق، رغم أن لاعبا واحدا فقط يحترف في القارة الاوروبية، فيما يلعب بقية نجوم الفريق في فرق القارة الآسيوية، وغالبيتهم في الدوري الأردني، وليس بينهم مجنسون لأهداف كروية، وهو اللغز الذي ربما أصاب البعض بحيرة من سر نجاح النشامى في التأهل، خصوصا أنه تقليديا من المنتخبات غير المرشحة والمغمورة، وربما الروح والعزيمة أحد أهم هذه الأسباب.