خارج المدينة: هل يجب أن نأخذ أيديولوجيا الآخرين على محمل الجد؟

يمكن اعتبار «البراغماتية» واحدةً من المفردات الكثيرة، التي يُساء استخدامها في الثقافة السياسية العربية المعاصرة، ويصعب فهم المقصود بها. إذ يبدو أن مستخدميها يعنون غالباً النفعيّة المطلقة، التي لا تتورّع عن الكذب والخداع، في التعاطي مع المبادئ والسلطة السياسة، إلى درجة أن «البراغماتي»، حسب هذا التصور، هو شخص بلا مبدأ أو عقيدة أو أيديولوجيا، وإنما مجرد طالب سلطة، أو باحث عن مصلحة، دون أي غاية سياسية أو أخلاقية، ولكنه يحتال على الآخرين ببعض الكلام والشعارات العاطفية، سواء كانت وطنية أو دينية أو أخلاقية. بالطبع، لا علاقة لهذا بأي مفهوم للبراغماتية، وهي بالنهاية فلسفة معقدة، ونظرية في المعرفة، ومنهج في النقد، سواء تعلق الأمر بالافتراضات الميتافيزيقية أو التجريبيّة، أو التعاطي مع اللغة وظواهر الوعي، وبالتأكيد لم يكن البراغماتيون يوماً مجرد محتالين بلا مبدأ أو أخلاق.
ربما المقصود بالمفردة سياسياً هو «الميكافيلية»، نسبةً للفيلسوف السياسي الإيطالي نيكولو ميكافيلي، الذي اختُزلت فلسفته طويلاً بعبارات مبسّطة وغير دقيقة، مثل «الغاية تبرر الوسيلة»، إلا أن النظرية السياسية تجاوزت منذ زمن طويل اعتبار الميكافيلية رديفاً لانعدام القيم والمبادئ، أو اعتلالاً نفسياً، وبيّنت ما تحتويه نظريات ميكافيلي من جوانب أيديولوجية وأخلاقية ووطنيّة، ودوره في علمنة التفكير بالمجال السياسي، وفصله منهجياً عن مجالات أخرى، مثل الدين والأخلاق، ما يجعله أحد أهم مؤسسي العلوم السياسية، والفكر الحديث برمته، ولكن دون أن يعني هذا الفصل المنهجي أن بإمكان السياسة أن تكون خالية من الأخلاق والدين والتصورات الماورائية. إذ كيف بإمكاننا أن نفهم «الغاية» و»الوسيلة» أصلاً، ونُعرِّف «المنفعة»، دون مفاهيم متكاملة عن الذات، الفردية والجماعية، وتشكّلها ووجودها، وموقعها في العالم، وتجاه الآخر؛ وطرق اكتسابها للمعرفة، وإيصالها وتداولها، وتحديدها لمعنى «الحقيقة»؟
ربما لا يكون المقصود بـ»البراغماتية» أو «الميكافيلية» في التداول العربي الحالي أكثر من «الشطارة» و»الفهلوة»، وغيرها من التعبيرات الدارجة، التي تعبّر عن الخبث والتذاكي والجري وراء المنافع الصغيرة، دون تصوّر عام متماسك عن المنفعة. وهذه ليست تعبيرات سياسية أصلاً، ولا علاقة له بأي أداء سياسي ناجح أو فاشل، بل أقرب لتصورات عاميّة عن العالم، قد تنفع في سوق أو بازار صغير في بلدة هامشية ما، ولكنها لا تنتمي إلى عالم «المجتمع المدني»، بما فيه من فئات متعددة، مستقلة نسبياً، وقادرة على مراكمة الثروة وتداولها، والتدخل في سياسات المدينة وأخلاقياتها، وتأييد القوة صاحبة السلطة أو معارضتها بشكل فعلي. في البازار الصغير لا يوجد معارضون، أو حتى مؤيدون، وإنما مجرد حشد سلبي، يمارس «الشطارة» في أي ظرف، ومع أي حاكم.
يتعاطى «المتشاطرون» اليوم، إن صح التعبير، مع مسائل السياسة والأيديولوجيا والأخلاق، بما يظنون أنه «براغماتية»، ويعتبرون غالباً أنه لا توجد مبادئ أو عقائد أو أنماط من المعرفة، في ما يرونه من أداءات سياسية واجتماعية، ويصرّحون بأنهم في موقع متجاوز للأيديولوجيا، ولذلك يؤكدون أن السياسي الجيد، أو الفاعل المؤثّر في الحيز العام، هو «المتشاطر» مثلهم، وغالباً ما تنتهي تلك التصورات بخيبات أمل، أو بكوارث اجتماعية مروّعة، وتدمير شامل لما تبقى من مدنيّة، مع انحدار متسارع إلى الهمجيّة، ما يدفع للتساؤل بجديّة: هل «براغماتية» المتشاطرين العاميّة ممكنة فعلاً؟ ألا يجب أن نأخذ الظواهر السياسية والاجتماعية التي نراها بجديّة أكبر مما يتطلبه التذاكي الدارج، الذي لا يمكن وصفه إلا بالرخيص؟

شبكات فاشلة

ربما لا يمكن فهم التعاطي الدارج مع مسائل العقيدة والأيديولوجيا والأداء السياسي، إلا بالإحالة إلى الشبكات الاجتماعية التي ينتشر فيها هذا النمط من التفكير والتعبير، وهي ليست بالضرورة مجموعات من المتسوقين والباعة والمضاربين في بازار ريفي هامشي، بل فئات متعددة الظروف، ولكن ما يجمع بينها هو ضعف استقلاليتها على كل الصعد، وارتباطها بعلاقات تبعيّة وولاء، تسمح بتوزيع النفوذ والمنافع، بناءً على التشابه في الهوية، والقرب أو البعد من شخصية متنفّذة ما. لا يوجد في هذا السياق اهتمام كبير بمسائل مثل الكفاءة، أو النتيجة القابلة للقياس المجرّد، أو المعايير الناظمة، وإنما يصير استمرار شبكة التبعية والولاء هو الغاية، بغض النظر عمّا تنتجه من قيم، سواء كانت مادية أو معنوية. تصبح أي سياسة هنا طريقةً لتأكيد الهوية، ونصرتها، ولكن ليس الهوية بالمعنى السياسي الحديث، أي تشكيلاً نظرياً متسقاً لذات جماعية، تمتلك منظوراً وسرداً متكاملاً عن الحق والمصلحة العامة والقانون والتاريخ، وإنما بمعنى الارتباط بمجموعة، تُؤمّن تماسكها تحت ضغط تهديد وجودي، أو «مظلومية»، أو منظومة معيّنة لمنح العوائد والريوع، من الأقرب إلى الأكثر بعداً، وهذا يجعل تلك الهويات أقرب لعُصب منها إلى ذوات، بل أن العُصبة تعيق تشكيل المفهوم المستقل عن الذات.
يتجسّد كل هذا أيضاً في الأداء اللغوي، إذ أن عقلية البازار، بعصبها الولائية التابعة، التي لا مكان فيها لاستقلالية، وتستنكر حتى التعبير عنها، تميل إلى العبارات غير محددة المعاني، ومتعددة الرسائل، والمتلاعبة بالدلالات، التي تُظهر عكس ما تبطن، وتنزع للدخول في مساومات غير محددة الأطر. يبدو هذا الأداء غشّاشاً بشكل بنيوي، كبائع لا يفهم التجارة إلا بوصفها نوعاً من التشاطر على زبائنه، بعيداً عن أي إطار مقونن، يبني الموثوقية.
سبق لنقّاد أدبيين حداثيين، مثل رولان بارت، اعتبار «الوضوح» نوعاً من القمع البورجوازي، إذ أن المدونات القانونية، والخطابات السلطوية المُعَلمَنة، الموجّهة للعموم، يجب أن تُكتب بلغة مُنتجة لدلالة شديدة التحديد، مهما بلغ تعقيدها، لكي تضبط حدود «الحق»، الذي بات أشبه بملكيات خاصة مسوّرة، قابلة للتداول، وقد انعكس هذا على فنون وآداب العصور البورجوازية الكلاسيكية، دون أن يعني انعدام إمكانية الغش والتلاعب، فالفساد كان وما يزال جانباً أساسياً من كل اقتصاد إنساني، فما بالك بالاقتصاد الرأسمالي، إلا أن الوضوح البورجوازي كان أساساً حقوقياً معيارياً للذات، مكّن من التنافس والتفاوض والتقاضي والمطالبة بالحقوق، أما قمعيته فموجّهة، كما يُفترض، إلى الطبقات الأدنى، التي أُجبرت على الاندماج في العالم البورجوازي، والتعرّض لاستغلاله، على أسس تعاقدية «واضحة»، ولكن غير عادلة، ومبنية على علاقات قوّة مختلّة. وكان التمرّد ضد «الوضوح» نوعاً من فضح هذا الاختلال، وتفكيك توازنه الزائف، وتبيان تعددية العوالم والمعاني، التي أقصاها وهمّشها «وضوح» العالم البورجوازي.
لا شيء من هذا التمرّد، الحداثي جداً، في عقلية البازار الموصوفة أعلاه، إذ لا مفهوم متطور عن «العدالة» أصلاً، بل أنماطٌ من الثأرية والحسد والتشفّي، وكل هذا يشير في نهاية المطاف إلى شبكات فاشلة: فاشلة في إنتاج الثروة، ومراكمتها، واستثمارها وتداولها، وأميل إلى التعيّش من موارد وريوع غير مستدامة، ما يجعل اقتصاد الظل، والمساعدات والمنح، وإقطاعيات الحرب، هم الشكل الأمثل لنشاط تلك الشبكات؛ وفاشلة في إنتاج الأفكار والقيم وتقاليد التحضّر، والمفاهيم الحقوقية والسياسية عن الذات. يبقى معظم المرتبطين بهذه الشبكات في حالة من الفقر المادي، والرثاثة الاجتماعية والقيميّة، فيما قد يثرى بعض الأفراد، من القادة ومحاسيبهم وأقربائهم، وهذا قد يكون مدمراً للجماعة الولائية برمتها، على المدى المتوسط والبعيد.
في كل الأحوال، ليست «الشطارة»، رغم تلاعبها وعدم وضوحها ورفضها للذاتية المستقلة، بعيدة عن العقائد والأيديولوجيات، فكل ما في الجماعة أو العصبة الولائية مبني على منظور معيّن للعالم، تشتق منه معناها الخاص للمنفعة، وهو مختلف كثيراً عن المعنى الفلسفي لـ»البراغماتية»، بل ربما مناقض له، لأنه أساساً غير قادر على نقد وتحليل أسسه الماورائية، ومصادراته المؤسِّسة. ما يدفع للتساؤل عن تلك الأيديولوجيا المتشاطرة، التي تدّعي أنها غير أيديولوجيّة.

العجز عن التجريد

لا يمكن لأي مجموعة أن تتأسس وتوجد، إلا بافتراضات معيّنة عن نفسها وعن العالم، ونظام رمزي ما، وربما ما يميّز «المجتمع المدني»، بغض النظر عن دقّة هذا المصطلح، أنه يدعم نشوء الذوات الأقرب للاستقلالية، ما يتيح مجالاً لنقد الافتراضات المُؤسِّسة والأنظمة الرمزية؛ ويؤمن قنوات للتداول اللغوي، وللنزاع الاجتماعي، أقرب للسلميّة. وبهذا تصبح الأيديولوجيات، ونقدها، تكوينات فكرية ولغوية واضحة المعالم، وقابلة للتحليل، وتزداد قدرة الأفراد والمجموعات على تجريد الأنظمة والبنى والأنساق الاجتماعية المحيطة بهم، والتعاطي معها بوصفها منتجات مدنيّة، قابلة للتعديل والتفاوض، وليس حقائق طبيعة أو عضوية لا رادّ لها، خاصة أنهم يعيشون في ظل أنظمة قانونية وبيروقراطية ومؤسساتية واضحة الاصطناع، تقوم وظائفها وإجراءاتها على التجريد، وتحييد الجانب الشخصي قدر الإمكان.
فيما لا تدعم البنى الأبوية التقليدية، والعُصب الولائية المُحدثة، التي أعيد إنتاجها بالعلاقة مع أجهزة الدول والسلطات، ومصادر تلقي المنح والمساعدات، تلك القدرة على التجريد، إذ لا يرى الأفراد والمجموعات إلا وقائع مُفردة، لا يستطيعون إدراك بنيتها، وفصلها عن تجسّداتها العينية، الملموسة والمشخصنة، ويصير الجهد الفكري والعملي الأساسي هو التشاطر في التعامل مع تلك الوقائع، وهو حتماً تشاطر ضيق الأفق، وضعيف الفعالية، وغير قادر على النقد والتغيير، لأنه عاجز عن فهم الكلّي والمنظوماتي فيما يعايشه، وبالتالي إدراك حدوده، وإمكانية تجاوزه وتغييره. تبقى الأيديولوجيا، في هذا النوع من المجتمعات، أمراً مُمارساً وملموساً، ولكن دون قدرة كبيرة على الوعي به، وإعادة تشكيله، نظراً للعجز عن التجريد.
قد يمكّننا هذا من تفسير التعاطي المعاصر مع مختلف المفاهيم، بما في ذلك أكثرها التصاقاً بالحياة اليومية للبشر في منطقتنا، مثل «الإسلامية» و»العلمانية» وغيرها. عملياً يزداد الجميع رثاثة، أياً كانت توجهاتهم، مع الانحدار المتزايد للمدنيّة، وخراب أو اضمحلال الحواضر الأساسية. ربما لم يعد لدينا إسلاميون وعلمانيون، أو يمينيون ويساريون، حتى بالمعايير القديمة، بل مجرّد عُصب تتعاطى مع التكوينات الفكريّة والمعتقدية والرمزية، المؤسِّسة لعالمها، بشكل شديد الرثاثة، وبمزيج من الانفعالية و»الفهلوة»، التي يصعب إدراك تحولاتها ونتائجها.
بالطبع، يجب أن تؤخذ تلك الأيديولوجيات الرثة على محمل الجد، حتى لو كانت قائمة على التشاطر بأكثر صوره ابتذالاً؛ والاستماع إلى قول حامليها، حتى لو بدا أقرب للهلوسة والتناقض؛ وصولاً إلى السعي إلى تجريد بناها، وذلك لأنها قاتلة في كثير من الأحيان، وفهمها بشكل جدي قد يكون طريقة للنجاة، ربما أكثر من كونه سعياً للتغيير.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية