الصبر موال مصري لا يزال يتردد على أرض مصر، يتقنه المصري ويجيده ويمارسه منذ القدم، فهو مطمئن للزمان والمكان مهما اشتدت حوادث الدهر، مستقر في أرضه على ضفاف النيل. شديد الإيمان أياً كان دينه، وحتى قبل ظهور الأديان منذ عصور الفراعنة كان المصري يؤمن بالإله، ويدرك أن الدنيا ليست عبثاً أو فراغاً خاوياً، وأنه لا بد من آخرة وحساب، وميزان يوزن فيه القلب، الذي يجب أن يكون أخف من ريشة. ودفاع يلقيه أمام محكمة الموت ليبرئ نفسه من الأفعال السيئة في الحياة الدنيا. فكان يقول إنه لم يلوث ماء النهر، ولم ينظر إلى امرأة جاره، ولم يصنع دمعة في عين مخلوق، ولم يكن قاتلاً أو سارقاً، أو متباهياً أو عبوساً، ويمضي في دفاعه حتى تقر المحكمة بصدقه فيخرج إلى النهار وينعم بالفردوس ويحيا في الأزل.
الصبر ثيمة رئيسية
اللافت أنه من بين بنود الدفاع أمام محكمة الموت، كان المصري القديم يقول إنه كان صابراً، كان الصبر إذن وسيلة عيش في الدنيا، وسبيل نجاة في الآخرة عند أجدادنا القدماء. كان المصري القديم في مصر الفرعونية صبوراً بالفطرة أو بحكم الطبيعة التي يعيش بين جنباتها، فالفلاح كانت حياته ما بين انتظار وصبر على زرع أو حصاد، والفنان كان يمارس الصبر الطويل وهو يحفر الجمال في ذاكرة العالم، عندما يرسم لوحاته ونقوشه على جدران معبد أو مقبرة، أو عندما ينحت تمثالاً ضخماً هائلاً يكاد ينطق ويخبرنا بالكثير، ولا شك في أن البنّاء المصري القديم اختبر أقصى درجات الصبر، وهو يشيد المعجزات من أهرامات ومسلات ومعابد، كما صبر المصري القديم على فراعنة طال طغيانهم بعض الأنبياء.
لما كان الصبر ثيمة رئيسية في حياة المصري، كان من الطبيعي أن تحتضن المخيلة المصرية العامة قصة النبي أيوب عليه السلام، التي وردت في القرآن الكريم والكتاب المقدس. أيوب هو المثل الأعلى في الصبر كما هو معروف، وعند لحظات الشدة الثقيلة يقول الناس «يا صبر أيوب». وهو صاحب الدعاء المذكور في القرآن الكريم: «وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين». القصة معروفة لدى الجميع ولها أركانها الأساسية الثابتة، رغم الاختلافات القليلة بين الرواية الواردة في القرآن الكريم، في بعض الآيات، والرواية المسيحية الواردة في سفر أيوب في العهد القديم من الكتاب المقدس. الأساس في القصة بشكل عام هو مرض أيوب وصبره الطويل الممتد على المعاناة والألم، سواء كان هذا المرض ابتلاءً واختباراً من الله عز وجل، أو كان حسداً من الشيطان. يقال إن مرض أيوب كان مرضاً جلدياً كاد أن يذيب جسده، وإن هذا المرض كان مخيفاً ومنفراً لمن حوله، فتخلى عنه الجميع ولم يصبر على صحبته سوى زوجته الوفية المخلصة الصبورة أيضاً، واستمرت رحلتهما في الصبر لسنوات طوال إلى أن أنعم الله على أيوب بالشفاء.
زكريا الحجاوي.. جامع التراث
من الرواية القرآنية ورواية العهد القديم وأطياف بعيدة من أسطورة إيزيس، تكونت الأسطورة الشعبية المصرية المعروفة باسم أيوب المصري، تلك الأسطورة التي تروى وتسرد غناءً كحكايات السيرة الهلالية وغيرها من القصص والأساطير. يمثل هذا التراث الفني إبداعاً شعبياً من عمق الثقافة المصرية، كان يتداول شفاهياً ويغنى في الأرياف والقرى والنجوع، وهو إبداع لا ينسب إلى شخص بعينه، لكن الفضل في جمعه وتحقيقه وتسجيله ووصوله إلى الجميع في قلب القاهرة، ينسب بكل تأكيد إلى الكاتب الراحل زكريا الحجاوي، ذلك الباحث الكبير في فولكلور مصر وتراثها الفني الشعبي، الذي قام وحده بما لم تقم به هيئات ومؤسسات، وجاب أقطار مصر من شمالها إلى جنوبها، وغاص في أريافها ليستخرج كنوزاً فنية كانت مدفونة، أو لم تكن تبارح مكانها على الأقل. كتب عنها زكريا الحجاوي ليطلع عليها القراء، وأعدها للتقديم في الإذاعة والتلفزيون، وأتاح لهذا النوع المصري من الفنون مكانه المستحق تحت الأضواء، وجعل من الفنانين الشعبيين نجوماً مشهورين إلى اليوم، بعد أن كانوا على الهامش في أماكنهم البعيدة عن القاهرة المركز والقلب الفني لمصر. كان زكريا الحجاوي شديد الإيمان بأهمية الفن الشعبي النابع من أعماق الأرض المصرية، وكم كان بارعاً في تناول وتحليل هذا الفن وشرح قواعد وتراكيب المخيلة الشعبية المصرية، وأساليبها المختلفة في التعبير، والاشتقاقات اللغوية الخاصة بها، وطريقة صياغة الجمل التي تميز كل لهجة عن غيرها من اللهجات المحلية في مناطق مصر. كان زكريا الحجاوي وهو صاحب الثقافة الكلاسيكية الرفيعة، يريد أن يكون الفن الشعبي المصري حاضراً في الفن المصري بشكل عام، مثلما تحضر الفنون الشعبية الأوروبية في الموسيقى الكلاسيكية والباليه والأوبرا، إحياء للقوميات الخاصة في أوروبا واعتزازاً بالهوية وترسيخاً للانتماء.
عاش زكريا الحجاوي في الفترة من عام 1915 حتى عام 1975 وكانت وفاته في الدوحة، حيث عمل في الفترة الأخيرة من حياته في دولة قطر، بعد خلافات مع الرئيس أنور السادات، رغم صداقة قديمة جمعتهما من قبل عام 1952، ورغم لجوء السادات في بعض الأوقات الصعبة إلى بيت زكريا الحجاوي. كانت الوفاة مفاجئة، ودائماً كان يذكرها الكاتب محمود السعدني بكثير من الألم والحزن على فقد صديقه الحبيب، وما تعرض له من ظلم وهو القامة المصرية الكبيرة.
خضرة محمد خضر.. درة الاكتشافات
إلى جانب مجموعة من الفنانين الشعبيين الذين اكتشفهم وقدمهم زكريا الحجاوي، يمكن القول إن خضرة محمد خضر كانت درة تلك الاكتشافات، وقد تزوجها الحجاوي لسنوات قليلة، كانت خضرة اسماً لامعاً وربما كانت الاسم الأشهر بين فنانين آخرين. قدمت المطربة الشعبية الكثير من الأعمال التي حققها زكريا الحجاوي، ومن بين هذه الأعمال حكاية «أيوب المصري» التي تغنيها على مدى أربعين دقيقة تقريباً. كذلك أعد زكريا الحجاوي قصة أيوب المصري للإذاعة في تمثيلية مدتها ساعتان، وضمنها مقاطع من الموال الغنائي حيث لم تتسع له بالكامل، لكن التمثيلية تختلف عن الموال، حيث أضاف إليها الحجاوي بعض الشخصيات التي لا يرد ذكرها في الموال، وقام بخلق الصراع والحبكة من أجل اكتمال عناصر الدراما وإثراء الحوار التمثيلي، فقد جعل أيوب يجسد الخير المطلق، بينما يجسد همام الشر المطلق الذي ينهزم في النهاية رغم قوته، وينتصر أيوب رغم ضعفه.
عند الاستماع إلى الموال الأصلي بصوت خضرة محمد خضر، نكون مع تجربة تلقٍ فريدة ونحن نصغي إلى سرد غنائي رائع، بلهجة وتعبيرات شعبية مصرية خالصة وأسلوب ممتع مشوق. تستطيع خضرة أن تجذب سامعها منذ البداية وحتى النهاية، ليتابع الحكاية المعروفة كما لو أنه يستمع إليها للمرة الأولى، فيترقب ويحبس الأنفاس، ويحزن لمرض أيوب ويشعر بثقل معاناته وطول صبره، وينتظر الفرج ويفرح بالنهاية السعيدة للقصة، ويستمد منها الأمل. تجيد خضرة محمد خضر الانتقال بصوتها بين الحالات الشعورية المختلفة ودرجات الألم وألوانه، فهناك ألم المرض، وهناك ألم تقلبات الزمان، حيث اصطحب المرض معه كل من الفقر والحاجة والهوان، وهناك ألم التخلي والخذلان، وهناك دائماً جحيم البشر الذي يضاعف المصيبة أضعافاً، فما يجيء من الله يستطيع المؤمن أن يتقبله راجياً في العفو والرحمة والمغفرة، أما ما يجيء من البشر من شماتة فيمن تعرض لأقدار الله، أو إيذاء له وهو في حالة ضعف وسخرية منه، بسبب ما ابتلي به، فهذا أمر يصعب على الإنسان أن يتحمله، وأحياناً يكون أسوأ وأشد مرارة من البلاء الأصلي. وقد تعرض أيوب للشماتة والنفور وخذله الجميع ما عدا زوجته ناعسة، وطرد من بلدته خوفاً من مرضه الغريب وانتشار العدوى، لذا في نهاية الموال بعد أن يمن عليه الله بالشفاء، تطلب منه ناعسة أن يعودا إلى بلدتهما لمواجهة من عيروه بمرضه.
ناعسة بطلة الموال
في هذه الأسطورة الشعبية المغناة تعد ناعسة البطلة الحقيقية للأحداث، فأيوب طريح الفراش لا يتحرك، وإن تحرك فهي تحمله، والموال في حقيقة الأمر يروي صبر ناعسة أكثر مما يروي صبر أيوب: «ياما جرى لأيوب على حكم الزمن.. وبنت عمه ع البلاوي صابرة.. وبنت عمه من الأصول الطيبين.. ولا يوم شكت أبداً ولا الخال درى.. ولا يوم شكت أبداً ولا يوم خانته.. خايفة على العرض السليم م المعيرة». لكنه يذكر أن أيوب هو من علم ناعسة الصبر ورباها عليه منذ أن تزوجها صغيرة، فهي تسير في صبرها على خطى الزوج المعلم والمربي. يبدأ الموال بكلام عام عن قيمة الصبر وجزائه: «الصبر طيب للأمارة بيصبروا.. وياما اللي كان صابر ينول المغفرة.. اللي صبر نال الهنا بلغ المنى.. واللي معاه صبره يلاقيه في الآخرة». ثم يأخذ في سرد حكاية أيوب الذي ابتلي بالمرض، وتدهورت حالته من عام إلى آخر، يذكر الموال سبع سنوات من المرض في مقطع يتنوع فيه الوصف، ويوضح حجم المعاناة وتفاقم المأساة، حتى وصل الأمر إلى تخلي أمه وأبيه عنه وطرده من البلدة بأكملها، فتأخذه زوجته ناعسة وتحمله في مقطف، ما يدل على شدة ضعفه وهزاله وخفة جسده، تحمل الزوجة المخلصة حطام زوجها كأنها إيزيس تجمع أشلاء أوزيريس، وتمضي به إلى مكان بعيد في الجبل، لينام على التراب بعد أن كان ينام على الحرير: «أول سنة يا أيوب ما قلنا دي تنقضي.. والتانية يا أيوب لغلبك صابرة.. تالت سنة يا أيوب بقيت مضني وعليل.. نايم على فرشه حالاته مغيرة.. نايم على فرشه حالة أيوب عدم.. يا ريحته ترمي الطيور الطايرة.. رابع سنة يا أيوب بقيت رق الغلال.. جمل عالي وحمله منورة.. خامس سنة يا أيوب ما علوا لك الفراش.. سبع مراتب عالية ومسطرة.. سادس سنة يا أيوب جافوك ناس البلد.. وكرهته ساير البنية مع الولد.. سابع سنة يا أيوب جافوك أمك وأبوك.. قالوا خديه دا وامشي بيه يا غندرة.. ناعسة خدت أيوب في مقطف م الأشيم.. منه تفوح المسك ويا العنبرة.. مشيت نهار وتاني نهار وتالت نهار.. رابع نهار بالجوع وناعسة صابرة.. تشيل بعينها تلاقي عشة في الجبل.. قدامها مية زلال ومسكرة.. قامت على العشة فرشتها تراب.. من بعد نومه على الحرير العنبرة.. ناعسة سابت أيوب وطلعت ع البلد.. وأهي رايحة تشحت في البلاد العامرة».
بعد أيام من الجوع تذهب ناعسة لتطلب من الناس ما تقتات به هي وزوجها العليل وتقول: «حنوا على واحد عليل جسمه انهرى». كانت ناعسة شديدة الجمال، قوام ممشوق ووجه مضيء وشعر كثيف طويل، فغارت منها النساء وخشين على أزواجهن، أقفلت الأبواب في وجه ناعسة وتمت مساومتها على بيع شعرها الجميل والتخلص من تاج جمالها للحصول على ما تطعم به زوجها، وبالفعل تمت حلاقة شعرها، وبينما هي عائدة منكسرة تخفي رأسها بوشاح كي لا يكتشف أيوب ما حدث، وعند وصولها إلى العشة لا تجد أيوب وهو المريض الذي لا يستطيع الحركة. أخذت ناعسة تهرول وتروح وتجيء عدة مرات، وتمر على رجل صحيح معافى ملثم محاط بأسوار من الفل والياسمين، فتسأله عن رجل عليل، وتذهب وتعود لتسأله مرة تلو المرة، إلى أن كشف أيوب اللثام عن وجهه، وعرفته ناعسة من علامة تميز وجهه، حيث إن معجزة الشفاء وتحوله المفاجئ واسترداد جسده كل دون أن تعرفه لأول وهلة. يذكر الموال «رعرع أيوب» النبات المعروف في مصر بأنه النبات الذي اغتسل به أيوب وكان سبباً في شفائه كما يقال، ولا ينتهي الموال بمعجزة شفاء أيوب فحسب، وكان لناعسة نصيبها من المعجزة أيضاً، فعندما اكتشف أيوب حلاقة شعر ناعسة دعا الله أن يعوضها، فعاد إليها شعرها الجميل مرة أخرى دون انتظار، ويعود الموال أيضاً في النهاية ليذكرنا بجزاء الصبر.
كاتبة مصرية