تونس ـ «القدس العربي»: يوفر القطاع الخاص في تونس العدد الأكبر من الوظائف والاستثمارات والإنتاج والإيرادات، وله أهمية بالغة في النسيج الاقتصادي للبلد منذ السبعينات التي شهدت أخذ تونس بالكثير من آليات الاقتصاد الليبرالي بعد سنوات الاشتراكية التي سميت من قبل المؤرخين «تجربة التعاضد». فهذا القطاع يوفر حسب تقرير الجاهزية لأنشطة الأعمال للبنك الدولي لسنة 2024، حوالي 90 في المئة من الوظائف، و75 في المئة من الاستثمارات وأكثر من 70 في المئة من الإنتاج وأكثر من 80 في المئة من الإيرادات.
لكن مؤسسات القطاع الخاص وخصوصا الصغرى والمتوسطة تتعرض اليوم لصعوبات غير مسبوقة في تاريخ البلاد نتيجة عوامل عديدة، ولم تتمكن الدولة من إنقاذ أعداد مهولة منها تغلق أبوابها يوميا مكرهة أمام انسداد الحلول والآفاق رغم رغبة الجميع في إنقاذها. ويرجع البعض ذلك إلى البيروقراطية الإدارية وسوء التصرف من قبل الإدارة الذي يجهض كل إرادة سياسية راغبة في مد العون لهذه المؤسسات التي يجعلها صغر حجمها أكثر عرضة للصدمات وخطر الإغلاق مقارنة بالمؤسسات الكبرى التي تمر بنفس الظروف.
رقم صادم
تشير الأرقام إلى أنه توجد في تونس حاليا قرابة 870 ألف مؤسسة صغرى ومتوسطة يقع سنويًا إغلاق حوالي 39 في المئة منها، وهو رقم صادم ويفسر مدى معاناة هذه المؤسسات وأصحابها والقائمين عليها والعاملين فيها. وقد أكد بعض الخبراء على أنّ معدل دورة حياة بعض المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس يبلغ 18 شهرا وربما أقل من ذلك في أحيان كثيرة حيث وبمجرد الانطلاق في العمل يصطدم باعثو المؤسسات بالعراقيل والصعوبات.
وبالإضافة إلى البيروقراطية الإدارية التي تعطل مساعي مساعدة هذه الشركات وتضع العراقيل أمام أصحابها لتسوية وضعياتهم ونيل القروض الميسرة التي يقدمها البنك الدولي أو بعض المؤسسات المالية الأوروبية بهدف إنقاذ هذه المؤسسات، فإن الإدارة التونسية ساهمت بشكل كبير في وصول هذه المؤسسات إلى ما وصلت إليه. فهذه الإدارة المحافظة وغير الثورية التي ورثت الإدارة الاستعمارية، وقوانين بالية وتكلست أذهان الكثير من موظفيها وأصبحت غير قادرة على الاجتهاد ومواكبة المتغيرات، لا تراعي الظرف الاستثنائي المحلي والعالمي والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، فتطالب بخلاص الأداء والضرائب في الآجال، وقد تجلى ذلك بالخصوص خلال أزمة كوفيد -19 والحجر الصحي الذي تم فرضه على الجميع.
وللإشارة فإن مجلس نواب الشعب رفض مؤخرا المصادقة على اتفاقية قرض فرنسي لتمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة التونسية، لأن الوزارة المعنية لم تقدم لنواب المجلس ما يفيد أين صرفت القروض السابقة المتعلقة بنفس الموضوع رغم طلب المجلس لهذا الأمر ومنحه المهلة الكافية للجواب. واضطر المجلس إلى هذا السلوك لأن المؤسسات الصغرى والمتوسطة لم تنل حصتها من هذه القروض في وقت سابق وبقيت تعاني من الصعوبات في حين أن الأموال موجودة ومرصودة والإدارة تضع العراقيل لإنقاذها وتتمسك بالنصوص البالية التي عفا عنها الزمن ولم تحرك الحكومات المتعاقبة ساكنا لتغييرها.
كما أن الاقتصاد الريعي الذي خنق البلد منذ الاستقلال والذي سيطرت بمقتضاه عائلة أو عائلتان أو ثلاث في أقصى الحالات على كل قطاع يجعل صاحب المبادرة الشاب أو باعث المؤسسة الصغرى، عاجزا عن منافسة الكبار في السوق وينتهي الأمر بإغلاق مؤسسته وربما أيضا ذهابه إلى السجن بسبب جرائم الشيك بدون رصيد، بعد أن يتورط في إصدار شيكات على أمل ربح لن يحصل من نشاطه. فهؤلاء الأباطرة المسيطرون على الاقتصاد يتحكمون بالبنوك التي تغدق عليهم قروضا بلا حساب وبدون ضمانات، وتمنعها عن أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تحاول عبثا التواجد في سوق الحيتان المفترسة والقطط السمان.
للبنوك نصيب
بلغت نسبة أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة الذين هم في نزاع لدى المحاكم مع البنوك 62 في المئة من مجموع أصحاب هذه المؤسسات، وبلغت نسبة من هم محكومون بالنفاذ العاجل في قضايا شيكات من دون رصيد أكثر من 76 في المئة ممن هم في نزاع قضائي مع البنوك. ولعل ذلك يبرز بشكل جلي سوء العلاقة بين البنوك التونسية، التي تميل في معاملاتها إلى السرعة في رفع الدعاوى القضائية، والمؤسسات الصغرى والمتوسطة.
كما أن البنوك التونسية أصبحت تقرض الدولة وتحجم في أغلب الأحيان عن إقراض المواطنين وأصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة باعتبار أن الربح بالنسبة لهذه المؤسسات التي تنشط في قطاعات عديدة ومنها القطاع الفلاحي غير مضمون، في حين أن سداد الدولة لديونها مضمون وفي الآجال المحددة. فهذه البنوك تعتبر تمويل بعض القطاعات مثل القطاعين الفلاحي والسياحي وحتى الصناعي مخاطرة باعتبارها مرتبطة بالتساقطات وكميات الأمطار فيما يتعلق بالفلاحة، والظروف الأمنية والصحية، فيما يتعلق بالسياحة، وبالإضرابات وتعطل الإنتاج، فيما يتعلق بالقطاع الصناعي.
وتؤكد الإحصائيات أن أكثر المؤسسات الصغرى والمتوسطة تضررا هي تلك التي تنشط في قطاع النقل وأيضا المؤسسات التجارية والمختصة في الصناعات التحويلية. ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال أن المؤسسات الناشطة في قطاعات أخرى وخصوصا القطاع الفلاحي أوضاعها على أحسن ما يرام، بل تواجه صعوبات جمة ولا تجد سندا يثبت وجودها أمام الأزمات المتلاحقة.
وفي هذا الإطار يرى الخبير والباحث في المجال الاقتصادي عماد بالرابح في حديثه لـ«القدس العربي» أن المؤسسات الصغرى والمتوسطة هي عماد الاقتصاد التونسي باعتبارها تشكل السواد الأعظم من عموم المؤسسات الاقتصادية في البلاد. لكن وضعها، حسب الخبير التونسي، متأزم كوضع الاقتصاد المحلي بوجه عام الذي رغم التحسن في بعض المؤشرات ما زال يترنح ولم يجد توازنه المنشود بعد.
ويضيف محدثنا قائلا: «إن الإدارة التونسية وعوض أن تسهل على أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة الحصول على القروض التي تمثل جرعات الأكسجين لها، تضع العراقيل أمامها فتطالبها على سبيل المثال بسداد ما عليها من أداء وضرائب وغرامات كشرط للحصول على قروض جادت بها بعض المؤسسات المالية الخارجية. وكان من الأجدى أن تزيل العراقيل عن عملية الاقتراض ليقوم صاحب المؤسسة الصغرى والمتوسطة بسداد ما هو بذمته لصالح الدولة فيما يتعلق بالجباية.
إن الحل لإنقاذ هذه المؤسسات وتشجيع الشباب على الانخراط في بعثها هو الذهاب في ثورة تشريعية حقيقية تخفف من تعقيد الإجراءات ومن البيروقراطية المقيتة، والضغط على البنوك للقيام بالدور المنوط بعدتها وهو تمويل الأنشطة الاقتصادية.
فالبنوك التونسية تخلت عن دورها وأصبحت مقرضة فقط للدولة ويبدو أنها أصبحت تميل إلى هذا ويتجلى ذلك في مسارعتها إلى توفير سيولة مالية تفوق ما تطلبه الدولة في كل عملية اكتتاب».
ويعتبر الخبير الاقتصادي أن المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس بحاجة اليوم إلى من يأخذ بيدها لتتجاوز هذا الظرف الصعب، والإرادة السياسية تبدو متوفرة، لكن الإدارة تبقى هي العائق الأساسي باعتبارها لا تجتهد ولا تبحث عن الحلول ولا تعي خطورة أن تندثر هذه المؤسسات. كما أن احتكار فئة قليلة من رجال الأعمال في تونس لكل قطاع اقتصادي وذلك منذ الاستقلال في إطار الاقتصاد الريعي، يبقى برأيه أهم العوائق أمام ازدهار وتطور المؤسسات الصغرى والمتوسطة.