يُقال إن جدتي «مسالك» كانت في شبابها جميلة الجميلات، لكنّ الزّمن الذي يغيّر كلّ شيء، أظهرها لي بعد أن تجاوز عمرها مئة عام، مثل تمثال حجريّ بوجه مجعّد وألوان قاتمة. فقدت بصرَها منذ زمان لا يتذكره أحد، حتى أمي وأبي، واستسلمت جدتي لوضعها الذي صار طبيعيّا بالنّسبة إليها وإلى جميع أفراد العائلة. وأضفى عليها الحال مظهرا مَهيبا، بجبهتها العالية، وعينيها اللّتين لم يترك لهما العمى لونا محدّدا وثابتا.
كانت جدتي تقضي الوقت نائمة، وتبدو في رقدتها الأبديّة شبهَ ميّتة. فجأة تعود إليها الحياة، وتفتح عينيها إلى آخرهما، فتظهر عندئذ «بيبي» مسالك، مثلما كنّا ندعوها، ومعنا أمي رغم أنها كانت أمّ زوجها وليست جدّتها، تظهر لنا ميّتة أكثر بناظرَين فارغَين إلا من أمواج الظّلام والضّباب، مع وحمة بين الحاحبين نما فيها الشَّعر وتكتّل مثل ديدان ساكنة. هناك حقيقة في العيون المفتوحة، وحقيقة في العيون المغلقة، وكلا النّوعين كانا بحوزة جدّتي نصف الميّتة – نصف الحيّة.
لا يوجد عدّاد أو شريطُ قياسٍ للسّعادة، هكذا تسير الحياة، فالحبّ سلِس وليس له حدود، في البيوت التي يعرف أهلُها رائحتَها جيّدا، ويتشاركون فيها كأحد الأسرار بشكل حميم، وهي من صُنع ربّة البيت. رغم أن جدتي كانت تتفسّخ في سريرها، لكنّ رائحة غرفتها كانت حلوة، والسّبب يعود إلى باقة الورد التي تجمعها الخادمة الزّنجية «بخيته» من الحديقة، وتضعها على الطّاولة القريبة من سريرها. كانت أمي طبّاخة تُجيد أن تضع، حتى في كأس الماء، شَذًا طيّبًا وله نكهة، وكانت تقدّم الطّعام ثلاث مرّات في اليوم إلى تمثال الحجر الذي يأبى أن يتحرّك. لا يدٌ تتحرّك ولا قدمٌ. وفي بعض الأوقات تقوم أمي برفع مِلعقة الحساء إلى فم التّمثال وتُطعمه عنوة، فيبدو المشهد عندها عاطفيّا أكثر.
كم كان عمر الطّفل آنذاك؟ أربع سنوات؟ ربما…
في ذلك اليوم أُغلقتْ على أفراد العائلة بوّابات المنزل الثلاث من الخارج، وأخذنا نقرع الباب، ونصيح من وراء النّوافذ:
«يا بيبي مسالك، افتحي لنا الباب».
شاركَنا في الإعلان عن حالنا كلبُ البيت «جوكي»، راح يتسلّق الحائط حتى النّافذة، وينبح بقوّة. لكنّ أصواتنا كانت تتبخّر سريعا، وتحلّ محلّها أصداء صمت بعيد وواضح في مسامع الطّفل بشكل مؤلم. كان الفصل خريفا باردا، والمدافئ في أنحاء البيت تشتعل، وورود الجوري في الحديقة القريبة تطلّ برؤوسها وتراقب المشهد. بقي الموقف على حاله ساعةً أو أكثر. النهار يتغيّر سريعا، والظّلال تختلط في أجمات التّفاح، في الحديقة الجانبية البعيدة، وجدتي وحدها في المنزل. لم تبلغها صرخاتنا، أنا وإخوتي الخمسة ومعنا الخادمة، حين تجتمع تعلو مثل بوق نفير. ثم لمحنا تصاعُدَ شرَر من إحدى المدافئ، وشممنا رائحة دخان وشواء، وفاضت عينا أمّي بالدّموع.
– هل بلغت جدّتي النارُ؟
تساءل الطّفل في قرارة نفسه، وعاد ينظر في وجه أمه. أخذ يتظاهر باطمئنان لم يكن يشعر به، وجرّب اللّعب في الحديقة مع «جوكي»، لكنه كان خائفا. ثم حاول أن يصلّي، مع أنه لا يعرف كيف يبدأ وماذا يقول. انتهى من تحريك شفتيه بصمت، ومن قول كلمات مثل «سبحان الله» و«لا إله إلا الله». لاحت له عندها روحه فسيحة ونقيّة، تشبه السماء التي كانت صافية قبل قليل، وها هي غمامة تعبرها وتنشر ظلَّها على الأرض. تفاقمت رائحة الشواء شيئا فشيئا، وكان الطفل يتأمل أمه في وجومها وصمتها العميق. كانت آنذاك لا تزال تخطر في ربيعها، ولأنها بيضاء البشرة، جعلها القلق تبدو شفّافة بطريقة طبيعيّة على نحو تامّ. طلبت منّا أن نكفّ عن الصّياح، وقامت بابتكار نوع من الدّعاء لا أتذكّره الآن، لكن صوتَها الحالم والحاني واللايوصف لا يزال يسكن مسامعي.
راح الطفل يكرّر في سرّه دعاء أمه، وينظر في أنحاء السماء، ليرى أيّ تغيير يطرأ عليها. كم استغرقه الوقت في التّأمل؟ دقيقة أكثر؟
جرى بعد ذلك ما يشبه الإلهام. قامت جدتي من سريرها أمام دهشة الجميع، وراحت تسير قاصدة البوّابة التي تُفضي إلى حديقة السّدر والرّمّان، ونحن نتتبّع خطواتِها من وراء النّوافذ، وهرير (جوكي) الفرِح ترك في المشهد شيئا من أسطورة خياليّة. لا بدّ أن الوقت بلغ حوالي الظّهر، لأن الأذان كان وقعُه في السماء بعيدا. استولى الصّمت على الجميع وسقطت روح الطفل حين اندفع المزلاج إلى الجانب، وانفرجت إحدى البوّابتين، فأطلّت بيبي مسالك وقد بدا من سواد عينيها أنها لم تعد كفيفة. كانت تتطلّع إلينا واحدا واحدا، وابتهجت قسمات وجهها، واختفت كتلة الدّيدان من الوحمة. كانت الخادمة الزنجية أكثرنا فرَحا؛ فقد أجهشت بالبكاء من فرط سرورها وسالت دموع غزيرة على وجنتيها. الدّموع فرِحة كانت أم حزينة تبقى دائما دموعا، فإذا كانت صاحبتها زنجيّة وتعمل خادمة واسمها «بخيتة»، تضاعف معناها مرّات. عادت جدتي إلى سريرها تسير بمفردها، رغم حرير شعرها الطّويل، وكان أشدّ بياضا من الثّلج، اكتشفتُ الشّبه العجيب بينها وبين أبي، فهما صورة طبق الأصل.
لم يكن ذلك حلُما، بل ذكرى حقيقية، فكلّ من يعيش إلى ما بعد طفولته يمتلك ذخيرة واسعة من الذكريات، تكفي أن تملأ مجلّدات. لكن ماذا عن الأشياء التي لا نستطيع تذكُّرها، والتي هي الأهمُّ من بين ذكرياتنا؟ الحبّ، كما هو معروف، شيء جنوني ويشبه السّحر، ويصنع المعجزات في أصفى حالاته وأنقاها. ما هو الدعاء الذي قالته أمي وأحْيَا تمثال الحجر من رقْدته وأعاده بشرا سويّا؟
يقول العلم عن الذاكرة إنها القدرة على استرجاع الماضي، وتنقسم إلى أنواع يمكن اختصارها إلى اثنين؛ قريب وبعيد، الأول يخصّ «القمّةَ»، أي الأحداث التي جرت هذا اليوم أو الأسبوع أو الشّهر، والثاني يحتفظ بما هو بعيد وقصيّ في «القاعِ» من سيرتنا، منذ الطفولة القصيّة. يخبرنا علم التشريح أنه لا توجد بِنْية محدّدة بوضوح لأنواع الذاكرة في الدّماغ، لكنْ توجد شبكة من الخلايا العصبيّة التي تمتدّ عبر مناطق مختلفة منه. العطب الذي يصيب الذاكرة القريبة، لا يمسح ذكريات الصّبا وما قبلها، وهذه إحدى طرق الدّفاع في الطبيعة؛ مثلما كانت لنا عينان وأذنان ورئتان، صارت عندنا ذاكرتان رئيسيّتان منفصلتان الواحدة عن الأخرى.
في طوايا الذاكرتين مواضعُ خاصةٌ بالنسيان والتذكّر، يتمّ تحفيز الأعصاب فيهما ضمن ظروف معقّدة، فلا نستطيع التحكم فيها. كما أن هناك حيّزا في الدّماغ لم يُكتشف بعدُ، دعونا نسميه ذاكرة الروح، وظيفتها الحرص على تذكارات تخصّ الطقس الرسميّ العامّ للحدث، أي الإحساس به بواسطة رائحته وطعمه وملمسه، وكلّ ما لا يمكن حبسُه في حيّز. ميزة هذه الذّاكرة أننا لا نستطيع التّعبير عنها بواسطة الكلام العاديّ، ونحتاج بالتالي إلى أدوات الفنّ من أجل تعريفها، فتتّخذ عندها صورة بيت من الشِّعر أو تفصيل في لوحة أو نغمة في قطعة من الموسيقى.
ذاكرة الرّوح ليست من اختصاص العلم، وإنما يستشْعرها الحدسُ. لم يبلغ «بودلير» سنّ الأربعين لمّا مات، ومع هذا كان يمتلك من الذكريات كما لو أنه عمّر أربعة آلاف عام، مثلما كتب في رسالة إلى أمّه: «أمتلكُ خزّانا بوسع المحيط يحتوي على مشاعر وعواطف وأحاسيس لا تُحصى»، والقصائد التي جاءنا بها مصدرها الرئيسي خزّان الذاكرة هذا. بقولٍ آخر، كان «بودلير» يكتب الشّعر وهو «يستعيد طفولته قصدا»، حسب تعريفه الشّهير للعبقرية. إن مكامن الإبداع لدى الفنان والأديب هي الخزّان الذي تحدّث عنه الشاعر، ومن باب الوصف والاستعارة يمكننا القول عنه إنه «أم الكتاب»، ومركز ما يُعرف بالخيال الخلّاق لدى الفنان، ما عليه سوى أن يمدّ يديه ويغرف منه في أثناء العمل. لقد بلغْنا، بما توصّلنا إليه، تفسيرا وافيا لعبارة بيكاسو الشهيرة: «إنني لا أبحث. إنني أجد».
يقع بيت أهلي في ضواحي المدينة آنذاك، حديقته الأمامية مستطيل من نجيل يعادل ملعبا صغيرا لكرة القدم، وتحيطه في الجوانب الثلاثة أشجار التفاح، ويجري بالقرب منه نهر دجلة، مع غابة للنّخل وأجمات للّيلك. حين مضى الوقت علينا ونحن محبوسون في الخارج، رحتُ أنظر طويلا إلى الباب، ولم أستطع تخيّل أنها يُمكن أن تُفتَح بسهولة حين يعمل الإصبع على المزلاج. «كْلِكْ»… وفجأة تنفرج فتحة الباب، كأنما تؤدي إلى الجنة. عاشت بيبي مسالك حوالي عشر سنين بعد تلك الحادثة، في إقبال نهم ومحموم على الحياة. إلى اليوم، وقد تجاوز عمري الستين، ما زلتُ أشعر بالعزيمة التي توهّج بها وجهها عندما عاد إليها البصر.