نيويورك تايمز: الجيش الإسرائيلي يقوم بتغييرات كبيرة في الضفة الغربية .. دمار شامل وتهجير ومخاوف من ضمها

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن ـ “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا مصورا أعده آدم راسغون وفاطمة عبد الكريم والمصور الصحافي عفيف عميرة جاء في تأكيد على أن العملية العسكرية الإسرائيلية على مدار الأشهر القليلة الماضية، أدت إلى تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين في مدن الضفة الغربية. وأن الفلسطينيين يخشون أن تكون هذه العملية تمهيدا لضم المنطقة.

ويروي التقرير كيف أن الشوارع بدت كغزة: منازل محطمة، وجدران مليئة بثقوب الرصاص وطرق مدمرة بفعل الجرافات وأحياء مهجورة.

لكن هذه ليست غزة، تلك المنطقة التي دمرتها الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، حيث قتل عشرات الآلاف ويلاحق الجوع سكانها. بل هي الضفة الغربية المحتلة، وهي منطقة فلسطينية أخرى يشدد فيها الجيش الإسرائيلي سيطرته في أوسع حملة قمع مستمرة منذ جيل.

وتقول الصحيفة إن معالم الحملة الجديدة بدأت تتكشف خلال زيارة قام بها مراسلوها مؤخرا إلى مدينة جنين، إحدى الأحياء التي كانت مكتظة بالسكان والتي تم تهجير سكانها منذ بدء العملية في كانون الثاني/ يناير. وفي إحدى تلك المناطق، كان يعيش أكثر من 10,000 شخص حتى وقت قريب. والآن، أصبحت خالية وطرقها مغلقة بأكوام من التراب ومحاطة بأكوام من الأنقاض.

وذكر التقرير أنه هذا الأسبوع، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه سيهدم منازل في طولكرم، وهي مدينة قريبة من جنين، لجعل الأحياء والشوارع المزدحمة أكثر سهولة في الوصول إليها من قبل القوات الإسرائيلية ولمنع عودة ظهور المسلحين.

وقال معاذ عمارنة وهو طالب جامعي يبلغ من العمر 23 عاما، يوم الأربعاء، في اليوم الذي علم فيه أن منزله في طولكرم سيهدم: “إنهم يسلبون مستقبلي”.

ونفذت إسرائيل عمليات عسكرية متكررة في هذه المنطقة في السنوات الأخيرة، لكن قواتها كانت تغادر دائما في غضون ساعات أو أيام تقريبا. ومع ذلك، منذ كانون الثاني/ يناير، حافظ جيشها على أطول وجود له في قلب مدن الضفة الغربية منذ عقود.

واستهدفت الحملة حماس وجماعة فلسطينية مسلحة أخرى، وهي الجهاد الإسلامي. ومع ذلك، أصبحت الاشتباكات نادرة في الأسابيع الأخيرة، في إشارة إلى أن إسرائيل والسلطات الفلسطينية في الضفة الغربية قاموا باعتقال أو قتل العديد من المسلحين.

ويشير التقرير إلى أن المدينتين الأكثر تضررا، جنين وطولكرم، تخضعان منذ فترة طويلة لسيطرة السلطة الفلسطينية، وهي الهيئة شبه المستقلة التي تتعاون مع إسرائيل في الشؤون الأمنية، والتي يأمل الكثير من الفلسطينيين أن تتطور إلى حكومة دولة مستقبلية.

لكن الوجود الإسرائيلي الممتد في هاتين المدينتين بالضفة الغربية يقوض صلاحيات السلطة الفلسطينية. وتحتج إسرائيل بأن السلطة لا تبذل جهودا كافية لقمع التشدد في المنطقة.

قال محمد جرار، رئيس بلدية جنين، في مقابلة بمكتبه في آذار/ مارس: “نحن عند نقطة تحول في الصراع. تتصرف إسرائيل كما لو أن السلطة الفلسطينية غير موجودة”.

وبدأ الهجوم الإسرائيلي بعد أيام من سريان وقف إطلاق النار في غزة في كانون الثاني/ يناير. في ذلك الوقت تقريبا، أضافت الحكومة هدفا جديدا إلى أهداف حربها: توجيه ضربة لمسلحي الضفة الغربية. وبعد أيام، تدفقت مركبات مدرعة مدعومة بطائرات هليكوبتر إلى مخيم جنين.

وقالت إسرائيل إنها قتلت أكثر من 100 مسلح واعتقلت المئات منذ بدء العملية. كما شردت ما يقرب من 40 ألف فلسطيني – وهو عدد يفوق أي حملة عسكرية أخرى في الضفة الغربية منذ احتلال إسرائيل للمنطقة في حرب عام 1967.

وقد أثار ذلك مخاوف الفلسطينيين من نكبة ثانية. وقالت سليمة السعدي، البالغة من العمر 83 عاما، وهي من سكان مخيم جنين، والتي قالت إنها هجرت مرة واحدة قبل ما يقرب من ثمانية عقود: “أخشى ألا أتمكن من العودة إلى دياري كما حدث عام 1948”.

وذكر التقرير أنه في أواخر شباط/فبرايرالماضي، طلب وزير الدفاع إسرائيل كاتس من القوات الإسرائيلية الاستعداد للبقاء في جنين وطولكرم للعام القادم.

إذا حدث ذلك، فسيكون تغييرا جذريا في طريقة إدارة مدن الضفة الغربية منذ إنشاء السلطة الفلسطينية في تسعينيات القرن الماضي. في تلك الفترة تقريبا، تنازلت إسرائيل عن معظم مسؤوليات الحكم في المدن للسلطة الفلسطينية.

وقد زار مراسلو الصحيفة مخيم جنين برفقة ضابط عسكري إسرائيلي كبير في ناقلة جند مدرعة، ولم تسمح الصحيفة للجيش الإسرائيلي بفحص تغطيتها قبل النشر، لكنها وافقت على عدم تصوير وجوه بعض الجنود الإسرائيليين.

وتقوم القوات الإسرائيلية بدوريات في مخيمي جنين وطولكرم ليلا ونهارا. وتفتش المباني واحدا تلو الآخر بحثا عن أسلحة، وتفجر المنازل التي تعتقد أنها تستخدم لأغراض عسكرية.

كما تعمل على توسيع الطرق، وفقا لصور جوية، مما يسهل على الجنود الوصول إلى المناطق المكتظة بالسكان في المخيمات. وقد هدم الجيش المباني والطرق التي يقول إنها مليئة بمخابئ الإرهابيين والفخاخ المتفجرة.

قال عمار أبو بكر، رئيس غرفة تجارة جنين، معبرا عن مخاوف العديد من الفلسطينيين الآخرين: “إنهم [الإسرئيليون] يشيرون إلى رغبتهم في الضم”.

وقد غذت المخاوف الفلسطينية حقيقة أن وزراء في الحكومة الإسرائيلية المتشددة يدعون إلى ضم الضفة الغربية، التي يقطنها ما يقرب من ثلاثة ملايين فلسطيني ونصف مليون مستوطن إسرائيلي.

وقال أبو بكر، رئيس غرفة تجارة جنين، و رئيس البلدية، إن المقدم أمير أبو جناب، منسق الاتصال العسكري الإسرائيلي في جنين، أبلغهما في أواخر كانون الثاني/ يناير أن إسرائيل تخطط لتحويل مخيم جنين إلى حي عادي، وهو ما يعارضه العديد من الفلسطينيين لأنهم يرون فيه محاولة لمحو رمزه المعبر عن محنة اللاجئين.

وأكدا أنهما أُبلغا أيضا بأن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي تعنى بمساعدة الفلسطينيين وتدير المدارس والعيادات في الضفة الغربية، لن يكون لها دور في مخيم جنين. لطالما توترت علاقات إسرائيل مع الوكالة، وتزايد العداء تجاه الأونروا منذ بدء حرب غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بهجوم شنته حماس على إسرائيل. ورفضت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الوكالة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن التنسيق مع الفلسطينيين، التعليق.

ونفى الجيش الإسرائيلي إجباره الناس على المغادرة. لكن الفلسطينيين قالوا إنهم تلقوا تهديدات بالعنف إذا رفضوا.

ونقلت الصحيفة عن كفاح سحويل، 52 عاما، قولها إن مسيّرة إسرائيلية حلقت بالقرب من منزلها في جنين قبل بضعة أشهر، وطلبت منها عبر مكبر صوت أن ترفع يديها وتغادر. وذكرت أن الطائرة حذرتها من أن منزلها سيستهدف إذا لم تمتثل.

بعد أن هرعت سحويل إلى الخارج مع ابنها، تبعتهما المسيّرة وأعطتهما تعليمات إلى أين يذهبان حتى غادرا المخيم، بحسب ما قالت. وأضافت سحويل: “شعرت أنهم سيقتلوننا”.

ويروي التقرير كيف كان محمد أبو وصفه، 45عاما، من سكان مخيم جنين، يساعد الوافدين الجدد على الاستقرار في شقق من غرفة واحدة بينما كان الأطفال يلعبون في الخارج. وبالنسبة له، لم يكن الجزء الأكثر إيلاما من النزوح هو إجباره على ترك منزله، بل عدم معرفة ما حدث له.

وقال: “نحن نعيش في المجهول، نمر برحلة شاقة ومزعزعة للاستقرار”، وأضاف: “لقد فقدنا السيطرة على كل شيء”.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية