مستقبل لبنان الاقتصادي بين «كرباج الخارج» و«عناد الداخل»: لمن ستكون الغلبة؟

رلى موفّق
حجم الخط
0

يدور لبنان في حلقة مقفلة. يواجه منذ سنوات أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، زادها حدة تسابق المنظومة الحاكمة وأذرعها المالية والمصرفية والإدارية على سرقة الشعب في أمواله الخاصة التي جناها وأودعها البنوك. ينتهج سياسة الوعود بإصلاحات شتى كلما أراد الاتكاء على قروض ومساعدات من الخارج، لكنه يُسارع إلى الالتفاف عليها أو إفراغها من مضمونها. ويتم رميها على التجاذبات السياسية في البلاد.
أعطى انتخاب رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، بمظلة عربية – دولية، وتشكيل حكومة نواف سلام مطلع عام 2025، أملًا بأن يضع هذا العهد بداية لمسار إصلاحي حقيقي يُعيد الثقة الداخلية والدولية بالاقتصاد اللبناني. في أسوأ الأحوال قد ينطبق المثل القائل «مكرهاً أخاك لا بطل» على العهد الحالي وحكومته الأولى وسائر الطبقة السياسية.
«ما بيمشوا إلا بالكرباج»، وَصْفٌ يستخدمه أحد الخبراء الاقتصاديين لما يشهده لبنان اليوم من خطوات إصلاحية. تمَّ «بشق النفس» تعديل قانون السرية المصرفية، لجهة الإجازة برفع السرية المصرفية مع مفعول رجعي لعشر سنوات، وهو مطلب صندوق النقد الدولي، ومعه الأمريكيون وخزانتهم والفرنسيون والسعوديون. وهذا سيتكرر ثانية مع الإصلاح المصرفي (إعادة هيكلة المصارف) و«سدّ الفجوة المالية» الذي من شأنه توزيع الخسائر بين الدولة والمصارف والمودعين.
بات الجميع، على اختلاف مشاربهم السياسية وعضلاتهم، يَعْلمون علم اليقين أن فلساً واحداً لن يأتي إلى لبنان إذا لم تنتهج حكومته طريق الإصلاحات المطلوبة، ولا سيما من صندوق النقد الدولي، والتي تُشكِّل جواز مرور للدول المانحة لمساعدة لبنان على النهوض مجدداً.

إجراءات إصلاحية

في عام 2020، بدأ لبنان مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على برنامج دعم، بالتزامن مع تولي حكومة حسان دياب التي كانت تدور في فلك «حزب الله». تضمن البرنامج المقترح حينها سلسلة من الإجراءات الإصلاحية، كان أبرزها إعادة هيكلة القطاع المصرفي، خفض العجز المالي، تعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد، وتحسين نظام الضرائب. كما تضمَّن البرنامج إصلاحات جوهرية في قطاع الكهرباء، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي عبر حماية الفئات الأكثر ضعفًا. ذهبت حكومة دياب وجاءت حكومة ميقاتي وبقينا في الدوامة نفسها: مراوغة، واستعصاء، ومعاندة، وتعطُّل، وتواطؤ، حماية لتحالف المافيا – ميليشيا وبقاء لبنان بؤرة فساد وتبييض أموال وتمويل إرهاب، فيما الانهيار يزداد والأزمة تتفاقم وسط انكماش اقتصادي حاد والخدمات العامة تتدهور.
في آذار/مارس 2025، وخلال زيارة بعثة صندوق النقد إلى بيروت، قدَّمت حكومة نواف سلام رسميًا طلبًا للحصول على برنامج جديد. وقد رحَّب الصندوق بهذا الطلب، لكنه شدَّد على أن أي برنامج جديد سيكون مشروطًا بتنفيذ إصلاحات ملموسة تشمل إعادة هيكلة الدين، وإصلاح القطاع المالي، والشفافية في تقديم البيانات الاقتصادية. حينها، صرحت المتحدثة باسم الصندوق، جولي كوزاك، بأن «لبنان يحتاج إلى استراتيجية شاملة لإعادة تأهيل اقتصاده، مع التأكيد على الشفافية والحوكمة الرشيدة». مضيفة أن الصندوق لا يمكنه تقديم دعم فعّال ما لم تُنفَّذ هذه الإصلاحات بطريقة جادة ومستدامة.
وشارك وفد لبناني رسمي برئاسة وزير المالية ياسين جابر وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد في اجتماعات الربيع في واشنطن في نيسان/أبريل 2025، وتمَّ عرض رؤية إصلاحية موحدة للحكومة اللبنانية، شملت نقاطا تتعلق بإصلاح السياسة الضريبية وتوسيع القاعدة الضريبية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي بطريقة تحمي صغار المودعين، وتعزيز الحوكمة النقدية واستقلالية مصرف لبنان، والبدء بمفاوضات لإعادة هيكلة الدين العام الخارجي، وإعادة إطلاق مفاوضات برنامج الدعم مع صندوق النقد.
اختبر صندوق النقد والبنك الدولي المسؤولين اللبنانيين من قبل. المطلوب هو وجود إرادة سياسية موحدة تدعم تنفيذ الخطط الإصلاحية. رحَّبوا هذه المرة بالخطاب الإصلاحي اللبناني، والصندوق يريد «دلائل على تنفيذ إصلاحات صادقة»، وخصوصاً في مجالات مكافحة الفساد، وتحديث البيانات المالية، وتفعيل مؤسسات الرقابة. فمؤسسات التمويل الدولية لا تثق بتقديم أي تمويل مباشر قبل رؤية خطوات فعلية على الأرض. مع تكرار المكرَّر بأن لبنان يحتاج إلى استراتيجية اقتصادية شاملة، تتضمن إعادة هيكلة النظام المالي، وضبط النفقات العامة، وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية والخدمات.
البنك الدولي أعلن سابقاً عن العمل على إنشاء صندوق بقيمة مليار دولار مخصص لإعادة إعمار لبنان، مشروط بإقرار الإصلاحات المطلوبة. وإثر لقاء الوفد اللبناني إلى اجتماعات الربيع في واشنطن مع مسؤولي البنك الدولي، تحدث وزير مالية لبنان عن «موافقة مبدئية لرفع قيمة القرض المقدَّم من البنك الدولي لإعادة الاعمار من 250 مليون دولار إلى 400 مليون دولار». وقال: «إن قيمة القروض التي سيحصل عليها لبنان، والتي ستُمنح بطريقة ميسَّرة مع فترة سداد قد تصل إلى 50 عاماً ستبلغ مليار دولار أمريكي تقريباً موزعة كالتالي: 250 مليون دولار المتفق عليها ستخصص لمعالجة موضوع الكهرباء ولا سيما شبكات النقل (تم التوقيع عليها)، 256 مليون دولار للمياه، و200 مليون للزراعة، و200 مليون للشأن الاجتماعي».

إعادة هيكلة المصارف

في تغريدة له على موقع «إكس»، كتب الخبير الاقتصادي روي بدارو أن «مشاريع السرية المصرفية وإعادة هيكلة المصارف ومعالجة الفجوة هي مشاريع سترسم المستقبل الاقتصادي للبنان لسنين عديدة. هذا هو التحدي بين فريقين. الأول يريد إعادة نموذج الماضي الذي أوصل لبنان إلى أزمات عدة، والثاني يحاول بناء مجتمع جديد مرن واعد ومستدام». وبصورة أوضح، يعتبر أن هذه القوانين لا تعالج الماضي، بل تحمي لبنان لنصف قرن مقبل. ويعتبرها معركة وجودية للبنان واقتصاده الحر.
ما لفت المتابعين هو النقاش الذي دار في لجنة المال والموازنة قبل أيام مع دراسة قانون إعادة هيكلة المصارف عن أن الأزمة هي أزمة نظامية. في التعريف: عندما نقول «الأزمة نظامية»، فإننا نعني أن جذور الأزمة تكمن في هيكل وعمل النظام بأكمله، وليس فقط نتيجة أخطاء معزولة أو صدمات مؤقتة. وفي حالة لبنان، وصف الأزمة بأنها نظامية يعني أن الأنظمة المالية والمصرفية والسياسية مترابطة بشكل عميق وتعاني من خلل هيكلي، وأن الأزمة لم تكن نتيجة حدث سيئ واحد، بل تراكمت مع مرور الوقت نتيجة الفساد، وسوء الإدارة، وانعدام الشفافية، والممارسات المالية غير المستدامة. وبالتالي، فإن المؤسسات نفسها، مثل مصرف لبنان، والمصارف التجارية، والسلطات السياسية، كانت جزءًا من المشكلة، وليست مجرد ضحية لها، ما يعني أن الانهيار جاء من داخل النظام نفسه، لا نتيجة صدمة خارجية ناجمة عن حروب وركود اقتصادي عالمي. سيبقى النقاش دائراً عن طبيعة الأزمة ومسبباتها وماهية جذورها، وما إذا كانت بنيوية أو لا، وأي دور اقتصادي نريده للبنان. فخطابات التوجه شرقاً التي كان يُطالب بها الأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله ما زالت ترنّ في الأذان مقابل «الاقتصاد الحر» الذي هو سمة لبنان ضمن محيطه. لن يكون لتلك الخطابات نفس الرنين اليوم بعد التبدلات الكبرى التي حصلت في المنطقة وفي لبنان لجهة هزيمة «حزب الله» العسكرية، لكن ذلك لا يعني أن «المافيا» لن تعود متحكّمة به.
المواجهة كبيرة، فالعلّة مترابطة بين السلاح والمافيا. ولكن ثمة سؤال مفصليّ يدور في الأروقة الدولية وهو: الإصلاح قبل السلاح، أم السلاح قبل الإصلاح؟ قد يكون صحيحاً أن السلاح يُعيق قيام الدولة بمؤسساتها الفعلية القوية والقادرة، إنما لولا وجود «المافيا»، أي المنظومة السياسية المستفيدة، لما كان الفساد السياسي والاقتصادي والمالي ينهش في جسد البلاد والعباد. وبالتالي، يبرز اتجاه قوي في هذا الإطار، سواء في الداخل أو الخارج، بوجوب بدء مسار الإصلاح حتى ولو لم تكن مسألة السلاح قد حُلَّت، ولا سيما أن القاصي والداني يُدرك جيداً أن حل مشكلة سلاح «حزب الله» بشكل نهائي ليست شأناً لبنانياً محضاً، ولا ترتبط بالموقف اللبناني، بل هي شأن دولي، وحلها هو بقرار دولي، وآليات تنفيذه ستكون هي الأخرى دولية.
وعليه، ما الذي يمنع لبنان من أن يُعيد بناء مؤسساته والقيام بإصلاحات جوهرية على مستوى القضاء، حيث شكَّل إقرار الحكومة في الثاني من أيار/مايو الحالي «قانون استقلالية القضاء» خطوة إضافية في الاتجاه الصحيح، وما الذي يمنع من تمكين مؤسسات الدولة من رقابة مرافئها العامة، ومن منع التهرُّب من الرسوم والضرائب ومن الجباية ومن اعتماد الشفافية في المناقصات العامة ومن… ومن؟ اللائحة طويلة، ولا ترتبط وحدها بما كان السلاح يعطله بقدر ما كان يُعطِّل التحالف بين السلاح والمافيا العائدة إلى السلطة السياسية عموماً والتي كان يستفيد منها الجميع، الكل شركاء في نهب البلاد وتحويلها إلى «جمهورية موز» وأخذ حصة من الكعكة.
وإذا قلنا اليوم، ما علينا من الماضي، ولننظر إلى المستقبل، فإن هذا القول ملؤه تحديات ليست قليلة. قد يكون المسار انطلق، لكن انطلاقته يشوبها التردد، و«الكباش كبير»، وسيبقى على أقله حتى الانتخابات النيابية في 2026، والتي ليس أكيداً أنها ستُنتج طبقة سياسية جديدة لها الغلبة في المستقبل، خصوصاً إذا جرت على أساس قانون الانتخابات النيابية الحالي الذي يلقى الغطاء من قبل القوى السياسية الكبرى المتحكمة ضمن طوائفها.
الزخم الذي بدأ به عهد عون وحكومة سلام خفَّ وهجه. وقد يكون هذا طبيعياً نظراً إلى أن القطع بين الماضي والمستقبل ليس أمراً سهلاً، ودرب التغيير من دون دماء عادة ما تكون خطواته بطيئة و«سلحفاتية» ويغلب عليها مصطلح «القضم»، ما دمنا لا نتحدث عن انقلابات بيضاء أو سوداء. ما هو أكيد أن ما يحصل في لبنان من إصلاح ليس بفعل إرادة فعلية من الداخل بل هو بفعل «السوط» الآتي من الخارج.
عاد الوفد اللبناني الذي شارك في «اجتماعات الربيع» لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن متيقناً من أن «اللعبة انتهت»، وما عاد من مجال مفتوح للالتفاف والمراوغة وعدم الإنجاز. فماذا سيكون عليه الحال غدا في لبنان؟

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية