الجهود التي أدت إلى التوافق بين القوى السياسية الكردية السورية (بين المجلس الوطني الكردي من جهة وحزب الاتحاد الديمقراطي وقسد من جهة أخرى)، ليست وليدة اللحظة، ولم تكن سرية في يوم من الأيام؛ وإنما تعود إلى أواخر عام 2011. وذلك بعد أن دخلت قوات حزب العمال الكردستاني تحت واجهة حزب الاتحاد الديمقراطي «ب. ي. د»، إلى المناطق الكردية السورية بناء على تفاهم وتنسيق مع سلطة بشار الأسد، تم بموجبهما توزيع المهام وعمليات التسليم والاستلام بهدف ضبط الأوضاع في المناطق المعنية، والحيلولة دون تفاعلها الكامل مع الثورة السورية. وذلك بعد أن كان قد تفاعل معها شباب التنسيقيات الكردية، وانضموا إليها عبر المظاهرات والاعتصامات في مختلف المدن والبلدات ذات الغالبية الكردية منذ الأيام الأولى.
وكان القصد من الجهود المشار إليها هو منع حدوث صدام كردي ــ كردي داخلي، والسعي ضمن حدود المستطاع إلى المحافظة على تهدئة الأجواء، ريثما تتبلور معالم الأمور بصورة أوضح.
وقد بذل المسؤولون في إقليم كردستان العراق، وفي مقدمتهم الرئيس مسعود بارزاني شخصياً، جهوداً مضنية كبرى في هذا المجال، رغم حملات التهجم التي كان يتعرض لها من قبل كوادر وأنصار حزب العمال، ورغم ما كان يقوم به هذا الأخير من عمليات ضد قوات البيشمركه في أكثر من منطقة ضمن الإقليم.
وكانت حصيلة تلك المساعي التوفيقية اتفاقية هولير/ أربيل الأولى 2012، واتفاقية هولير/ أربيل الثانية 2013، واتفاقية دهوك 2014. ومع سيطرة «داعش» على مناطق واسعة في الجزيرة السورية ومنطقة كوباني والرقة، وإعلانه دولة الخلافة الإسلامية عام 2014، ومن ثم التوافق الأمريكي ــ الروسي حول توزيع المساحات في سوريا لتكون مناطق نفوذ، وإعطاء الأولوية لموضوع محاربة الإرهاب من دون إسقاط السلطة؛ في هذه الأجواء وجد الأمريكان في الحزب المعني قوة منظمة منضبطة، يمكن الاعتماد عليها على الأرض، عبر دعمها بالإسناد الجوي المكثف من قبل قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. هذا مع أن الحزب كان، وما زال، على لوائح الإرهاب الأمريكية والغربية عموماً؛ كما هو الحال بالنسبة لهيئة تحرير الشام، والعديد من القيادات والكوادر في الإدارة السورية الحالية.
ولكن حسابات القوى العظمى لا تتقيّد بالقواعد والمعايير التي تُلزم بها غيرها؛ بل تغير فيها وتختار الالتزام بما يتوافق مع حساباتها. ومع حصول التفاهمات بين الأمريكان وحزب العمال الذي كان يعمل تحت غطاء قوات حماية الشعب، وقوات حماية المرأة، تمّ الإعلان عن تأسيس قوات سورية الديمقراطية «قسد» عام 2015؛ وهي القوات التي لم تقتصر على الكرد وحدهم بل شملت العرب والسريان وغيرهم.
ومع الوقت تعقدت الأمور على المستويين الكردي السوري الداخلي والسوري العام، وذلك بوجود عدد من الجيوش الأجنبية على الأراضي السورية (القوات الأمريكية والروسية والإيرانية والتركية)؛ هذا بالإضافة إلى ميليشيات حزب الله والميليشيات العراقية والباكستانية والأفغانية المذهبية في مختلف مناطق الجزيرة السورية وسوريا بصورة عامة، إلى جانب سيطرة الفصائل الجهادية على مناطق في الشمال الغربي السوري، خاصة في منطقة إدلب.
سنحاول أن نركز على الوثيقة الكردية التي توافق عليها حزب الاتحاد الديمقراطي والأحزاب المتحالفة معه، والمجلس الوطني الكردي، إلى جانب أحزاب أخرى خارج نطاق هذين التحالفين، بالإضافة إلى ممثلي المنظمات المجتمعية وعدد من الناشطين المستقلين.
لقد جاء هذا الاجتماع بعد سلسلة من اللقاءات والمباحثات والضغوط الإقليمية والدولية والشعبية على الطرفين من أجل التوصل إلى رؤية مشتركة، تكون بمثابة خريطة طريق تجسّد تصور القوى السياسية الكردية السورية لحل القضية الكردية التي تجسد المعاناة الكردية السورية المستمرة، وهي معاناة تتمثل في اضطهاد مركب مزدوج تعرض له الكرد، معاناة يرتبط تاريخها بتاريخ تأسيس الجمهورية السورية، واستمرت من دون حل على مدى عقود، بل بلغت أقصى درجات قسوتها نتيجة هيمنة الأيديولوجية القومية في عهد حكم البعث الذي سيطر على الحكم في سوريا بانقلاب عسكري عام 1963، واستمرت هذه المعاناة خلال حكم آل الأسد الطويل في عهدي الأب والابن الذي استمر 54 عاماً.
المهم فيما حصل في القامشلي مؤخراً هو الإعلان عن رؤية كردية سورية مشتركة بشأن مقاربة ومعالجة المسألة الكردية في سوريا، وحلها ضمن إطار وحدة الشعب والوطن. وهي رؤية كان قد تم التوصل إليها قبل الكونفرانس الأخير الذي انعقد ليكون بمثابة منصة للإعلان عن الرؤية المذكورة. هذا رغم الملاحظات الكثيرة التي تناولت طريقة الإخراج، وموضوع رفع علم حزب العمال الكردي في الكونفرانس، والرسائل المشفرة المتبادلة بين أجنحة الحزب المذكور وربما آخرين. هذا بالإضافة إلى غياب أو تغييب ممثلي بعض المناطق والأحزاب وبعض الشخصيات المستقلة المؤثرة التي كانت موجودة في الداخل، ومستعدة للمشاركة.
على كل حال، اليوم هناك رؤية سياسية كردية معلنة تقوم على تصور عام بخصوص الوضع السوري العام، ووجهة نظر مقترحة توافقت عليها القوى السياسية الكردية السورية والمجتمعية والمدنية، وهي وثيقة ستكون عليها ملاحظات من دون شك سواء من جانب السوريين والإدارة السورية الجديدة، كما ستكون هناك ملاحظات من قبل بعض الكرد أنفسهم؛ ولكن هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية الرؤية المقدمة، ولا تشكك في أهمية التعامل الإيجابي معها من خلال دراستها بصورة موضوعية جدية، وتسجيل الملاحظات، وجعلها أساساً لطرح تصور الإدارة ومقاربتها للموضوع نفسه.
والخطوة التالية المنتظرة تتمثل في عملية التفاوض حول التصورين، أو اتخاذ الرؤية الكردية نفسها أساساً للمفاوضات، ومحاولة إدخال التعديلات عليها، وتجاوز بعض نقاطها أو إضافة أخرى، وضبط المصطلحات. فما تم التوصل إليها هي رؤية مقترحة قابلة للنقاش والتعديل.
أما أن تهيمن لغة الاتهامات والتجييش لا سيما في الأجواء غير الطبيعية، إن لم نقل الهستيرية التي تعيشها الأوساط الشعبية السورية في العديد من المناطق، وأمام المخاطر التي تهدد وحدة البلاد وسيادتها، إن لم نقل إنها تهدد النصر الذي تحقق في الثامن من شهر كانون الأول/ديسمبر 2024، وهو النصر الذي استبشر به السوريون خيراً بصورة عامة، ولكن ما حصل، ويحصل، في الساحل والجنوب، وأخيرا في جرمانا وأشرفية صحنايا والسويداء وربما في مناطق أخرى، يهدّد بالمزيد من التداعيات ما لم تعالج الأمور بحكمة وصبر، وبروحية الفريق عبر إشراك ممثلي المكونات المجتمعية والقوى السياسية والشخصيات المجتمعية والفكرية المعروفة بمصداقيتها وحرصها على وطنها وشعبها في حوار وطني حقيقي صريح شفاف مسؤول سقفه وحدة الوطن والشعب مع الرئيس الشرع نفسه، فهيئة تحرير الشام لا تستطيع لوحدها أو حتى مع حلفائها الحاليين إدارة سوريا، هذه حقيقة واضحة بدهية لا بد من الإقرار بها.
والجدير بالذكر في هذا المجال، هو أن المعارضة السورية قد أصدرت أثناء الثورة وثائق عديدة حول القضية الكردية السورية بوصفها قضية وطنية عامة، تهم سائر السوريين؛ يمكن العودة إليها، والاستفادة منها. ويُشار هنا على سبيل المثال إلى وثيقة المجلس الوطني السوري عام 2012، ووثيقة مؤتمر المعارضة السورية في القاهرة صيف عام 2012، والوثيقة المشتركة بين الائتلاف والمجلس الوطني الكردي عام 2013. هذا إلى جانب الكثير من الأوراق البحثية التي قدمت، والمناقشات التي أجريت في نطاق المؤتمرات والندوات التي انعقدت في أكثر من مكان بخصوص القضية الكردية في سوريا.
الأوضاع في سوريا متوترة، علينا أن نعترف، والمعالجة التي تتم حتى الآن لا ترتقي إلى مستوى المطلوب؛ كما أن التركيز على العلاقات الخارجية، وإهمال، أو عدم إعطاء الأهمية اللازمة لضرورة ترتيب الأوضاع في الداخل على أساس حواري تفاهمي توافقي سيؤدي إلى المزيد من التراكمات السلبية، وتفاقم التوترات. لذلك فإن الوصول إلى حل بخصوص الموضوع الكردي في أجواء التفاهمات الإقليمية والدولية حول هذا الموضوع، سيساهم في الحد من التوترات والتشنجات التي تشهدها وسائل التواصل الاجتماعي بين العرب والكرد؛ وهذا الأمر ستكون له انعكاساته الإيجابية من دون شك على صعيد التعامل مع الساحل والجنوب سواء في السويداء أم في درعا، وحتى على مستوى الداخل السوري، خاصة في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص.
إذا كنا نريد سوريا موحدة أرضاً وشعباً بكل مكوناتها وتوجهاتها وجهاتها، علينا أن نتعامل مع الأوضاع بعقلية وطنية جامعة، تطرح مشروعاً جاذباً يطمئن الجميع، ويشعرهم بالأفعال لا بالأقوال بأن سوريا المستقبل ستضمن الحياة الحرة الكريمة العادلة لكل مواطنيها من دون أي تمييز أو استثناء.
*كاتب وأكاديمي سوري