دمشق- “القدس العربي”: أدانت الرئاسة السورية بشدة الغارة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت منطقة مجاورة لقصر الشعب الرئاسي في دمشق، فجر الجمعة، ووصفتها بأنها “تصعيد خطير” يستهدف مؤسسات الدولة السورية وسيادتها. يأتي ذلك في وقت بدأت فيه مدينة جرمانا وبلدة أشرفية صحنايا بريف دمشق طي صفحة التوتر الطائفي والاشتباكات التي اندلعت فيهما منتصف الأسبوع الماضي، وسط مساع رسمية وأهلية لإعادة الاستقرار وحقن الدماء.
وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد أعلن تنفيذه غارة جوية على موقع بالقرب من “قصر أحمد حسين الشرع” في دمشق، بحسب ما جاء في منشور للمتحدث باسمه أفيخاي أدرعي على منصة “إكس”. وفي بيان مشترك، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يواف غالانت إن الغارة “رسالة واضحة إلى النظام السوري”، وإن تل أبيب “لن تسمح بنشر قوات سورية جنوب دمشق أو بتهديد الطائفة الدرزية بأي شكل من الأشكال”.
الرئاسة السورية: الهجوم محاولة لزعزعة الاستقرار
في بيان رسمي، وصفت الرئاسة السورية الهجوم الإسرائيلي بأنه “محاولة متهورة جديدة لزعزعة الاستقرار وتفاقم الأزمات الأمنية في البلاد”، وأكدت أنه “استهداف للأمن الوطني ووحدة الشعب السوري”.
ودعت الرئاسة المجتمع الدولي والدول العربية إلى “الوقوف إلى جانب سوريا في مواجهة هذه الاعتداءات التي تنتهك القوانين والمواثيق الدولية”، وحثّت على “توحيد المواقف العربية دعماً لحقوق الشعوب في مواجهة الممارسات العدوانية الإسرائيلية”.
وشدد البيان على أن “الاعتداءات، سواء كانت داخلية أو خارجية، لن تثني الشعب السوري عن متابعة مسار الاستقرار والسلام”، وأكد استمرار العمل الأمني لمحاسبة المسؤولين عن هذه الهجمات، ومنع أي تهديدات قد تمس أمن الوطن والمواطنين.
جرمانا تطوي صفحة العنف
في مدينة جرمانا، التي شهدت يوم الثلاثاء اشتباكات عنيفة بمختلف أنواع الأسلحة، عادت الحياة إلى طبيعتها، وتمت إعادة فتح الطرق المؤدية إلى دمشق، وسط انسياب لحركة السيارات وتوفر المواد الغذائية. وقالت مصادر محلية لـ”القدس العربي” إن مظاهر التسلح تراجعت بشكل ملحوظ، ولم يعد السلاح ظاهراً إلا بأيدي عناصر من قوى الأمن الداخلي، وغالبيتهم من أبناء المدينة.
وأوضحت المصادر أن الحديث عن “تسليم السلاح الثقيل” داخل جرمانا يتعلق ببعض السيارات المزودة برشاشات من عيار 14.5 و23 ملم، إضافة إلى بعض قاذفات RPG ومدافع الهاون، التي كانت قد انتشرت خلال التوترات الأخيرة.
الأشرفية تعود تدريجياً إلى الهدوء
وفي أشرفية صحنايا، الواقعة على طريق دمشق – درعا، عاد الاستقرار تدريجياً بعد دخول الجيش السوري وقوات الأمن العام إلى المدينة، بناءً على اتفاقات تمت برعاية وجهاء من مدينة السويداء، وبالتنسيق مع محافظي ريف دمشق والسويداء والقنيطرة.
وأفادت مصادر ميدانية بأن جميع الطرق المؤدية إلى دمشق أصبحت مفتوحة، وأن الحياة بدأت تعود تدريجياً رغم بقاء حالة من التوتر، تغذيها شائعات منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتحدث عن توقيفات جماعية وممارسات غير إنسانية بحق الموقوفين.
ونفت هذه المصادر تلك المزاعم، وأكدت أن الأوضاع مستقرة نسبياً، وأن السكان لم يلمسوا أي تحركات غير طبيعية، رغم أن وتيرة الحياة العامة لا تزال أبطأ من المعتاد، بسبب حالة الترقب أو مغادرة كثير من العائلات للمدينة مؤقتاً.
إفراج عن 32 موقوفاً
وفي إطار جهود التهدئة، أعلنت صفحات محلية عن الإفراج عن 32 موقوفاً من أبناء مدينة حضر ومحيطها، كانوا قد اعتُقلوا على خلفية أحداث الأشرفية. وجاء الإفراج بتوجيهات من محافظ ريف دمشق عامر الشيخ ومسؤول الأمن العام في المحافظة حسام طحان، بحضور رسمي من إدارات منطقتي داريا وقطنا.
وبحسب المصادر، فإن هذه الخطوة تهدف إلى تعزيز روح التسامح والوحدة الوطنية في المنطقة، والمساهمة في إعادة الاستقرار.
قانون مرتقب لتجريم التحريض الطائفي
وكانت الاشتباكات التي اندلعت في جرمانا والأشرفية يوم الثلاثاء الماضي قد تفجّرت على خلفية تسجيل صوتي منسوب لأحد رجال الدين الدروز، يهاجم فيه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، الأمر الذي نفته وزارة الداخلية السورية والمتهم ذاته لاحقاً.
وقد أصدر مفتي الجمهورية الشيخ أسامة الرفاعي بياناً في حينه، طالب فيه بوضع حد للتحريض الطائفي، ولاقى بيانه تأييداً واسعاً من مختلف شرائح المجتمع.
وفي هذا السياق، أصدرت “حركة التجديد الوطني” بياناً دانت فيه “كافة أشكال الغلو والتحريض والتصعيد”، وحذرت من مغبة الانجرار وراء دعوات تعيد البلاد إلى عصور الظلم والظلام.
وقال البيان، الذي تلقت “القدس العربي” نسخة منه، إن “التعامل مع أي تجاوزات أو إساءات، مهما بلغت، يكون وفقاً للقانون، وعبر مؤسسات الدولة حصراً، بعيداً عن منطق الثأر والانتقام الأعمى أو تحميل مجتمعات كاملة وزر أفراد مهما كانت أخطاؤهم”.
واعتبر البيان أن “اللجوء إلى لغة السلاح وتحكيم منطق القوة بدلاً من الحوار الهادئ والتعقل في حل المشكلات لهو خدمة مجانية للذين يسعون لإذكاء نار الفتنة الطائفية المقيتة لتحقيق مآربهم الخبيثة، فكيف إذا ترافق مع مطالبات مشبوهة بتدخلات خارجية فى الشأن السوري، ألا يرقى ذلك إلى الخيانة الصريحة والمساس بسيادة سورية واستقلال قرارها الوطني”؟.
وقالت “حركة التجديد الوطني” إنه “وإيماناً بدور الدولة كضامن لوحدة الوطن وسلامة مواطنيه، فإننا نقف بقوة خلف مؤسساتها في مساعيها لبسط الأمن وفرض القانون والنظام وحماية السلم الأهلي، ونشدد في هذا السياق على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، باعتبار ذلك أساساً لبناء دولة قوية قادرة على صون الأمن والاستقرار، ومنع مظاهر الفوضى والسلاح المنفلت الذى يهدد المجتمع”.
وطالبت الحركة “بسنّ قانون جديد يجرّم التحريض على الكراهية وترويجها من أي جهة كانت”، وقالت: “وكما تحملت الشخصيات الوطنية في السويداء مسؤوليتها بالأمس في موقف وطني مشهود؛ ندعو جميع الشخصيات والقوى الوطنية إلى تحمل مسؤوليتها التاريخية في هذه اللحظة الفارقة، وتغليب المصلحة الوطنية العليا، فلا مصلحة للسوريين فوق مصلحة سوريا الوطن، الموحد الآمن المستقر المزدهر”.