حدَّدت حكومة محمد شياع السوداني يوم 11 نوفمبر 2025 موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية في البلاد. وقالت مصادر سياسية إن ائتلاف (إدارة الدولة) المكون من كتل شيعية وسنية وكردية، عقد اجتماعاً بحضور قادة (الإطار التنسيقي) الشيعي، وكتلتي تقدم وحزم السنيتين مع كتل الأحزاب الكردية لمناقشة جملة من القضايا السياسية المهمة في البلاد، تقف في مقدمتها إمكانية تعديل قانون الانتخابات، واحتمالية تأجيل الانتخابات نتيجة ظروف المنطقة والتوترات التي تمر بها، كما تم التطرق إلى محاولة إقناع مقتدى الصدر بالعدول عن مقاطعته الانتخابات.
توقعات ما ستفرزه انتخابات نوفمبر المقبل، قائمة على سيرورة ونتائج الانتخابات الأخيرة، التي تمت في في أكتوبر 2021 وأفرزت فوز كتلة التيار الصدري بـ73 مقعدا، لكن فشل التيار بتشكيل حكومة أغلبية، أدى إلى انسحاب أعضاء الكتلة الصدرية من البرلمان، الأمر الذي أفسح المجال للخاسرين (من الكتل الشيعية) في الانتخابات لتشكيل حكومة قادها الإطار التنسيقي على مدى الأعوام الأربعة الماضية، في مفارقة غير مسبوقة، إذ شكل الخاسرون في الانتخابات، الحكومة بينما اعتزل الفائزون الحياة السياسية.
هناك مخاوف اجتماعية ومخاوف بشأن التغييرات المستقبلية، ويعتقد الكثيرون في المجتمع العراقي أن الانتخابات المقبلة قد تكون بوابة للتغيير المرتقب في العراق، ما يجعل العملية مصدر قلق كبير
كما أن المشاركة المتدنية في انتخابات 2021، أشارت إلى حالة عزوف شعبي ويأس عراقي من جدوى إعادة تدوير الطبقة السياسية الفاسدة، لذلك وصلت نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة إلى حوالي 20% فقط، رغم قبول نتائج الانتخابات قانونيا، إذ لا عتبة أو حد ادنى قد يلغي نتائج الانتخابات، إلا أن المشهد يشير بوضوح إلى عزوف شعبي عن المشاركة في الانتخابات، ويتوقع المراقبون أن يكون الحال في انتخابات نوفمبر مماثلا لما جرى عام 2021 من ناحية تدني المشاركة في الانتخابات. ومازال الجدل محتدما حول تعديل قانون الانتخابات، الذي قد يصار إلى تعديله أو تغييره، كما حصل مع كل دورة انتخابية نتيجة عدم رضا الخاسرين على نتائج الانتخابات، إذ ابتدأ النظام الانتخابي بقانون يعتمد القوائم المغلقة، واعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة، ثم تحول إلى قانون يعتمد مشاركة جزئية بين القوائم المفتوحة والمغلقة، ثم أجريت انتخابات عام 2018 بموجب التمثيل النسبي المحسوب باستخدام طريقة سانت ليغو، مع اعتبار كل محافظة دائرة انتخابية، في ظل تصويت واحد غير قابل للتحويل. أما انتخابات 2021 فاعتمدت نظام الدوائر المتعددة، والترشيح المستقل وقسم العراق إلى 83 دائرة انتخابية متعددة الأعضاء. وكانت الكوتا الانتخابية تحت ظل كل قوانين الانتخابات السابقة تنص على وجوب أن يكون ربع إجمالي المقاعد محجوزا للنساء في مجلس النواب، بينما تفرز تسعة مقاعد مخصصة للأقليات (5 للمسيحيين، وواحد لكل من الإيزيديين والشبك والصابئة المندائيين والأكراد الفيليين). ظاهرة تشظي الكتل السياسية بدأت مبكرة هذه المرة، فالبيت الشيعي شهد انسحاب التيار الصدري من السباق الانتخابي، فبعد أن طلب مقتدى الصدر من أتباعه تجديد سجلاتهم الانتخابية في شهر فبراير الماضي، عاد وأكد عدم مشاركة التيار الصدري في الانتخابات المقبلة في بيان رسمي صدر يوم 27 مارس، وعزا سبب الانسحاب إلى وجود الفاسدين المتحكمين بمسار العملية السياسية في العراق، لكن بعض التسريبات تشير إلى مساع شيعية لإقناع الصدر بالعودة للمشاركة في الانتخابات، وهو أمر قد يحصل نتيجة تقلبات رأي الصدر في موضوع المشاركة والانسحاب في الانتخابات السابقة.
أما التغيير الآخر في البيت الشيعي، فتمثل في تفتت حزب الدعوة الذي يعتبر محور كتلة دولة القانون، التي التف حولها الإطار التنسيقي الشيعي. إذ ذكرت تسريبات، لم يتم نفيها رسميا، أن كيانا باسم (مجلس الدعوة الخاص) تم تشكيله ليضم قيادات حزب الدعوة مثل الشيخ عبد الحليم الزهيري، والدكتور طارق نجم عبد الله، والسيد علي العلاق، والدكتور علي الأديب، ووليد الحلي، إلى جانب آخرين من القادة البارزين، الذين ابتعدوا أو أُبعدوا عن مركز القرار، ورغم تأكيد هؤلاء القياديين، أن المجلس ليس انشقاقاً ولا إعلاناً عن ولادة كيان موازٍ، بل خطوة تصحيحية داخلية تهدف إلى «إعادة حزب الدعوة إلى خط الشهيد الصدر الأول»، إلا أن المؤكد أن ما حصل كان انشقاقا عن الكتلة التي يقودها المالكي في الحزب القديم. كذلك صرح بعض المقربين من رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني، عزمه تشكيل كيان سياسي سيخوض به السباق الانتخابي المقبل، معتمدا على ما أنجزه كرئيس للحكومة، وما حصل عليه من التفاف شعبي باعتباره شخصا تنفيذيا ناجحا، إلا أن الأخبار لم تتضح حتى الآن، ولم يتم الكشف عن ماهية الكيان السياسي، أو الكتلة التي سيتزعمها السوداني في الدورة الانتخابية السادسة التي يبدو أنّها ستفرز مزيداً من التشظّي داخل البيوتات السياسية الشيعية والسنية والكردية.
وبشكل عام، يتوقع المراقبون سعي الأكراد إلى إعادة ترميم التحالف الكردستاني، وهو أمر لا يزال مرهوناً بكيفية تشكيل حكومة إقليم كردستان. كما يتوقع المختصون بالشأن الكردي أن تكون المشاركة في إقليم كردستان أعلى من المرة السابقة، ولكنها ليست بارتفاع انتخابات برلمان كردستان نفسها، التي شهدت نسبة إقبال ملحوظة بلغت 72% بسبب المنافسة الشديدة بين الحزبين الرئيسيين. ومع ذلك، فإن حدة المنافسة، قد تكون أقل هذه المرة وبالتأكيد سيكون هنالك تأثير للاحزاب الكردية الصغيرة في انتخابات البرلمان الاتحادي.
أما مشهد البيت السني فيمكننا القول، إن عدة دورات انتخابية مرت على العراق بعد التغيير عام 2003، ظلّ عبرها السنة متحيرين بين المشاركة أو مقاطعة الانتخابات، فنراهم يتساءلون: هل الانتخابات حلال أم حرام؟ كيف نتعامل مع هذه المرحلة؟ ولم يكن هناك مشروع سني مُعدّ لمرحلة ما بعد 2003، ما جعل حتى المحافظات السنية تتردد في اتخاذ القرار والتمثيل، ربما استمر هذا التردد حتى الدورتين الانتخابيتين الأخيرتين. وقد استُغل هذا بشكل ما من قبل الشركاء الآخرين. اليوم، نرى المزاج السني، الذي تحرك عام 2006 مع ثقافة المكونات والهويات الفرعية، بنسبة مشاركة تتراوح بين 10 و15%، ثم اتجه نحو التوجه القومي العروبي، الذي تمثل في كتلة العراقية التي قادها إياد علاوي عام 2010، على أمل خلق مشروع وهوية جديدة. ولم يُكتب لهذا المشروع النجاح ولم يصل إلى نهايته. وبعد مرحلة 2010، تقبل السنة معطيات تتمثل في أن ثقافة المكونات هي السائدة، وأن النظام السياسي لا يسمح بخيارات أخرى، وأن عليهم العمل كسُنة، ثم بعد الانتخابات، يقومون بتشكيل تحالفات عمودية وأفقية مع من يختارونه.
أما فيما يخص التيار المدني الرافض لتكريس سياسات المكونات الطائفية والقومية فيمكننا الاشارة إلى الحزب الشيوعي العراقي، الذي قرر خوض انتخابات نوفمبر 2025 بعد أن قاطع انتخابات أكتوبر 2021 احتجاجا على الفساد وغياب الشفافية. وقد صرح رائد فهمي سكرتير الحزب الشيوعي العراقي بهذا الشأن وقال: «نعتقد أن النظام السياسي يواجه أزمة جوهرية، هذه القضية تختلف عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المُلحة. إذ تكمن المشكلة الأساسية في بنية النظام السياسي الجديد والعملية السياسية القائمة على الطائفية والعرقية». وأضاف، «نتيجةً لهذه الطائفية السياسية المتجذرة، تضررت بنية الدولة بشدة. واليوم، نتفق جميعا على أن دولتنا ضعيفة وعاجزة إلى حد كبير عن توفير الخدمات، وأن الفساد أصبح جزءا متجذرا فيها»، لكنه أضاف متوقعا أن احتمالية الإقبال على المشاركة في الانتخابات المقبلة ستكون ضعيفة كما حصل في الانتخابات السابقة، إلا أن حزبه يحاول جاهدا أن يحشد القوى الوطنية المطالبة بتغيير حقيقي في المشهد السياسي، والتي لن تقنع بالركون إلى الرفض السلبي وانتظار حصول التغيير على يد قوى خارجية. كذلك أشار بعض المراقبين إلى التحديات الفنية المتعلقة بقانون الانتخابات وسير العملية الانتخابية، بالإضافة إلى تحديات سياسية أخرى مثل انخفاض نسبة المشاركة والمخاوف من تدهور التوازن السياسي، خاصة بعد انسحاب التيار الصدري. كما أن هناك مخاوف اجتماعية ومخاوف بشأن التغييرات المستقبلية. إذ يعتقد الكثيرون في المجتمع العراقي أن الانتخابات المقبلة قد تكون بمثابة بوابة للتغيير المرتقب في العراق، مما يجعل العملية مصدر قلق كبير.
كاتب عراقي