أوكرانيا ومأزق المجموعة الأوروبية

تتزايد في الآونة الأخيرة لهجة التصعيد من الرئيس الفرنسي بشأن الوضع في أوكرانيا، عبر دعوة لإرسال قوات عسكرية للدفاع عنها. لكن أشكل على المرء موضوع هل ستكون هذه القوات فرنسية فقط أم أوروبية مشتركة، لأن الرئيس يتحدث، متأرجحا بين الاحتمالين. «متأرجحا».. لأن الكل يعلم في فرنسا أن أيمانويل ماكرون جعل من التأرجح ما يصنع سياسة (التأرجح بين اليمين و اليسار، التأرجح بين السياسي الذي حنكه الالتزام الحزب، وعديم الخبرة الميدانية، لكن المشهود له بكفاءته في مجاله، التأرجح بين المحتوى النظري المتماسك لخطاب المستشار، والخطاب المتعقل والحكيم لشخصيات المجتمع المدني المتجذر في تجارب الحياة)..

المفاوضات وحدها هي المرشحة للوصول إلى صيغة توافقية تكون من قبيل «خيارين أحلاها مر» لا انسحاب عن القرم، ولا عن الدونباس، إدارة أممية على أبعد تقدير

وها نحن نرى الآن ما يمكن أن يمثله التأرجح على مستوى ما يحدده دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة، بوصفه «المجال الخاص» لرئيس الجمهورية، أي الشؤون الخارجية، وأيضا موضوعنا، أي الدفاع. إذن، المجهود الحربي، التجنيد والتعبئة من هذه الصلاحيات، صلاحيات تعيدنا بوضوح إلى عهد مضى. عهد كان الأمر فيه مترسخا في منطق خططته النزاعات العالمية، مصطلحات قديمة من عهد قديم.. واعتقد جازما أنها من عهد قديم فعلا، لكن هناك من يرى غير ذلك، أو بالأحرى، من يلوح بغير ذلك، وإذا كنا نتحدث عن «تلويح»، فلأن الاستحقاقات المقبلة لا يمكن إلا أن تفيد بالتلويح.. فالاستحقاقات المقبلة نووية، وإذا كانت الاستحقاقات التي تلوح في الأفق نووية، فهذا يعني أن أي صيغة مشابهة للحرب العالمية الأولى والثانية غير واردة – كما ليس واردا حديث ترامب إلى زيلينسكي في ذلك اليوم المشهود في البيت الأبيض بأنه «شارف على فتح أبواب الحرب العالمية الثالثة.. «فالنووي ردع وردع مضاد ولا نرى أي طرف تبلغ به درجة الحماقة إلى مستوى الخوض في ما لا تحمد عقباه. لكن في الوقت نفسه التلويح قائم بالألفاظ، وهنا قلما نتحدث عن مفاوضات، فيما يعلم الكل أن المفاوضات وحدها هي المرشحة للوصول إلى صيغة توافقية تكون من قبيل «خيارين أحلاها مر» (لا انسحاب عن القرم، ولا عن الدونباس، إدارة أممية على أبعد تقدير). فعندما يتحدث الرئيس الفرنسي دوريا عن «إرسال قوات فرنسية إلى أوكرانيا»، وعن «أن روسيا تهديد لفرنسا»، يعلم جيدا أن أي تشخيص للصراع بهذه الطريقة يعتبر أمرا مجافيا للواقع، فمن تصدر الأوامر التنفيذية حاليا جهة معروفة، هي إدارة ترامب وليس غيرها، ورسم سياسية على المدى الطويل، بما فيها سياسة حربية (وهي مستبعدة لمن يبحث عن جائزة نوبل للسلام)، لا يمكن أن يقوم على غير هذا الأساس. في نهاية المطاف، ما نحن إلا أمام محاولة متعثرة لبعث مشروع «جماعة الدفاع الأوروبية « الذي صادقت عليه ألمانيا، لكن رفضه البرلمان الفرنسي سنة 1952. إنها محاولة لبعث «معاهدة باريس الفاشلة» التي كانت ستنشئ «مجتمعا دفاعيا أوروبيا» والتي بقيت «معلقة» بل «عائمة في الهواء، لم يتم المضي بها قدما جراء اعتراض.. من البرلمان الفرنسي أساسا.
الأخذ بزمام الأمور حينها هو الذي كان سيجنبنا اعتماد مثل هذه العبارات التسويفية التي تعكس كيف وضعت المجموعة الأوروبية نفسها في مأزق، أكان الأمر متعلقا بضم أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، أو التعقيب الأبدي الروسي في حقنا أننا آخر من يصدق عبارات الوعد والوعيد التي نستعملها.. فهل بقيت الأيام بيننا فعلا لإنشاء جماعة الدفاع الأوروبي؟ كثيرون يشكون..
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية