رواية «دانشمند»: سيرة الغزالي بتوقيع أحمد فال الدين

حجم الخط
0

«دانِشمَند» رواية للكاتب الموريتاني أحمد فال الدين، صدرت العام الماضي عن دار «مسكلياني» للنشر، أراد لها مؤلفها أن تكون سيرة ذاتية مُتَخَيلة للإمام أبي حامد الغزالي، لأن حجة الإسلام الغزالي لم يكتب سيرته الذاتية كاملة لكنه ضم جزءا من تجربته الفكرية والروحية في كتابه الذائع الصيت «المنقذ من الضلال»، ونتفا هنا وهناك في مصنفاته الأخرى. لكن هناك بالطبع كتب أخرى تحكي عن بعض سيرة الإمام الغزالي «كتاريخ الإسلام» و»سير أعلام النبلاء» للمؤرخ الذهبي. الحق أن الكاتب فال الدين بذل جهدا كبيرا لتتبع سيرة الإمام، وإعادة تشكيلها أخذا بعين الاعتبار الجو السياسي والفكري والاجتماعي العام للحقبة التي عاش فيها «حجة الإسلام»، بكل ما تحمله من صراعات سياسية وفكرية وأيديولوجية، استطاع الكاتب وببراعة أن يربط بين خيوطها وتفاصيلها، ليكتب لنا رواية شيقة وأنيقة يستطيع من خلالها القارئ أن يعيش تلك المرحلة التاريخية وأن يتتبع، وهو الأهم، التغيرات التي طرأت على فكر ونفسية الغزالي في مراحل حياته حتى مماته.
بداية اختار الكاتب كلمة فارسية كعتبة لنصّه حيث عنونَه بكلمة «دانشمند» ليستفز بذلك فضول القارئ للبحث عن معنى الكلمة، التي كان يُنادى بها الإمام الغزالي والتي تعني الأستاذ الكبير، أو العالم، أو أستاذ الأساتذة. هذا اللقب ورد في بعض الكتب التي تحكي عن الإمام منها كتب أحد أشهر تلامذته وهو أبو بكر بن عربي في كتابه «أحكام القرآن».
تتوالى بعد ذلك فصول الرواية/ السيرة منذ طفولة الإمام في الطابران في خراسان ويُتمه المبكر وكفاح أمه من أجل تربيته وأخيه أحمد، حيث استطاع الكاتب أن ينقل إلى القارئ صورة الغزالي الطفل بحبكة قصصية وأسلوب ماتع. يلتحق بعد ذلك الطفل الغزالي بمدرسة الطابران، وسيظهر نبوغه منذ الوهلة الأولى على بقية أقرانه، إذ لم يستطع أحد مجاراته في علوم اللغة العربية والفقه وحفظ القرآن. يكبر الطفل وينتقل للعيش في نيسابور للدراسة على يد شيخه أبي المعالي الجويني الفقيه والأصولي والمتكلم الشافعي، الملقب بإمام الحرمين، وكان له كرسي في المدرسة النظامية.
من خلال صفحات الرواية التي فاقت 600 صفحة، يذكرنا أحمد فال بالدور العظيم الذي لعبته المدارس النظامية، التي أُسست في عهد الدولة السلجوقية على يد نظام الملك أحد أشهر وزراء التاريخ الإسلامي على الإطلاق، الذي أنشأ المدرسة النظامية الأولى في بغداد، ليُستنسَخ بعد ذلك نموذجها في باقي حواضر العالم الإسلامي. نموذج يقوم على الحضور الطوعي لطلاب العلم في حلقات العلماء، وعلى المزج بين المعرفة الدينية والعلمية.

رواية «دانشمند» ممتعة بتفاصيلها الدقيقة وسردها المحبك، تأخذنا إلى عوالم الحواضر الإسلامية أيام عزها من نيسابور وأزقتها وباحاتها ومساجدها إلى أصفهان والطابران وبغداد ودمشق والقدس، حيث لم يأْلُ الكاتب جُهدا في وصف معالم وأحياء المدينة، التي تدور فيها أحداث الرواية. لكن تبقى السمة الأبرز في رواية «دانشمند» والسؤال الملح على كل قارئ لهذه التحفة الفنية هي كيف استطاع أحمد فال أن يَنفَذ إلى دواخل الغزالي وما كان يجول في خاطره من أفكار متناقضة، وكيف صوَّر لنا هذه المعاناة الإنسانية المتجلية في الأسئلة المحيرة التي كان يناجي بها الغزالي نفسه؟ كيف استطاع أحمد فال الدين أن يُعبر عن هذه التجربة، أو الأزمة النفسية التي مرّ بها الغزالي، دون أن يُخِلَّ بما يتوافق مع ما توفر له من قراءة في مَتنِ الغزالي، الذي كان غزيرا، شأنه شأن جهابدة مفكري الإسلام في حقبته الذهبية؟
تضُجُّ الرواية بمناظرات الغزالي مع أقرانه ومع تلامذته، يسأله يوما أحدهم ما رأي الشيخ في هؤلاء المتصوفة والحال التي تُذهلهم عن أنفسهم؟ هل يقود حب الخالق الى غياب العقل؟ ويجيب حجة الإسلام:» هم ليسوا أخوف لله من أبي بكر وعمر وأبي ذر. وما كان أي منهم يُصرع أو يذهل أو يُهمِل نفسه»، كان هذا موقف الغزالي من المتصوفة في بداياته، أي قبل أن تُلم به تلك الأزمة النفسية التي جعلته يشك في كل شيء، قرونا قبل ديكارت، ولن يجد له مخرجا منها إلا بخوض تجربة التصوف. يقرر الغزالي أن يبتعد عن السلاطين للتفرغ للتأمل والكتابة حيث يقول «لن يعصمني إلا الانشغال بالتأليف والابتعاد عن السلاطين»، لكنه يتساءل: «ماذا سأكتب؟ أفي النحو بعد سيبويه؟ أفي اللغة بعد الخليل؟ أم في الأصول بعد الشافعي والجويني؟».

تُلح عليه الاسئلة الحارقة وتَقُضُّ مَضجعه: «أنت الذي تتحلق حولك ثلاثمئة عمامة من شباب المسلمين كل يوم راجية عِلمك، ويطاردك المسلمون الباحثون عن اليقين، تسكن قلبَك هذه الخواطر والشكوك؟ من هذا المريض الذي يداوي الناس وهو عليل؟». نرى بعد ذلك الغزالي يصفي حسابه مع الفلاسفة والردود عليهم في كتابين شهيرين «مقاصد الفلاسفة» و»تهافت الفلاسفة»، ليعزِم بعد ذلك على خوض تجربة التصوف لاقتناعه بأن من «ذاق عرف»، أو كما جاء على لسانه في الرواية «ثم فرق بين تعريف السُّكر وذوقه». يأخذنا أحمد فال معه لنكتشف ونعيش تلك التجربة الفريدة التي قادت الإمام الغزالي من البيان والبرهان إلى عوالم العرفان، حيث سيفِرُ الغزالي إلى الله ويستغني عن «الخلائق بقطع العلائق»، «فليس في هذا العالم حركة مباركة إلا كانت بسبب هجرة ومفارقة». ثم تبدأ رحلة أبي حامد الطويلة بهجر موطنه ومنصبه وأسرته، وكل ما أحرزه من مكانة اجتماعية وما حظي به من رضى السلطان، رحلة دامت لأكثر من عشر سنوات تنقَّل خلالها بين دمشق والقدس والخليل ومكة والمدينة المنورة، اعتزل فيها الناس ما استطاع الى ذلك سبيلا ليخلو إلى نفسه وللحديث مع نفسه واستكشافها. تكللت هذه العزلة بكتابة أحد أهم كتب الأوائل، الذي شغل الدنيا والناس الى يومنا هذا، وهو كتاب «إحياء علوم الدين».
لا شك أن تجربة أبي حامد الغزالي وسيرته ومَتْنُه، كل ذلك جدير بالاهتمام وإعادة القراءة، حيث يراه البعض من أهم مفكري الإسلام، ويراه البعض الآخر من المفكرين المعاصرين، إنه أحد أهم مؤسسي الأزمة في العقل العربي، كما يقول الجابري! أو كما جاء على لسان أبي بكر بن العربي الفقيه السني، الذي كان معاصرا للغزالي: «شيخنا أبو حامد بَلَعَ الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع!»
رواية «دانشمند» تعيد الاعتبار لهذا المفكر والفقيه الصوفي لتجربته الفريدة ولتغيرات مساره بالموازاة مع التقلبات السياسية، التي عرفها عصره من صراع بين الدولة السلجوقية والخلافة العباسية ودسائس الباطنية وأخيرا من إقبال وباء الصليبيين على بلاد الإسلام.
ولعل من الإنصاف أن نشهد لأحمد فال الدين بنجاحه في مهمته في إعادة تركيب هذه الفسيفساء بإتقان في روايته «دانشمند» وتقديم الغزالي الإنسان للقارئ العربي، حتى قال في حقها البعض إنها إضافة نوعية الى قائمة المراجع التي عنيت بمسيرة «حجة الإسلام» لا غنى عنها لمن أراد التعرف على سيرة هذا العلّامة ولعلها كذلك!

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية