بوعلام صنصال… مأزق الوعي بالتاريخ والذات

يتأسس الوعي بالإبداع على وعي موقع الذات من تاريخها وبيئتها وثقافتها الأصيلة التي تربتْ عليها، وشكلت رؤيتها للعالم في كشفها عنه الغطاء عن طريق الكتابة المحرِجة بأسئلة الذات والراهن.
إن أحد مآزق الوعي الإبداعي يكمن في الخلط بين الحرية كأفق للإبداع والارتهان لرؤية الآخر في تشكيل الوعي الذاتي بالكتابة، والحال هذه لا يمكن أن نقول بوحدة الشرط الوجودي الذي يحدد علاقة الذات بالكتابة، لأن الواقع والبيئة كفيلتان بترميم شقوق الرؤية لتقول الذات في حركتها في التاريخ والثقافة، نقدا ومساءلة، لكن بحميمية القرابة والمحبة، وهو ما تنكر له بوعلام صنصال في كل كتاباته وخرجاته الإعلامية في علاقته بالتاريخ الوطني وبيئة المنشأ.

أسئلة الوطن والتاريخ:
ما معنى أن يتخذ فرد ما موقفا سلبيا من تاريخه الوطني، موقفا يتنكر للحقائق التاريخية المثبتة واقعا ونصا، ومنه يمارس عملية التدليس الممنهج والمسند من قوى تعادي الثوابت الوطنية لأنها انتهكتها ذات حين من التاريخ؟ ما معنى أن تكون في حماية المحتل السابق للوطن والذات، لتؤكد رؤيته للتاريخ وهو يزيفه على قارعة الإبداع الروائي؟ لا يمكن تكييف هذا الموقف من قبل الذات الوطنية التي قد تعارض السلطة، لكنها لا تقبل بمعارضة التاريخ الوطني، الذي توحدت فيه التيارات الوطنية بتوجهاتها كافة، لتكون روحا واحدة طاردة للروح الاستعمارية الشريرة، لا يمكن تكييف هذا الموقف سوى كونه خيانة وطنية وإنسانية للذات الجمعية التي هبت لتحرير الوطن من الغصب الاستدماري.
إن مخرجات مفهوم «الوطن» تتجلى في الوطنية والمواطنة، الوطنية باعتبارها إحساسا بالانتماء إلى رقعة جغرافية، امتد فيها التاريخ بحسبانه مُنْجَز المواطن التاريخي، والمواطنة باعتبارها علاقة تتمحور حول جدليتي الحق والواجب. ليس من الحرية في شيء أن ينتهك وعيٌ مضللٌ الوعيَ الجمعي بالانتماء لوطن محدد المعالم الجغرافية والتاريخية، لأن ذلك لا يتوافق ومبادئ العيش على رقعةٍ، مانحة الفردِ هويته الوطنية المحققة لوجوديته في العالم.

الرواية ودراما التاريخ:
يعتبر سلوك بوعلام صنصال في تقوله على التاريخ الوطني بـ»أكاذيب تاريخية» لا تستند إلى أي مرجع تاريخي أو إنساني، موقفا عدائيا مؤكد للرواية الاستعمارية المنكِرة لأي وجود جزائري في التاريخ، وبالتالي فهو يغذي أطروحة الجزائري المنفصل عن التاريخ التائه في الأرض، وهو ما لا يوافقه عليه أحد ويصبح القانون الذي أسسته الجماعة الوطنية – المستندة في وجودها الشرعي إلى نضال مستمر وحرب تحريرية جاءت على أكثر من خمسة ملايين شهيد منذ أن وطئت أرجل الفرنسيس أرض الوطن – فاصلا في القضايا التي تضع الوجود التاريخي للجزائري محلا للشك والريبة.
إن فن الرواية باعتباره الفصل السردي للحكاية الوطنية، يعتمد على التاريخ كإطار والمتخيل كحركة درامية للوقائع التاريخية الثابتة، ومن هنا يجب الفصل بين التشكيك ومساءلة التاريخ الوطني، فالتشكيك يحاول اقتلاع «الحقيقة التاريخية» ليحل محلها «حقيقة مزيفة» تخدم جهة ما، أو رؤية ما، أما مساءلة التاريخ فهي تحريك للذاكرة الوطنية ضمن مسمياتها التاريخية، وحقائقها الثابتة، كي يصبح التاريخ مصاحبا للوعي الوطني في تمثلاته للوطنية والمواطنة.
يجعلنا تشبيه العمل الفدائي الوطني بالإرهاب، كما قدمه بوعلام صنصال أمام سؤال جوهري يتعلق بالحرية الإبداعية التي تنال من الوعي الإبداعي ذاته والوعي الوطني، فهل من الإبداع في شيء أن يصبح كلا الوعيين في مرمى «الانحراف» عن جادة الرؤية الإبداعية التي تتبنى الجمال كمحرك بدئي لفعل اللغة المناهضة لرتابة المستهلك والعادي؟

صنصال وأكذوبة «التحضر الاستعماري»:
لا يصدر بوعلام صنصال في رواياته وخصوصا «قسم البرابرة» 1999، التي اعتبرها النقاد تمجيدا للاستعمار، ورواية «قرية الألماني أو مذكرات الأخوان شيلر» 2008، التي ربط فيها بين الثورة التحريرية والنازية، عن وعي بجدوى الكتابة في ترسيم أفق الذات القابلة لمناقشة الأشياء في مواضعها، وفي سياقاتها المعرضة للنقد والمساءلة، ولكنه في مواقفه إنما يتجنى على الوطن والتاريخ، في دحضهما لأكذوبة «التحضر الاستعماري»، لأن كل استعمار إنما هو ردم لهوية أصيلة، وإنبات لهوية بديلة، وما فعله صنصال هو من قبيل التقرب للدوائر الاستعمارية التي لم يقبلها الجسد الوطني فانتفض بكل عنفوانه ليرمي بها خارج الأفق الواعي لحضور الذات المنبثقة من تاريخها ووعيها وثقافتها.
ما معنى أن يربط صنصال بين الثورة التحريرية والنازية، أو بين العمليات الفدائية والعملية الإرهابية في نيس، سوى إنه يريد أن يُخرج هامشا للتاريخ الموازي الذي يجعل الهوية الوطنية في تماس مع هوية الشك، والانفكاك من مسؤولية إعادة ترتيب البيت الوطني بما يتوافق وعناصر الثورة الماحقة للوجود الاستعماري، حيث تتحقق كل مظاهر فك الارتباط مع المستعمِر التاريخي، في جوانب اللغة والتبعية الثقافية والاقتصادية، وهو ما يقطع حبل التواصل مع الثقافة الاستعمارية التي تروم تكريس حضورها في المشهد الوطني عبر استمرار روحها الاستعمارية في أوصال وروح الراهن الوطني، وبالتالي وأد بذرة النضال المستمر الذي يمكن أن يطوي صفحة الماضي، لكن دون أن ينسى الكلمات التي دونت الألم الاستعماري والعذاب الذي سامه المستعمر للشعب الجزائري.

ادعاءات صنصال وحدود الحركة في النص:
لا شك أن ما أقدم عليه صنصال أو «الابن الضال» يُعتبر تطاولا وعدوانا على الذات الوطنية في أفقها التاريخي، والإشكال أن التطاول كان من باب الإبداع الروائي، وهو ما يجعل سؤال حدود حرية الحركة في النص، وهل التفاهمات الوطنية التي تتأسس عند سطوح الاتفاق على مرتكزات الذات الوطنية، ومن ثمة عدم المساس بها، تشكل (التفاهمات) مساسا بحرية الإبداع، على أساس أن تصريحات صنصال لم يتقبلها الوعي الوطني بكل أطيافه، بمعنى وجود سقف يحدد حركة الإبداع، ولا يمس بالحرية الإبداعية، لأن ذاك السقف إنما يمثل الدرع الواقي للوعي بالوطن والتاريخ وثقافة المنشأ، وهو ما نستشفه من رد عائلة صنصال، على أن صنصال وليد بيت لا مجاهد فيه ولا شهيد، وهو ما أثار حفيضة العائلة التي فعلا، وكما ذكرت أنها تبرأت من بوعلام، لأن زيارته إلى إسرائيل لا تشرف أي جزائري، فرد فعل عائلة بوعلام صنصال اتجاه وصفها بأنها خالية من المجاهد والشهيد، هو ما يجعل التفكير جديا في ترسيم أفق التوافق عند الثوابت الوطنية غير القابلة للمساس.
إن أفق الكتابة المناضلة هو وحده القادر على رد الاعتبار للشرف الوطني الذي في الحقيقة لا يحتاج إلى دفاع، لأنه ثابت بالبداهة، لاندراجه في خانة الدفاع عن الحق المهضوم واسترداد السيادة على الذات والوطن، وبالتالي سوف يوظف أي تحرك قانوني ضد صنصال، على إنه دعاية مجانية له، التي سيركب أجنحتها للتحليق في سماء المظلومية وحقوق الإنسان وفقدان الحرية، للنيل أكثر من الوطنية المظلومة حقا من خلال تجنيه وادعاءاته.

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية