عاموس هرئيل
الرسالة التي أرسلها رئيس “الشاباك” رونين بار إلى قضاة المحكمة العليا في سياق الالتماس ضد إقالته هي إحدى الوثائق الأكثر أهمية التي نشرت في إسرائيل منذ بدأت الحكومة في الانقلاب الثاني في كانون الثاني 2023. نشرت الرسالة أول أمس قبل ما قد يكون الأسبوع الأصخب في الصراع على طابع النظام في إسرائيل. إلى جانب مناقشة الالتماس في قضية رئيس الجهاز بعد غد، تتسع تحقيقات “الشاباك” والشرطة في قضية تدخل قطر في مكتب نتنياهو. هذه الإجراءات تتقاطع معاً من ناحية نتنياهو، الذي قد يواصل طريقه من هنغاريا إلى الولايات المتحدة، ومن الضروري التخلص من بار في أسرع وقت ممكن قبل تحقيق اختراقة في القضية القطرية.
يصف بار في تفاصيل الرسالة التغيير في تعامل نتنياهو معه في الأشهر الأخيرة. وأوضح رئيس الحكومة بأنه قرر إقالة رئيس “الشاباك” لأنه “فقد الثقة به”. وأوضح رئيس “الشاباك” خلفية ذلك. فقد ذكر، كما كشف ميخائيل هاوزر طوف في “هآرتس”، الضغط الذي استخدمه نتنياهو عليه في تشرين الثاني 2024 كي يقدم رأياً يقول إنه لا يستطيع مواصلة تقديم الشهادة في محاكمته لأسباب أمنية. رفض بار طلبه، وأبلغ القضاة بأن المضمون الذي تم تحديده -وهو نقل النقاش في محاكمة نتنياهو من المحكمة المركزية في القدس إلى القبو الرئيسي في تل أبيب- مقبول عليه على اعتبار أنه المسؤول عن حماية رئيس الحكومة.
يصف بار في تفاصيل الرسالة التغيير في تعامل نتنياهو معه في الأشهر الأخيرة. وأوضح رئيس الحكومة بأنه قرر إقالة رئيس “الشاباك” لأنه “فقد الثقة به”
رواية بار تعزز ما كان يمكن فهمه قبل أكثر من سنة: أن مواصلة الحرب، في عدد كبير من الساحات، يفيد نتنياهو شخصياً. وهو يخشى من صفقة لتبادل المخطوفين التي ستعيد الـ 59 مخطوفاً المحتجزين لدى حماس لأن ذلك قد يسقط تحالفه السياسي مع قوائم اليمين المتطرف والائتلاف الذي يترأسه. ولكن إضافة إلى ذلك، استمرار الحرب يشكل حرفاً للانتباه عن المحاكمة وسيستخدم كذريعة للتأخير في خطواته (مع تأجيل الجزء المقلق من ناحية نتنياهو، وهو التحقيق المضاد).
وكتب رئيس “الشاباك” بأنه “حملة تشويه ونزع شرعية” تجري في قضية قطر تستهدف ردع جهات التحقيق وإنفاذ القانون. هو يقتبس نتنياهو الذي سمى المستشارين المعتقلين، يونتان أوريخ وإيلي فيلدشتاين، بـ “الرهائن” وضحايا “الصيد السياسي”، الذي يهدف إلى وقف إقالة بار.
إلى جانب رد المستشارة القانونية للحكومة على الالتماسات، ها هي رسالة بار تقدم جواباً جدياً ومبرراً على الادعاءات التي أسمعها نتنياهو والوزراء المخلصون له ومن يخدمونه في وسائل الإعلام كمبرر للإقالة (إزاء دوره في الإخفاقات التي أدت إلى مذبحة 7 أكتوبر، من الجدير ببار الاستقالة فيما بعد في كل الحالات، لكن لا تتركز النقاشات الآن حول هذا الأمر). من المهم الانتباه إلى الساعات الموقوتة المتنافسة. أول أمس، أُرسل فيلدشتاين إلى الإقامة الجبرية، في حين سيبقى أوريخ، الشخصية الرفيعة والأقرب إلى نتنياهو، في المعتقل حتى غد.
في “أخبار 12” نشر أول أمس عن مواجهة قامت بها الشرطة بين من يجري التحقيق معهما. وجه فيها فيلدشتاين الهائج الاتهامات لأوريخ، الذي حسب قوله ورطه في القضية، ثم تخلى عنه. حاول نتنياهو التنصل من فيلدشتاين في البداية، لكنه تراجع ودعمه بعد ذلك، ثم بدأ يتجاهله مرة أخرى عندما تبين أنه عين لنفسه محامياً مستقلاً بدلاً من المحامي الذي يتساوق مع رئيس الحكومة. جهد الماكينة المتشعبة التي يشغلها نتنياهو يتركز الآن على أوريخ وليس فيلدشتاين. الأمل هو ألا ينهار في المعتقل وفي التحقيق، وأن يتحدث عما يعرفه، كما يبدو أكثر بكثير مما يعرفه فيلدشتاين الذي عمل في المكتب مدة سنة تقريباً.
أصبح الجدول الزمني هنا حاسماً لنتنياهو. في السيناريو الأقل ترجيحاً، الذي لا تتدخل فيه المحكمة العليا ولا تؤجل إقالة بار، يمكن استبداله بسرعة برئيس “شاباك” خاضع ومخلص والعمل على تأجيل التحقيق وإطلاق سراح أوريخ إلى الإقامة الجبرية، قبل اكتشاف تفاصيل أخرى تعرض الرئيس للخطر. هذه فترة حاسمة وخطيرة على سلطة القانون في الدولة. لم يتقدم نتنياهو بعد في تطبيق الخطوة الأهم بالنسبة له، وهي محاولة إقالة المستشارة القانونية للحكومة.
بين غزة واليمن
في الفترة الأخيرة، قدمت مصر اقتراحاً جديداً للوساطة في المفاوضات حول مرحلة أخرى في صفقة التبادل. وأعلنت حماس في السابق عن استعدادها لإطلاق سراح خمسة مخطوفين إسرائيليين على قيد الحياة (هناك تقدير بأن 21 من بين الـ 59 مخطوفاً ما زالوا على قيد الحياة)، رداً على الاقتراح الأمريكي. تطلب إسرائيل إطلاق 11 مخطوفاً أحياء. في الحالتين، يدور الحديث عن مرحلة مؤقتة، وليس عن صفقة تنهي الحرب. ستحاول مصر جسر الفجوة بين الموقفين.
تتحدث الحكومة والجيش عن ظهور علامات ضائقة لدى حماس. واستأنفت إسرائيل القتال في القطاع في 18 آذار، بعد شهرين تقريباً على وقف إطلاق النار، ومنذ ذلك الحين وهي تقصف القطاع من الجو، وتشغل القوات البرية في عدد من المناطق – مداخل بيت لاهيا في الشمال، ومنطقة نتساريم في الوسط، وفي منطقة موراغ ومحور فيلادلفيا في رفح في الجنوب. المقاومة الفلسطينية ضئيلة حتى الآن. إن قتل المئات، بينهم شخصيات رفيعة في جهاز حماس السياسي وقادة في الذراع العسكري، جدد الشعور بالضغط في القطاع، ومثله أيضاً الإخلاء القسري للسكان من مناطق القتال ووقف تقديم المساعدات الإنسانية (رغم أن حماس ما زالت تملك مخزوناً كبيراً)، التي أثرت على استئناف المظاهرات ضد سلطة حماس. حسب مصادر إسرائيلية، هذه هي خلفية استعداد حماس لتليين مواقفها.
تهدد إسرائيل بعملية أوسع لاحتلال القطاع وتفكيك كلي لنظام حماس وقدراتها العسكرية والمدنية. حتى الآن لا يحدث هذا على الأرض
في الوقت نفسه، تهدد إسرائيل بعملية أوسع لاحتلال القطاع وتفكيك كلي لنظام حماس وقدراتها العسكرية والمدنية. حتى الآن لا يحدث هذا على الأرض. عندما تم طرح الخطط على المستوى السياسي، تحدث الجيش عن الحاجة لعدد كبير من الفرق تستند إلى الاحتياط لتنفيذ هذه الخطط. تعمل في الآن قطاع ثلاث قيادات بمستوى فرقة، والقليل من ألوية الاحتياط، التي خدمت أصلاً في المنطقة. الانتقال إلى المرحلة القادمة يحتاج إلى تجنيد واسع. في هذه الأثناء، تضغط إسرائيل على أمل التوصل إلى تحرير المزيد من المخطوفين، لكنها لا تعمل بشكل فوري على إنهاء الحرب، سواء بعملية عسكرية أو صفقة تبادل شاملة.
في زيارته في الولايات المتحدة، سيتناقش نتنياهو مع الرئيس ترامب أيضاً العلاقة بين غزة واليمن. ترامب تحدث مؤخراً مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وطلب منه مساعدة مصر في حرب الولايات المتحدة ضد الحوثيين في اليمن. ورد السيسي بأن الأمر يتعلق بالتقدم في غزة. ربما يوجد لترامب مصلحة متزايدة في التوصل إلى صفقة مؤقتة في غزة. وهذه الصفقة قد تفيد نتنياهو إذا هدأت غضب الجمهور الإسرائيلي منه.
انتهى ولم يُدفن
خطا رئيس الأركان أيال زمير، خطوة انضباطية شديدة جداً في الأسبوع الماضي، بعد أن كشف عن أعمال شغب للجنود والمستوطنين في قرية جنبا جنوبي جبل الخليل. بعد الحادثة بين رعاة فلسطينيين وأحد الرعاة الإسرائيليين، خرجت قوة من كتيبة مدفعية نظامية بمرافقة مستوطنين من قوة الدفاع المحلية، إلى حملة انتقام شملت تخريب الممتلكات والمس بالسيارات. في البداية، تم إخفاء الحادثة عن القيادة العليا. صمم زمير على الوصول إلى المكان؛ وتم توبيخ عدد من الضباط أو عزلهم، وإرسال ضباط وجنود آخرين إلى السجن. سيحدث هذا أيضاً في حالات أخرى من تنمر الجنود ضد الفلسطيني، التي تم كشفها مؤخراً.
رئيس الأركان الآن في ذروة حملة مطلوبة لتعزيز الانضباط العملياتي في الجيش. هذا يشمل أيضاً الحرص على أوامر فتح النار والتعامل مع المدنيين. في فترة سلفه هرتسي هليفي، وجد الجيش صعوبة في الانشغال بهذا الأمر. أولاً، كانت هناك حرب أديرت في مناخ انتقامي إزاء الفظائع التي قامت بها حماس. ثانياً، من قادوا الجيش منذ 7 أكتوبر وجدوا صعوبة في إنفاذ القانون والعقاب ضد مرؤوسيهم، في وقت استمروا فيه هم أنفسهم في مناصبهم رغم مسؤوليتهم عن الإخفاقات. ولكن زمير متحرر من كل ذلك، وهو يصمم على استقامة الجيش بما في ذلك “قطع الرؤوس” إذا كانت حاجة إلى ذلك، كما قال لجنرالات الجيش الإسرائيلي.
جزء من المشكلة، كما تقول هيئة الأركان، يتعلق بانزلاق معايير غريبة من الحرب في غزة إلى المهمات الأمنية الجارية في الضفة. بعد سنة ونصف من القتال، تجد القوات التي خرجت من القطاع (كتيبة المدفعية جاءت من الجنوب قبل يومين من حملة التدمير قرب الخليل) صعوبة في استيعاب أن قوانين اللعب في الضفة مختلفة. ولكن الضفة ليست أساس المشكلة. ربما يكمن الامتحان الأول الصعب لرئيس الأركان، مع امتحان الجيش، في حادثة أخرى حدثت في القطاع قبل أسبوع تقريباً. وسائل الإعلام الإسرائيلية، باستثناء “هآرتس”، ذكرتها مؤخراً.
عشية 23 آذار اقتربت قافلة فلسطينية فيها سيارة إسعاف وسيارات إطفاء من قوة للجيش الإسرائيلي في حي تل السلطان في رفح، أطلق الجنود النار على السيارات التي -حسب قولهم- سافرت بصورة مشبوهة. 15 عاملاً في منظمات الإغاثة (14 حسب الجيش الإسرائيلي)، بينهم مسعف، قتلوا بسبب إطلاق النار. جثث هؤلاء العاملين والسيارات المحطمة وجدت بعد بضعة أيام مدفونة في الرمال. مصادر في الفرقة المسؤولة عن منطقة العملية قالت في محادثة مع الصحيفة في الأسبوع الماضي، بأن الجنود شعروا بالخطر على حياتهم، حين تبين أن لهم علاقة مع حماس بعد فحص هوية معظم القتلى، وأن حماس تستخدم سيارات الإنقاذ لنقل المسلحين. تجميع الجثث ودفنها بشكل مؤقت تحت شباك، كما قيل، جزء من أسلوب سائد يتبعه الجيش الإسرائيلي في القتال كي لا تصل إليها الكلاب. تعود الجيش الإسرائيلي إبلاغ الفلسطينيين عن أماكن دفن الجثث بواسطة المنظمات الدولية.
في المقابل، قال شهود عيان فلسطينيون إن سيارات الطوارئ كان عليها إشارات كما هو سائد، وكانت تسافر بأضواء، وأن الضحايا أعدموا بإطلاق النار عليهم من مسافة قصيرة، وأن بعض الجثث عثر عليها وهي مكبلة الأيدي. وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية نشرت مؤخراً معلومات وشهادات عززت ادعاءات الفلسطينيين. أمس نشرت “نيويورك تايمز” فيلم فيديو كان في هاتف يعود للممرض، ظهر فيه أنه كان على القافلة علامات واضحة خلافاً لادعاء الجيش الإسرائيلي.
في المستوى الأعلى في الجيش، سمعت في نهاية الأسبوع المزيد من علامات الاستفهام حول رواية الفرقة. ويجب التعامل أيضاً مع ادعاءات الفلسطينيين بدرجة من التشكك، والأخذ في الحسبان بأن لحماس مصلحة في جعل كل حادثة قتل حدث دولي بهدف الدفع قدماً بخطوات قانونية ضد إسرائيل. حتى الآن، يبدو أن ادعاءات تطرح هنا حول مذبحة ضد عاملي إغاثة. لذلك، تم نقل الحادثة لفحصها من قبل طاقم التحقيق في هيئة الأركان.
القوة التي أطلقت النار على عاملي الإغاثة هي من لواء “غولاني”، لكنها كانت تعمل وهي خاضعة للواء احتياط. قبل بضعة أيام، نشر فيلم يوثق محادثة لقائد كتيبة في “غولاني” مع الجنود، عشية دخول القطاع مرة أخرى: “كل من تقابلونهم أعداء”، قال للجنود. “إذا لاحظتم شخصاً دمروه”. هذه الأقوال التي تعكس سياسة فتح النار على نحو موسع ومتساهل، أدت إلى قتل كثير من الفلسطينيين في القطاع. وهذه أيضاً هي خلفية قتل المخطوفين الإسرائيليين الثلاثة الذين نجحوا في الهرب من أيدي آسريهم، وأطلق عليهم النار وقتلوا بالخطأ على يد الجيش الإسرائيلي في حي الشجاعية في غزة في كانون الأول 2023.
طاقم التحقيق في هيئة الأركان يترأسه الجنرال احتياط يوآف هار ايفن، المدير العام السابق لـ “رفائيل” ورئيس قسم العمليات في الجيش الإسرائيلي. سترافق الفحص المدعية العامة العسكرية الأولى الجنرال يفعات تومر – يروشالمي. وقبل أسبوعين، حاول وزير الدفاع يسرائيل كاتس العمل على إقالة المدعية الرئيسية. وأعطاها رئيس الأركان دعمه الكامل. الآن هي وهار ايفن، بحاجة إلى دعم آخر – حمايتهم من سيرك الإدانة والتشويه الذي سيبدأ في القريب – من أجل التحقيق في هذه القضية المقلقة حتى النهاية.
هآرتس 6/4/2025