سمائل العمانية مدينة الشعر والخمائل

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

سلطنة عُمان إلى وقت قريب كانت مجهولة للسائح العربي والأجنبي. لكنها بدأت حديثا تنفتح أكثر على العالم وتصبح منطقة جاذبة للسياح من محبي التراث والعراقة والجبل والبحر والأسواق القديمة والاستقرار وحسن الاستقبال، كلها مجتمعة. أصبحت مسقط من الجهات المفضلة للسياح العرب والأجانب كما شاهدت ذلك في زيارات لأسواقها وقصورها وقلاعها ومساجدها. وممكن لعُمان أن تصبح في المستقبل القريب منطقة جذب سياحي كبيرة لما تقدمه للزوار حيث جمعت المجد من طرفية: الأصالة والحداثة.
عُمان كأنها سر مكنون. فهي بلد لا تحب أن تتحدث كثيرا عن نفسها. راضية بما وهبها الله من مصادر الخيرات ومواطن الجمال من جبال وغابات وأنهار وشواطئ ومساحات شاسعة من الأراضي وصحارى. أضف إلى ذلك ما خلفه الإنسان من مبان وقلاع وحصون ومقامات ومساجد قديمة وحديثة. فقد كانت يوما إمبراطورية تمتد من بحيرات وسط أفريقيا حتى حدود شبه القارة الهندية. وانفصل عنها إقليم زنجبار عام 1856 ميلادية بسبب نزاع دب بين الأخوين بعد وفاة أبيهما سعيد بن سلطان. بدأت السلطات العمانية مؤخرا إطلاق حملة واسعة لجذب ملايين السياح سنويا والذين سيعودون محملين بأجمل الذكريات كما حدث معي رغم أن زيارتي كانت قصيرة وآمل ألا تكون الأخيرة. فسلطنة عمان بلد كبير واسع تزيد مساحته عن الثلاثمئة ألف كيلو متر مربع، وعدد سكانه نحو خمسة ملايين ونصف المليون.
قفزت السلطنة نحو الحداثة والتطور في كل المجالات بسبب الاستقرار الذي نعمت به البلاد تحت حكم السلطان قابوس بن سعيد الذي امتد خمسين سنة (1970-2020). بعد اكتشاف حقول النفط في البلاد عام 1967، آثر السلطان، بدل استثمار الأموال في الخارج، تخصيص ريع النفط لتحديث بلد عريق في كل المجالات التعليمية والاقتصادية والبيئية والعمرانية. فلا تجد في عمان ناطحات السحاب كما فعلت دول الخليج الأخرى لكنك تجد دار الأوبرا والجامعات والمدارس الحديثة والقصور التاريخية والقلاع التي تم ترميمها أو تحديثها مع المحافظة على طابعها التاريخي، والمساجد حديثها وقديمها والأسواق التاريخية التي تحافظ على طابعها المعماري القديم مثل سوق مُطرح في مسقط.
خضعت سواحل عمان للاستعمار البرتغالي بين عامي 1507 و1656 حيث هزم المستعمرون في معارك بحرية ولاحقهم أسطول عمان حتى شواطئ أفريقيا. وما زالت القلاع والحصون البرتغالية منتشرة في البلاد وخاصة قرب السواحل.
في عُمان لا يوجد من العمال الأجانب إلا نحو 20 في المئة من السكان، ينتمون أساسا لثلاث جنسيات: بنغلاديش وباكستان والهند، على عكس النسب المرتفعة جدا في بقية دول الخليج، ومعظم العمال الأجانب يتحدثون العربية بعكس أبناء بلادهم في دول الخليج الأخرى لأن جميع العمانيين يتحدثون بعربية نقية وقريبة من الفصحى الوسطية. فعندما سألت سائقا في دبي لماذا لا يتحدث العربية؟ قال لي وهل يوجد في هذه البلاد من يتحدث العربية!
زيارتي لعمان شملت العاصمة مسقط وعددا من المدن والحواضر القريبة التي لا تبعد عن مسقط أكثر من 200 كليومتر. زرت مدينة سمائل ومدينة نِزوى العاصمة الأولى لعمان وبها قلعة وحصن كبير، وبلدة بِدْبد ومتحف «عمان عبر الأزمان» في ولاية منح التابعة لمحافظة الداخلية. ولكني سأركز هنا على بلدة سمائل ومحيطها.

نخيل وشعر وأفلاج

تتميز سمائل بموقعها المركزي الاستراتيجي على مفترق الطرق بين شرق عمان وجنوبها على بعد 85 كيلومترا من العاصمة مسقط، والطريق إليها متعة للناظرين، وأينما وليت وجهك في سمائل فثمة رياض وقنوات مائية (أفلاج) وخمائل. تحيط بها الجبال الشاهقة من الشرق والغرب ويجري بينهما وادي سمائل الذي فصل بين سلسلتين من الجبال- الحجر الغربي والحجر الشرقي، ولا عجب أن سميت بالفيحاء تيمناً بدمشق وغوطتها وحدائقها أو العكس أو مصادفة، لا أعرف. شعارها نخلة «الفرض» وهي نوع من النخيل المشهور بجودة تموره ويعتبر الأفضل في عمان ويصدر منه لدول كثيرة. غابات النخيل تزين المدينة من داخلها والقلاع والمقامات والتكايا تزينها من الخارج. هي عامرة بالمساجد القديمة والحديثة والمحدثة أهمها مسجد الصحابي مازن بن عضوبة. ولا عجب أن كل هذا الجمال الطبيعي الذي حباها الله به أن تكون مصدرا للشعر ووحيا للشعراء. حيث تشتهر من بين ولايات عمان بكثرة شعرائها حتى قيل «وراء كل حجر سمائلي شاعر». كأن واديها هو وادي عبقر الذي يوزع شياطين الشعر على أهلها، كما قال شاعرها الشيخ النحوي عامر بن مرّ الصبحي:
خُذاني إلى أفياء حب سمائلِ ولا تحرماني من نسيم الخمائلِ
ومرا بوجداني على كل روضةٍ عليها لفيف من كرام القبائل
تنفس فيها صبح عز ورفعة وشعشع في أرجائها كل فاضل
إذا ما تقضى مازن جاء مازن يتمم ما أعلى بتلك المنازل

ومازن إشارة إلى الصحابي الجليل الذي له حكاية لا بد من روايتها.
وقال فيها الشاعرالكبير الشيخ أبو مسلم الرواحي في نونيته الشهيرة:
وأين حلقوم هذا المُلـْك معصمه سمائل فهي للسلطان سلطانُ

أما الشاعر الشيخ أبو سرور الجامعي فقال فيها:
سمائل جنات وليس بها عيبٌ سوى كرم المولى ينميها

الصحابي الجليل

إضافة إلى ما حبا الله سمائل من طبيعة خلابة وغابات نخيل وأعناب، بارك الله أرضها بكون أول من دخل الإسلام من أهل عمان كان من بلدة سمائل وهو الصحابي مازن بن غضوبة، رضي الله عنه. سمع بأن نبيا عربيا بعث برسالة سماوية فتوجه إلى المدينة للقاء الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، في السنة السادسة للهجرة. وقد اقتنع بالإسلام بعد لقاء المصطفى وعاد إلى بلاده يبلغ عن الدين الجديد فكان أول من دخل الإسلام من أهل عمان حسب المصادر الرسمية. وضريحه موجود في سمائل بين أشجار النخيل. لكن أهل عمان لا يبجلون الأضرحة ولا يقيمون حولها المقامات الفاخرة بل يتركونها على بساطتها. وقد عجبت من بساطة المقام وسهولة الوصول إليه. فقلت لمرافقي العُماني أتمنى عليك أن تزور ضريح الصحابي أبو زمعة البلوي، رضي الله عنه، في ضواحي القيروان بتونس لتشاهد المقام الذي دفن فيه الصحابي والسرادق أمامه الذي يتسع لمئات الزائرين وستجده عامرا بالناس في أي وقت تزوره.
أما إسلام الدولة العمانية فقد تم بعد أن أرسل الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) في السنة السادسة للهجرة كتابا كتبه أبي بن كعب يدعو فيه ملوك عمان للإسلام، حمله عمرو بن العاص إلى الأخوين، جيفر وعبد (الله) أبناء الجلندي اللذين خلفا أباهما في حكم دولة مترامية الأطراف، يدعوهما فيه للإسلام، وبعد نقاش واستفسارات حول الدين الجديد وما يأمر بها وما ينهى عنه، قرر ملكا عمان قبول الدعوة المحمدية طوعا وقناعة، فعاد عمرو بن العاص يبشر الرسول وقد فرح الرسول كثيرا بهذا التطور الكبير. وبذلك تكون عمان أول دولة تدخل الإسلام رسميا كدولة وليس كقبيلة أو كأفراد. وقد يكون لأصول العمانيين دور في هذا، فهم من قبائل أزد العربية اليمنية التي هاجرت من اليمن بعد انهيار سد مأرب وبقي سكانها تقريبا أنقياء النسب لم تختلط فيهم كثير من القبائل المتنافسة والمتناحرة. لذلك كان تاريخها موسوما بالاستقرار والسلام أكثر من الغزو والحرب والتهجير.
ولا عجب أن أنجبت سمائل عددا كبيرا من الفقهاء والقضاة والشعراء، من بينهم الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي والشيخ حميد بن عبد الله الجامعي والشاعر والفقيه والقاضي عبد الله بن علي الخليلي الملقب بأمير البيان. وحمل أولاد المرحوم راية المجلس الذي أنشأه والدهم تحت اسم «مجلس الخليلي للشعر والأدب»، يجتمع أعضاؤه مرة كل شهر في مسقط لتبادل الأفكار والأخبار والأشعار. ومن حسن حظي أن كان موعد اللقاء السنوي للمجلس في سمائل حيث ضمت القاعة الكبرى لفيفا من الشعراء والأدباء والعلماء، وقرأ عدد من الشعراء قصائد من نظم الشيخ عبد الله الخليلي، وخاصة قصائده عن فلسطين والقدس.

موقع سمائل

سمائل إحدى ولايات محافظة الداخلية ويربطها بالعاصمة طريق حر سريع من أربعة خطوط يعبر الجسور والبوابات القديمة المحدثة، وترى الجبال الشاهقة عن اليمين وعن الشمال. مشهورة بنخليها المميز الذي يطلق عليه اسم «الفرض» ويعد أجود أنواع تمور عمان ويصدر منه للخارج وفي البلد مصنع لتعليب وتصدير التمور. ترتبط سمائل من الجهة الشمالية بولاية بِدْبِد ومن الجنوب بولاية إزكي ومن الشرق بولاية المضيبي ومن الغرب بولاية نخل قرب الجبل الأخضر.
ومن الأشياء التي تشتهر بها سمائل صخور الأفيولايت النادرة حتى أصبح مصطلح سمائل أفيولايت مشهورا بين الدراسات التخصصية للصخور وعلوم الأرض.

المواقع الأثرية

تضم ولاية سمائل عددا من المعالم التاريخية والدينية والمعالم الحضرية الحديثة. وأول ما يجب زيارته مسجد الصحابي الجليل مازن بن غضوبة السعدي الطائي، رضي الله عنه، والمقام في منطقة المضمار. وهو أول مسجد أقيم في بلاد عُمان وتم تحديثه على نفقة سلطان البلاد قابوس بن سعيد وتم افتتاحه يوم 27 أيار/مايو 2017. ومن معالم هذا المسجد قبل ترميمه أنه ضم محرابين أحدهما متجه نحو القدس ثم بني محراب ثان بعد تغيير القبلة من القدس إلى مكة بعد نزول الآية الكريمة «فلنويلك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره» (البقرة 144). لكن الترميم الحديث للمسجد أخفى المحراب الأول. وتنتشر المساجد في الولاية ويزيد عددها على 300 مسجد. وبالإضافة إلى مسجد الصحابي مازن بن غضوبة يوجد مسجد تاريخي آخر يدعى «مسجد القبلتين».
تضم سمائل نحو 115 موقعا أثريا منتشرة في المدينة وضواحيها. إلا أن أهمها على الإطلاق حصن سمائل الشاهق الذي يعد من أعظم المعالم التاريخية في الولاية والبلاد. ويقع على مرتفات جبلية في وسط مدينة سمائل وليس معروفا بالضبط من بناه ولكنه جدد في عهد السلطان الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (1624- 1649). وقد التقينا أثناء زيارة الحصن بفريق إنتاج روسي يصور مسلسلا في الموقع. والقلعة تسمى الشهباء وبرج القلعة يسمى برج الدواء.
وتنتشر في المدينة العيون والواحات الخضراء، وهي من المعالم السياحية البارزة في سمائل التي يصل عدد أفلاجها أو القنوات التي تجري فيها مياه الريّ، إلى نحو 194 فلجا، وأشهرها فلج السمدي. وقد تغنى الشعراء بجمال هذه الأفلاج حيث جاء في ما جمع من شعر لابن المدينة، موسى بن قسور العامري:
أنهارها تعطي الجداول رونقا تكسو حقول الزهر كالأثواب
فترى «المحيدث» باهرا بجماله يحنو بصوت خريره المنساب
وترى «المريفع» كوثرا مترقرقا ونميره يجري بعذب شراب.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية