بعيد فوزه بالانتخابات، تصدر رئيس الوزراء البريطاني الحالي كير ستارمر واجهة اهتمامات المراقبين والمحللين بصورة أوصلت كتاب الأعمدة إلى استخدام عبارات تتمحور كلها حول اختراقات شخصية سياسية فريدة. فعندما تتحدث صحيفة «بوليتيكو»، وهي مرجع دولي في الصحافة السياسية، عن «رحلة شمالية صحبة أقوى زعيم في جيله»، ثم تدقق راغبة في شد الانتباه إلى تأسيسه «واحدة من أكثر الأرضيات الوسطية لفتا للانتباه في العالم» (مبتغى ماكرون أصلا)، لا يخامر أحدا الشك في أن ستارمر تمكن فعلا من قلب «الحزب» (حزب العمال) رأسا على عقب، كما قال. وبكل تأكيد أيضا إن هذه الثورة الداخلية، التي استثمر ستارمر من أجلها «السنوات التسع التي قضاها في المعارضة»، مهدت لموقع استراتيجي بات يحتله الرجل في السياسة الدولية.
لقد كرست قمة القادة الأوروبيين الأخيرة عن أوكرانيا، التي احتضنتها لندن كل هذه المميزات، التي لولاها لما أمكن لنجم ستامر أن يسطع دولياً، وأكثر اللحظات التي سطع فيها نجمه لقاؤه بزيلينسكي. هذا اللقاء الذي جرى على انفراد ممهدا للقمة، كان مناسبة لتطبيق تجريبي لخصال الوسطية التي يجسدها ستارمر. هنا كان حديثه وازنا، انطلق بالتفاتة ودية حارة أولا؛ «انظر إلى هتافات الحشود، كلها من أجلك. الكل يصفق لك. جماهير الأوروبيين تقف إلى جانبك صفا واحدا».
وفي الوقت ذاته لم يفتقد خطاب الزعيم البريطاني أي قدر من البراغماتية: «يجب أن تستأنف الاتصال بالإدارة الأمريكية. لا مفر من ذلك»، ملمحا إلى اللقاء غير الودي الذي جمع زيلينسكي بالرئيس الأمريكي ونائبه.
بريطانيا قوة صناعية قديمة لطالما زاحمت فرنسا على المنصة الدولية، مثلها مثل ألمانيا، لكن بصيغة أخرى، أقل تركيزا على معدلات النمو منه على الدبلوماسية، دبلوماسية الحلول الوسطية
تعجبني مقاربة ستارمر، لأنها تتضمن فعلا كل ما لكلمة «مقاربة» من معنى. فالمقاربة، لغة، عكس الانفعال والعنفوان والانجراف، تجسد التأني والتمعن اللذين هما سر الدقة. لن يجد الصراع في أوكرانيا طريقه إلى الحل، دون حل وسط، حل معروف مسبقا في خطوطه العريضة، حل حدود وأراض. لكنه حل لن يتجسد على أرض الواقع دون تجريب ميداني لأكثر مهارات الوسطية فعالية، ولا أتحدث هنا عن مجرد تقنية الوساطة التفاوضية، بل عن ضرورة وجود شخصيات وسطية.. وكير ستارمر منها. أجل. فكما تعجبني مقاربته تعجبني شخصيته التي برزت نواح أساسية منها عبر تلك المقابلة التي أجرتها معه صحيفة «بوليتيكو».
يروي الصحافي كيف التقى ستارمر على منصة القطار وهو يتجه إلى مدينة ميلتون كينس الجديد، لتنظيم حدث «فطور الزعيم» (leader’s breakfast) حيث اجتمع بمرشحي الدوائر الانتخابية وضيوفهم (أساتذة، رجال أعمال، عاملين في مجال الصحة…) فسألهم عن همومهم فتدفقت الإشكاليات، تصاعد نسب الجرائم، تعاطي المخدرات جهرا في الشوارع، تغيب البنات عن المدارس بفعل التحرش، ارتفاع معدل الاعتماد على البنك الغذائي بنحو 50 في المئة، تعذر ما يقارب 3700 مأوى عن «الضغط على زر التدفئة. «…
أكيد.. أن تفاصيل هذا العمل الميداني المتفاني والدؤوب والدقيق متعلق بالحياة السياسية البريطانية المحلية، لكن مثل هذه التجربة تؤثر جذريا على فلسفة سياسة ومرونة تعاملات ترسي روح الوسطية، وتمنح القدرة على التمكن من منظومة أحكام تحول قاعدة «إمساك العصا من المنتصف» إلى حقل تجريبي ميداني مؤهل للدفع بالأمور قدما. والحقل التجريبي الأقرب هنا كان أوكرانيا، التي تمكن ستارمر بخصوصها ليس فقط من التهوين بعواقب محادثة البيت الأبيض المتعثرة لكن أيضا من إعادة مياه الخط الأطلنطي إلى مجاريها.
أجل. تنخرط توجهات ستارمر في مسار تقليدي فتحته الأسرة اليسارية العمالية في تاريخ بريطانيا (وقد سمى والدا ستارمر ابنهما «كير» نسبة إلى كير هاردي، أول زعيم لحزب العمال البريطاني). هذا المزيج الفريد من الاشتراكية والليبرالية الذي يعتبره اليسار التقليدي تناقضا رسخ الوسطية في الدوغمائية السياسية للحزب، بما مهد السبيل لزعمائه إلى قيادة سفينة سياسية قادرة على تفكيك المعقد محليا ودوليا في مسعى لتحويله إلى قضايا قابلة للتسوية عبر الحلول التوفيقية.
لفتني كيف عبر غابرييل أتال رئيس حزب النهضة الفرنسي الوسطي، حينما طلب منه التعريف بتوجهاته السياسية، عن انتمائه، من بين انتماءات أخرى، إلى «العمالية». في مثل هذا النموذج الذي وضعه ركيزة من ركائز منظومته الحزبية، يستشرف أتال مستقبلاً يمكن أن يشكل ملتقى آراء ومواقف تدفع باتجاه سياسة أوروبية مستحدثة تأخذ على عاتقها قضايا أساسية مثل قضية الدفاع.
والنموذج البريطاني هنا جدير بالمساعدة. بريطانيا قوة صناعية قديمة لطالما زاحمت فرنسا على المنصة الدولية، مثلها مثل ألمانيا، لكن بصيغة أخرى، أقل تركيزا على معدلات النمو منه على الدبلوماسية، دبلوماسية الحلول الوسطية.
*باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي