عالم ترامب: أوروبا دون مظلة أمريكية

ينشغل الإعلام ومراكز البحوث الأوروبية هذه الأيام بدراسة تداعيات تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب، بالتخلي عن حماية القارة الأوروبية، وما إذا كانت دول القارة قادرة على الاعتماد على نفسها.
سياسة التخلي الأمريكية، التي كان ترامب قد أعلنها من قبل وصوله للرئاسة، أكدها وزير دفاعه بيت هيغسيث في الثاني عشر من فبراير/شباط الماضي، حينما صرّح في لقاء جمعه بالحلفاء قائلاً، إن بلاده لم تعد “الضامن الأول” للأمن الأوروبي. هذه التصريحات، التي تكررت في مناسبات مختلفة، جعلت من الصعب استمرار التعويل على الولايات المتحدة، أو على مظلة الحلف الأطلسي، على الرغم من البند الواضح، الذي يدعو لأن يهب الأعضاء دفاعاً عن أي عضو يتعرض لتهديد.
لسوء حظ الأوروبيين فإن هذا كله يأتي في وقت حساس من تاريخهم، حيث تواجه القارة الأوروبية، التي لم يكن أغلب مواطنيها يتوقعون أن تصل الحروب إلى حدودهم، خطر التمدد الروسي الجاد. تداعيات الحرب الأوكرانية جعلت أغلب دول القارة شريكة في صراع عبثي أفقدها الكثير من مزاياها الاقتصادية، وجعلها تواجه أزمة طاقة وغاز، في وقت كانت خرجت فيه للتو من تداعيات انكماش كورونا.
يزيد إصرار الرئيس ترامب على إغلاق ملف الحرب الأوكرانية بأي ثمن، من قلق الأوروبيين، خاصة أن ترامب ظل يردد أن أوكرانيا هي من تسببت في هذه الأزمة، وهو ما كرره في أكثر من محفل ناصحاً الرئيس الأوكراني بالإذعان، قبل أن يلتفت فلا يجد بلداً يحكمه. يخشى الأوروبيون من أن يتحقق هدف إنهاء الحرب على حسابهم عبر تقوية الموقف الروسي، أو ربما عبر تعاون بين موسكو وواشنطن.
فرضية التعاون الأمريكي الروسي أو الوصول إلى صيغة من صيغ التفاهم بين الجانبين غير مستبعدة، خاصة بعد اللقاء، الذي جمع مسؤولين أمريكيين وروس في الرياض في الثامن عشر من شهر فبراير/شباط الماضي، وهو اللقاء الأول من نوعه منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية. كان من اللافت حينها حرص الأمريكيين على أن لا يشمل الاجتماع ممثلين عن أوكرانيا، أو عن “حلفائهم” الأوروبيين، على الرغم من مناقشته موضوع الحرب. هذا التقارب يعني إنهاء جهود أوروبية استمرت منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات وهدفت إلى عزل الرئيس الروسي بوتين وتصويره كمجرم حرب. مد الولايات المتحدة يدها مجدداً لزعيم الكرملين، مثلما رشح عن اتفاق محتمل حول التعاون الاقتصادي، يعني منح بلاده فرصاً جديدة للانتعاش، ما يجعل أوروبا هي الخاسر الوحيد في كل هذه القصة. يعيد كل هذا إلى الأذهان المشكلتين الأساسيتين اللتين تواجهان القارة الأوروبية اليوم، والمتمثلتين أولاً في أن دول هذه القارة ضعيفة بشكل عام في ما يتعلق بالمقدرات العسكرية، وأنها إذا حاولت تعويض ما تحتاجه والانخراط في بناء ترسانة قوية وكافية لحمايتها، فإن هذا سوف يأتي على حساب حالة الرخاء الاجتماعي، التي تتميز بها معظمها، والتي تمكن المواطنين من الصبر على حالة التضخم والركود الاقتصادي والعطالة. المشكلة الثانية هي أن دول القارة، وعلى الرغم من انخراطها في اتفاقات ومعاهدات وروابط، على رأسها مؤسسة الاتحاد الأوروبي نفسها، إلا أنها ما تزال متشاكسة في ما يتعلق بقضايا كثيرة، على رأسها ما يرتبط بالأمن والدفاع، فيصعب على سبيل المثال، أن تجد متحدثاً واحداً باسمها في ما يتعلق بالتفاوض مع الروس والأمريكيين، حيث اعتدنا أن نرى كل دولة وهي تلجأ للبحث عن مصالحها الاقتصادية والأمنية بشكل منفرد. أوروبا ما تزال لاعبا اقتصاديا مهماً، وما تزال تستطيع ممارسة الكثير من العقوبات التجارية والمالية، لكنها على الجانب الآخر تظل هشة في ما يتعلق بالجانب العسكري، ولذلك فقد اختارت منذ البداية أن تجر معركتها مع روسيا لساحة الاقتصاد. كان في ذلك مخاطرة أيضاً، لأنه كان بالإمكان أن ترد روسيا على هذه العقوبات الموجعة بعمل عسكري. الضامن الوحيد، الذي كان يقي من ذلك الاحتمال كان المظلة الأمريكية الأطلسية، التي تبدو مهددة الآن.
يعيد كل ذلك إلى الواجهة النقاشات القديمة عن جدوى الحلف. التحالف، الذي شغل العالم منذ نشأته إبان الحروب العالمية، والذي يوصف بأنه أنجح تحالف عسكري في التاريخ، لم يكن في عقوده الأخيرة سوى منبر للتعبير عن مصالح متناقضة. الناتو، مع كل الثقل، الذي يحمله هذا الاسم، لم يكن يستطيع أن يمنع روح التنافس بين أعضائه، وهو ما كان يظهر بشكل واضح في ما يتعلق بتركيا، التي كان ينظر إليها كشريك ومنافس وتهديد في الوقت ذاته، لدرجة وصلت حد تعاون أعضاء في الحلف مع منظمات تهدد أمن ذلك البلد ووحدته.

يخشى الأوروبيون من أن يتحقق هدف إنهاء الحرب الأوكرانية على حسابهم عبر تقوية الموقف الروسي، أو ربما عبر تعاون بين موسكو وواشنطن

ما تفعله الإدارة الأمريكية الجديدة اليوم هو أنها تزيد الشرخ أكثر وتعمقه بين شقي الأطلسي، ففي مؤتمر ميونخ العالمي للأمن، الذي عقد قبل أسبوعين شن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس هجوماً غير مسبوق على أوروبا، التي اعتبرها “منحطة” و”غير ديمقراطية”. فانس، الذي انتقده الإعلام الأوروبي بسبب دعمه المعلن لحزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف شدد على أن مشكلة أوروبا ليست روسيا، وإنما هي مشكلة داخلية تتمثل في حرية التعبير والهجرة. شغلت هذه التصريحات الرأي العام قبل أن تنافسها كلمات الرئيس الأمريكي، الذي تخلى عن الدبلوماسية عندما التقى بالرئيس الأوكراني في البيت الأبيض واستغل الفرصة من أجل أن يوبخه على الملأ ويتهمه بالتسبب بكل هذه الفوضى. نظرية التسوية الأمريكية تقوم على إرضاء بوتين، من خلال منحه بعض الأراضي وحفظ ماء وجهه، وصولاً لوقف إطلاق نار مؤقت أو دائم، لكن التساؤل الأوروبي الأوكراني هو عن ضمانة تحقق ذلك، وما إذا كان مثل هذا الاتفاق يمكنه أن يبعد فعلاً شبح التهديد الروسي.
كثيراً ما يستدعي الأكاديميون الأوروبيون التاريخ، محذرين من تكرار الخطأ، الذي حدث في التعامل مع الزعيم النازي أدولف هتلر، حين تمت الموافقة على منحه بعض الأراضي الأوروبية من أجل لجم طموحه واتقاء شره. هذه الفكرة، التي توافقت عليها دول مركزية حينها، لم توقف أحلام هتلر التوسعية، بل جعلته على العكس يشعر بأن الوقت مناسب للانقضاض، وأن مزيداً من التقدم ممكن.
في مقاله “أمريكا أصبحت عدو أوروبا، فهل تنقذها تركيا؟” رأى الكاتب التركي كمال أوزتورك أن تركيا، بما تملكه من قوة عسكرية وبشرية، بصفتها الجيش الثاني في الحلف، يمكنها أن تعزز المكانة الأوروبية، وأن توفر للقارة بعض التحصين الأمني، إذا ما تم استيعابها والتعامل معها بندية. أوزتورك يعود ليقول، إن هذا صعب، فمن ناحية يصعب على الأوروبيين حالياً الاقتراب أكثر من تركيا، أو فتح الأبواب لها في ظل هيمنة الخطابات اليمينية المعادية للإسلام، أما من الناحية الأخرى فتركيا نفسها لم تعد بالحماس ذاته لكسب ود الأوروبيين، خاصة أنها تتمتع بعلاقة جيدة نسبياً مع الولايات المتحدة ورئيسها ترامب. يمكن أن نضيف إلى ذلك أن تركيا استفادت من استقلالها ونأيها عن الموقف الأوروبي، الذي كان مصطفاً بشراسة مع كييف في مقابل موسكو، التي تم التعامل معها كعدو. ذلك الاستقلال سمح لأنقرة أن تلعب أدوار وساطة مقبولة، وأن تستفيد من علاقة متوازنة مع جميع الأطراف بعكس غيرها من العواصم الأوروبية.
كاتب سوداني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية