مرسومة كل حيواتنا بعلاقات الدم الذكورية التي تربطنا ربطاً خيالياً لا يمت للواقع ولا للعلم بصلة، تُبنى علاقات وتهدم، تُزين المصائر وتُشوه، تُقتل الأرواح وتُحفظ، تُرسم العائلات وتقام الزيجات وتتشكل الولاءات وتصاغ العادات والتقاليد والأعراف بل وحتى القوانين المدنية بناء على علاقات الدم الأسطورية تلك التي لا منطق عقلاني لها ولا أساس علمي يسندها.
بل ومازالت، في القرن الحادي والعشرين، تُرسم الدول على أساس العلاقات الأبوية ويُقيم مواطنوها على أساس من روابطها. فمازال هناك ما يقرب من الثلاث وعشرين دولة التي لا تمكن المرأة المواطنة من تجنيس أبنائها، دع عنك زوجها، ولا تعطيها الكثير من الحقوق المدنية المواطنية بحكم أنها مواطن من الدرجة الثانية، يعتمد انتماؤها وثبات حقوقها على امتدادها الذكوري أولاً ثم ارتباطها الذكوري ثانياً: هي تأخذ حقوقها تحت مظلة والدها، ثم تكتسب حقوقاً أخرى، مثل السكن كما يحدث في الكويت، تبعية لزوجها. وإذا حدث أن انفصلت الزوجة قبل حصول الزوجين على السكن، يبقى الحق في السكن محفوظاً للزوج، لا شيء منه للزوجة بحكم أنها قد تتزوج بآخر وتحصل على حق السكن تبعاً له. المرأة في دولنا، بناء على الأعراف والقراءات الدينية الجامدة، لا كيان منفصل حقيقي لها مواطنياً، ولا أرض صلبة تحفظ لها حقوقها إنسانياً بما أنها أقل درجة، أقل درجة في المواطنة، أقل درجة في الإنسانية.
وفي عارض حملة لمراجعة عملية التجنيس وتبعاتها للسنوات الماضية في الكويت، تم سحب الجنسية الكويتية عن آلاف المواطنات الكويتيات مؤخراً، اللواتي تجنسن تبعاً للزوج وطبقاً للمادة الثامنة من قانون الجنسية الكويتي، ليرسم الحدث منعطفاً حاداً في تشكيل الهوية الكويتية من حيث تعزيز جذرها الذكوري وخلخلة قواعدها الأنثوية. انخفض عدد المواطنات الكويتيات بشكل كبير بعد حملة السحب هذه، وتعززت فكرة الخوف وغياب الأمان عن الأنثى بحكم كونها الحلقة الأضعف ليس في المجتمع الكويتي ولكن في المجتمع الدولي ككل. وها هو الرابط الذكوري يعيد تعزيز وتثبيت نفسه، وهو هنا يتثبت ليس فقط برابط الدم ولكن كذلك برابط الفكرة الذكورية التي تصيغ الهوية على أساس التاريخ والامتداد العرقي.
وقد عادت هذه الفكرة بإلحاح مع البروز الأخير لحوار دائر حول مصائر أطفال غزة، ما يمكن أن يحدث لهم وصور المساعدة الممكن تقديمها خصوصاً لهؤلاء الذين فقدوا كل أفراد عائلاتهم، ولاحقاً كل فرصهم في حياة أسرية «طبيعية»، وإن كانت كل صور الحياة الطبيعية منتفية منذ زمن فعلياً داخل قطاع غزة، التي يحتاجها أي طفل صغير. دار الكثير من الحديث عن التبني وحول أخلاقية خلع هؤلاء الأطفال من القطاع الذي هو موطنهم والذي سيحتاج لهم ليس فقط في صباهم أو بعد بلوغهم، ولكن كذلك حتى وهم أطفال صغار، أطفال حكم عليهم القدر بتولي حمولات ومسؤوليات تفوق أعمارهم وقدراتهم النفسية والجسدية وتتعارض وكل مفهوم حقوقي إنساني يتعامل مع قضية رعاية الطفل وحمايته. تدور الآن جُمل معبرة كلما تم تداول فكرة مراعاة أطفال غزة: واجبنا تبني أيتام غزة ليكبروا خارج دائرة الحرب، بل لنبعث بأطفالنا يربيهم الغزاويون، لربما نراهم على هذه الدرجة من الأخلاقية والصمود. لكن كل هذه الجمل المعبرة المؤثرة لن تنفي حقيقة أن أطفال غزة يبقون أطفالاً، يحتاجون الحماية ويستحقون عيشاً كريماً رغيداً بهيجاً كما يستحقه كل طفل في العالم. فكيف تتحقق هذه المعادلة؟
الإجابة في صعوبة وحساسية شديدتين، فبقاء الأطفال الأيتام داخل القطاع يعني بقاءهم في مربع أشرس حرب عرفها القرن الحادي والعشرين دون وجود عائل مباشر يحميهم ويكون مسؤولاً عنهم، إخراج الأطفال من القطاع يعني انتزاعهم من أرضهم، ويعني حرمان الأرض منهم ومن نضالهم الذي سيكون. وأساساً من له الحق في مناقشة ذلك الأمر الخطير؟ بل ربما هو واجب علينا جميعاً أن نناقش هذا الأمر الخطير؟ هل ستتسبب خطوة مثل هذه في ضياع الهوية الفلسطينية من هؤلاء الأطفال؟ هل يمكن ضمان حالة أسرية حقيقية وانتماء كامل متكامل لهؤلاء الأطفال في هذه الأُسر والمجتمعات؟ هذا السؤال الأخير هو الأشد حساسية من حيث تقاطعه مع المنهجية الذكورية لدولنا العربية الإسلامية، ذلك أن التبني في هذه الدول غير مسموح به بالمعنى المكتمل، حيث المحافظة على امتداد الدم و«حقيقية الانتماء العرقي»، رغم أنهما أكبر أكذوبة كذبها البشر على أنفسهم وصدقوها، يمنعا الاكتمال الحقيقي لموضوع التبني. في الدول العربية الإسلامية، لا يحمل الطفل اسم عائلته الجديدة ولا يرث منهم ولا يتحصل على حقوق الابن «الشرعي». فأين ستترك عملية التبني هذه هؤلاء الأطفال الخارجين من حرب تطهيرية ما أبقت لهم شيئاً من القوة الجسدية أو النفسية؟
عند الغرب، العلاقة الإنسانية أهم من علاقات الدم: لذا، التبني والتجنيس والانتماء المواطني وغيرها من صور الربط الإنساني ميسرة عندهم، حيث يقيمونها بطريقة مختلفة وينظرون لعمقها وأواصرها نظرة بعيدة عن العشائرية والذكورية. عندنا، مازالت كل هذه الروابط الإنسانية أسيرة الفكر العشائري الذكوري، مازالت كلها محكومة بدم الذكر ومساقة به، ما قاد وما زال لمصاعب إنسانية جمة إزاء «المختلف» وإزاء النساء وكل إنسان يبحث عن كيان له خارج إطار الرابط الذكوري.
لست هنا تحديداً أدعو لتبني أطفال غزة، لا أدري إن كان يحق لنا مثل هذه الدعوة أصلاً وما إن كانت هذه دعوة حكيمة تخدم الداخل الفلسطيني. سيكون هذا شأناً غزاوياً بحتاً، نقبل بحكمهم فيه ونعينهم عليه، إلا أنني أقيس مدى إضرار الفهم الأبوي للعلاقات الإنسانية بالمحاولات الإغاثية، خصوصاً تلك التي تمتد للنساء والأطفال والتي تحاول أن تجد مكاناً جديداً لهم. متى يا ترى يصبح الإنسان أهم من أصله وفصله وعرقه ودينه في منطقتنا المنكوبة هذه حتى نبدأ بتعديل الحال ولملمة الجراح؟