الكونتر تينور: الصوت الأوبرالي النادر

من بين الأصوات الغنائية الأوبرالية يبرز صوت الكونتر تينور، كصوت رجالي جميل ونادر، والندرة لا ترجع إلى محدودية توفره فحسب، بل إلى محدودية الأدوار المتاح أداؤها أيضاً، والتي ترتبط في الغالب بفترات فنية تاريخية معينة. الكونتر تينور صوت مرتفع له نطاقه وطبقاته وتقنياته الخاصة، يستطيع أن يؤدي نغمات تتجاوز النطاق الطبيعي لصوت الرجل، ما يجعله صوتاً فريداً بالفعل يتميز بجاذبية تختلف عن أي صوت آخر من أصوات الغناء. يمكن القول إن الكونتر تينور هو البديل العصري لصوت الكاستراتي في العصور القديمة، بما كان فيها من ممارسات وحشية وتشويه لجسد المغني منذ طفولته ووقف عملية تطور الصوت ونضجه الطبيعي المتعارف عليه لدى جميع الذكور، كل ذلك من أجل أن يكون كاستراتو يُمتع الجمهور بغنائه في الأوبرا. انتهت تلك الممارسات، وتم تجريمها في نهايات القرن الثامن عشر، وظلت هناك مجموعة من الأدوار الأوبرالية المؤلفة خصيصاً لهذا الصوت لا تجد من يؤديها، ومع الوقت تم تطوير تقنيات مختلفة من الغناء، تستطيع أن تنتج هذا الصوت بشكل مستعار، من أبرزها تقنية الفولسيتو. وتولى الكونتر تينور مهمة إحياء تلك الأوبرات القديمة، وإظهار جماليات ما لحنه عظماء الموسيقى الكلاسيكية لأصوات الكاستراتي.


يتميز صوت الكونتر تينور بالرقي والأناقة، بالإضافة إلى عذوبة الغناء والبراعة التقنية، والقدرة على أداء القطع الفنية فائقة الصعوبة، وكذلك يتميز هذا الصوت الفريد النادر بقدرته على غناء الطبقات الحادة العالية جداً التي يغنيها صوت الميتزو سوبرانو. يتدرب مطربو الكونتر تينور على أساليب الغناء الأوبرالي مثل البيل كانتو والباروك نابوليتان، ويقوم أغلبهم بأداء الأدوار الرئيسية في أشهر أوبرات عصر الباروك في القرنين السابع عشر والثامن عشر، التي كتبت خصيصاً في حينها لصوت الكاستراتو، حيث كانت الغلبة والسيادة للكاستراتي (جمع كاستراتو)، الذين كانوا نجوم ذلك العصر، وحظوا بالمجد والشهرة والثروة. كان الكاستراتو يؤدي دور الرجل والمرأة في الأوبرا لأنه في ذلك الوقت لم تكن الكنيسة تسمح للمرأة بالغناء وإظهار صوتها، وكان التأليف الموسيقي في ذلك الحين يتم وفقاً لأصواتهم وما يلائم طبيعتها، مثل الكاستراتو «كافاريللي» الذي كتب له هاندل أكثر من أوبرا، ومع اختفاء الكاستراتي وانقضاء تلك الحقبة بكل تقاليدها، لم يعد هناك وجود لذلك النوع من الأصوات في العصور الحديثة، وصار يؤدي تلك الأدوار التي كُتبت من أجلهم في السابق الكونتر تينور من الرجال والميتزو سوبرانو من النساء.

هاندل وصوت الكونتر تينور

نجد صوت الكونتر تينور في الكثير من أعمال الموسيقار الألماني جورج فريدريك هاندل، الذي يعد من أبرز نجوم عصر الباروك، إلى جانب يوهان سباستيان باخ وأنطونيو فيفالدي. قدم هاندل بالإضافة إلى مؤلفاته الموسيقية العظيمة كموسيقى الماء والمسيح، الكثير من الأوبرات المهمة أيضاً، ولهاندل يرجع الفضل في وضع الأوبرا الإيطالية في قلب الثقافة البريطانية، فهو من أتى بفن الأوبرا إلى لندن في بدايات القرن الثامن عشر، عندما فرّ هارباً من بلاط جورج الأول أمير هانوفر في ذلك الوقت، لتدور الأقدار ويلحق به الأمير في لندن ويصير جورج الأول ملك بريطانيا العظمى، ويجد هاندل نفسه محاطاً بما فرّ منه في السابق، لكنه تصالح مع الأمر الواقع وعاش معه في وفاق، واستمر في تأليف موسيقاه وأوبراه.
تميز هاندل بنوع خاص من الأوبرا، هي الأوبرا الجادة الرصينة المستمدة من الملاحم الكبرى، المليئة بالأبطال التراجيديين، الذين يواجهون الأخطار التي تهدد حياتهم، والعشاق المحطمين المحكوم عليهم بالفشل، وهي أوبرات تحتوي على الكثير من المشكلات العاطفية الخطيرة، وتزخر بألحان هاندل العذبة التي تفوق حد الإبداع، وفي ريبرتوار الموسيقار الباروكي العظيم نجد العديد من القطع الخالدة الجديرة بالإكبار والتبجيل، لا تزال تلك القطع المقبلة من زمن بعيد جدا تستطيع أن تلمس الروح الإنسانية، وأن تنقل المشاعر والأحاسيس للشخصيات الأوبرالية بالإضافة إلى جمال الصوت.
نستمتع بهذه الأعمال في أوبرات مثل «يوليوس قيصر في مصر»، «رينالدو»، «سيرس»، وكذلك في أوبرا «بارتينوب»، التي تحظى بشهرة أقل بين أعمال هاندل وهي على عكس أغلب أعماله، أوبرا هزلية فيها الكثير من المرح والتنكر والتخفي والتباس الأجناس. وقد يقف السامع طويلاً أمام جمال آريا «مرتعداً وسط العواصف» من أوبرا أوريست المستوحاة من «إفيجينيا في تاوريس» ليوربيديس. وكذلك أمام الأنشودة الجليلة Scherza Infida من أوبرا آريودانتي، تنقل لنا هذه الآريا الساحرة مشاعر الفارس آريودانتي، عندما يغني لحبيبته الأميرة الاسكتلندية جينيفرا في اللحظات الأخيرة من حياته، قبل أن يقدم على الانتحار بسبب خيانتها، حيث يقول لها: «أنت بين أحضان عشيقك، وبفضل خطيئتك سأكون أنا في أحضان الموت». تحتوي هذه القطعة الفنية الفريدة على قدر هائل من المشاعر المركزة، ما يمنحها كثافة موسيقية مضاعفة تبرز جمال الصوت وتقنيات نقل العاطفة عن طريق الغناء، حيث يعبر الغناء ببراعة فنية راقية عن نفس آريودانتي الشريدة التي غلبها اليأس والقنوط، ويظهر الغضب والألم والحزن العميق المتصاعد في صوته، كما تجسد هذه الآريا سمات موسيقى عصر الباروك وأسلوب الغناء الباروكي، من الكولوراتورا، والوثبات والانتقال المفاجئ وارتعاشات الصوت، والزخارف الصوتية الدقيقة والحليات الرفيعة والتزيين، كما تظهر جمال الآلات الموسيقية الخاصة بموسيقى الباروك وعلى رأسها العود الباروكي، تلك الآلة الجميلة التي أخذتها أوروبا عن العرب. يشبه العود الباروكي العود العربي، لكنه أكبر حجما ويتميز بالذراع الطويلة جداً والأوتار بالغة الطول، ويضفي صوته الشجي جمالاً أخاذاً على اللحن المعزوف، بالإضافة إلى الهاربسيكورد والتشيللو الباروكي وبقية الآلات الوترية التي تعزف تلك القطع، في نوع يعد من أرقى وأصعب أنواع الغناء، حيث الجمل الطويلة التي تتطلب الكثير من الحيل الأكروباتية الصوتية. والتعبير عن الكثير من المشاعر، من غناء الغضب والحب والرقة والعذوبة والمرح إلى آخر ما تجيش به أوبرات هاندل بمواضيعها الخالدة من مشاعر وأحاسيس.

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية