الذكاء الاصطناعي ومآلات التكنولوجيا

تصاعد السباق التكنولوجي بين الدول الصناعية بحدّة، خصوصا في مجال الذكاء الاصطناعي الذي أصبح يشغل بال العالم على نطاق واسع. فمنذ عقود بدأ السجال محتدما حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة، بعد تصاعد الخشية من تلاشي الدور البشري في الأداء اليومي في مقابل توسع دائرة الآلة.
كان السجال آنذاك يتمحور حول «مكننة» مجالات العمل ومدى انعكاسها على المسار البشري. لكن الجدل الحالي تجاوز ذلك بعد أن أصبحت المكننة واقعا ملموسا ضمن حالة من التوازن مع دور الإنسان.
وفي الأعوام الأخيرة أصبح الجدل يدور حول توسع مجال الذكاء الاصطناعي الذي ساعد على بناء «الإنسان الآلي» المتمثل بالروبوت القادر على أداء مهمات كان أداؤها محصورا بالإنسان. ويوما بعد آخر تتطور أساليب التصنيع والبرمجة حتى بلغت المستوى الحالي الذي أصبحت الآلة فيه قادرة على ممارسة ما يمكن تسميته «التفكير». وتوسعت دائرة الذكاء الاصطناعي بشكل كبير حتى بلغ ذروته في الأسابيع الأخيرة بإعلان الصين تحقيق اختراق جديد أدخل القلق في قلوب الأمريكيين. فقد برزت شركة «ديب سيك» الصينية كعنصر جديد يقلب الموازين ويعيد صياغة قواعد اللعبة التقنية. فقد استطاعت تحقيق اختراق نوعي في تطوير نموذج لغوي كبير، مستخدمة موارد محدودة مقارنة بمنافسيها في الولايات المتحدة مثل الذكاء الاصطناعي المفتوح «أوبن إيه آي» و«غوغل».
الصراع هذه المرة يتوسع ليشمل مجالات عديدة. فهو تنافس اقتصادي لاكتساح الأسواق العالمية، كما يشمل الأبعاد الأخلاقية لهذه التطويرات التي أصبحت، في نظر الكثيرين، تحدّيا للجنس البشري، بالإضافة لأبعادها السياسية في إطار السباق الدولي من أجل الهيمنة على العالم، خصوصا بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية. هذا الصراع لم يأت من فراغ، بل تحدث عنه المتنبئون وفي مقدمتهم الفرنسي نوستراداموس في القرن السادس عشر. فقد قرأ مستقبل البشرية وتحدث عن صراع عالمي بين الغرب متمثلا بأمريكا والشرق بريادة الصين. هذا الصراع بدأت ملامحه منذ عقود، بعد أن بدأت الصين تتوسع في مجالات التصنيع التكنولوجي. وكانت أمريكا تتحسس منها بشكل لافت للنظر. فما أن عبرت السفن الحربية الصينية بحر الصين الجنوبي متجهة شرقا نحو تايوان العام الماضي، حتى تحركت القطع البحرية الأمريكية وأطلقت صفارات الإنذار من وقوع مواجهات بين الطرفين. كان ذلك مؤشرا لتحسس أمريكا من توسع النفوذ الاقتصادي الصيني الذي بدأ يتصاعد منذ السبعينيات. كما أن تنصيب الصين صواريخ في المنطقة استفز واشنطن بشكل كبير. وسعت أمريكا في الخريف الماضي لمواجهة ذلك بفرض زيادات كبيرة في الرسوم الجمركية على الواردات الصينية، بما في ذلك رسوم بنسبة 100 في المائة على المركبات الكهربائية، لتعزيز الحماية للصناعات المحلية الاستراتيجية من فائض الطاقة الإنتاجية التي تقودها الدولة في الصين. وقبل يومين أضاف ترامب المزيد من الضرائب على الصين وكندا والمسكيك. هذا برغم أن أمريكا حافظت على تقدمها في التكنولوجيا العسكرية وتكنولوجيا النانو.

توسعت دائرة الذكاء الاصطناعي حتى بلغ ذروته بإعلان الصين تحقيق اختراق جديد أدخل القلق في قلوب الأمريكيين. فقد برزت شركة «ديب سيك» الصينية كعنصر جديد يقلب الموازين ويعيد صياغة قواعد اللعبة التقنية

الشعور الأمريكي بالعجز عن الحفاظ على مركز الريادة التكنولوجية تعمّق في إثر حادثة التصادم بين طائرة عسكرية عمودية وطائرة مدنية الأسبوع الماضي، أدت لوفاة قرابة السبعين شخصا. واعتبر ذلك إخفاقا في مجال التكنولوجيا لا يتناسب مع الموقع الأمريكي. فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ركّزت أمريكا على البحث العلمي والتصنيع التكنولوجي لتتربع في ذروة التقدم العلمي البشري، ولكنها بدأت طريق التراجع في السنوات الأخيرة. كانت سبّاقة لسبر أغوار الفضاء وأطلقت العديد من المركبات الفضائية لكنها أصيبت بانتكاسة كبيرة عندما انفجرت المركبة «تشالنجر» في 1986 وقُتل رواد الفضاء السبعة الذين كانوا على متنها. فأصدر الرئيس الأمريكي آنذاك رونالد ريغان أول قرار يقضي بحظر إطلاق الأقمار الصناعية التجارية، والعمل بالموازاة على تعزيز الجهود العسكرية لتطوير صواريخ إقلاع بديلة. وبعد استئناف برنامج مكوك الفضاء المتوقف بسبب الحادثة، وقعت عام 2003 حادثة مأساوية أخرى بعد أن تعرض مكوك كولومبيا للانفجار إبان اختراقه الغلاف الجوي، وتوفي رواد الفضاء السبعة الذين كانوا على متنها. هذه التراجعات تَوازى معها برنامج فضائي روسي استطاع إيصال الإنسان إلى الفضاء ليبقى فترة طويلة غير مسبوقة.
الواضح أن أهداف أبحاث الفضاء الأمريكية، تتغير باستمرار مع وصول كل رئيس جديد إلى البيت الأبيض. وقد أعلن الرئيس دونالد ترامب عن خطط لإرسال رواد فضاء إلى المريخ. وبعد إعلان الرئيس ريغان في الثمانينيات عن برنامج أطلق عليه آنذاك «حرب الفضاء» تراجع الاهتمام الأمريكي بذلك وبقي مجمّدا. وفي الأسبوع الماضي قالت الولايات المتحدة أن لديها معلومات استخباراتية جديدة متعلقة بجهود روسيا لنشر نظام نووي مضاد للأقمار الصناعية في الفضاء. وقد تم إطلاع الكونغرس وحلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين على تلك المعلومات الاستخباراتية، التي وصفها بعض النواب بـ«الخطيرة بدرجة كافية بحيث يجب رفع السرية عنها وإعلانها». وقبل أربعة أسابيع قالت وكالة الفضاء الروسية إن رائد الفضاء الروسي أولوك كونونينكو سجّل رقماً قياسياً عالمياً لأطول وقت يقضيه إنسان خارج الأرض متجاوزاً مواطنه جينادي بادالكا الذي سجل أكثر من 878 يوماً. هذا السباق المحتدم في الفضاء يجد له انعكاسات مماثلة على مستوى الذرة والتكنولوجيا والفضاء السيبراني. وبدأت روسيا تتحرك لفك عزلتها التي فرضها الغرب في ذلك المجال. فقبل 15 عاما تقريبا دفعها الخوف من تداعيات الاعتماد على التكنولوجيا الغربية، وبخاصة إمكانية استغلال الغرب لها في التجسس على روسيا والتحكم وإثارة الثورات فيها لتطوير أبحاثها خصوصا في ضوء استهدافها الالكتروني منذ تدخلها في أوكرانيا.
في الوقت الحاضر تبدو أمريكا أكثر تركيزا على صياغة سياسات اقتصادية وسياسية تجاه الصين. وبعيدا عن الحرب التي تنبّأ الفرنسي نوسترادموس وقوعها هذا العام بين البلدين «الخصم الأحمر سيصبح شاحبًا من الخوف، مما يضع المحيط العظيم في حالة من الرهبة».، فإن القلق الأمريكي هذه المرة منطلق من شعور الولايات المتحدة بالقلق من التطور التكنولوجي الصيني. وهنا يساور الأمريكيين الخشية من احتمال تكرر ما أطلق عليه «أزمة سبوتنيك» عندما فاجأ الاتحاد السوفياتي، في ذروة الحرب الباردة في أكتوبر 1957 العالم بإطلاق أول قمر صناعي (سبوتنيك 1). كان هناك اعتقاد سائد بين السياسيين بالتفوق الأمريكي في أبحاث الفضاء والتكنولوجيا الصاروخية، لكن السوفيات أثبتوا خلاف ذلك. هذه المرة أحدث الإعلان الصيني عن استخدام نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني «ديب سيك» (DeepSeek) بعد إطلاقه في أوائل الشهر الجاري هزة في أسهم شركات التكنولوجيا العالمية. ففي يوم واحد فحسب خسرت الأسهم الأمريكية أكثر من تريليون دولار! ونجم عن ذلك انخفاض مؤشر NASDAQ بأكثر من 600 نقطة (-3.07 في المئة) وتراجع مؤشر ستاندارد أند بور 500 نقطة 1.46في المئة (88 نقطة) ليغلق عند 6,012 نقطة في ذلك اليوم. ولوحظ كذلك أن نظام ديب سيك تصدّر قائمة التنزيلات بين تطبيقات هاتف «آيفون» الذي تنتجه شركة «آبل» واحتل المرتبة الأولى في متاجر تطبيقات «آيفون» في كل من أستراليا وكندا والصين وسنغافورة والولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وقد وفر ذلك للصين قدرة تنافسية غير مسبوقة في قطاع الذكاء الاصطناعي على نحو مشابه للمنافسة القوية التي تشكلها بكين عالمياً في قطاعي الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية.
والسؤال هنا: ما مدى صدقيّة ردود الفعل التجارية والعلمية إزاء الإعلان عن نظام ديب سيك؟ أهو فقاعة عابرة؟ أم تحوّل حقيقي في نماذج اللغة الكبيرة التي تُعرف بـ LLM، وهي نماذج تعليم عميق كبيرة جدًا مدرَّبة مسبقًا على كميات هائلة من البيانات. المُحوّل الأساسي هو مجموعة من الشبكات التي تتكون من وحدتَي تشفير وفك تشفير مع قدرات الانتباه الذاتي. تستخرج وحدتَا التشفير وفك التشفير المعاني من تسلسل نصي، وتفهمان العلاقات بين الكلمات والعبارات الموجودة فيها.
الأمر المؤكد أن التكنولوجيا التي أنتجت ديب سيك تمثل تحولاً نوعياً في مجال الذكاء الاصطناعي.. كذلك يتيح ذلك التقدم تطوير تقنيات قادرة على اكتشاف التهديدات السيبرانية المتقدمة والتعامل معها بطرق استباقية.

كاتب بحريني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية