غواية الكتابة

للكتابة رفعتها الاستثنائية، التي تتميز بها داخل إمبراطورية التفاعل العظمى المتوزعة على أطراف الكون، مقارنةً بمختلف التراسلات الفيزيائية القائمة بين مكوناته، والتي تنتظم بها إيقاعاتُه وحركيتُه. إذ مهما تألقت هذه التراسلات في إنجاز مهامها التواصلية، فإنها لن ترقى إلى مستوى المنجز اللغوي المُدَوَّنِ في مدارات الكتابة، حيث يتبين وبالملموس، أن الكائن البشري، بالنظر لامتلاكه مَلَكة الكتابة، يتميز بحظوة متسامية ومفارقة، تعلو به على غيره من الكائنات بمختلف تراتبياتها الطبيعية، الحية والجامدة.
ونقصد بها على سبيل المثال، الأجرام السماوية المنتشرة على امتداد مدارج السماوات السبع، والأعداد اللامتناهية لقَيافِير النحل، ومستعمرات النمل، إلى جانب مدارات الكواكب، وطوابير الحيتان المهاجرة عبر المحيطات، دون إغفال المنصات المتناسلة من مختبرات الذكاء الاصطناعي، وكذا الجذور اللامرئية، التي تتلمس مسالكها في ظلمة الأعماق، فضلا عن الأدمغة الإلكترونية المحشورة داخل جماجم الريح. فمهما بلغَت أهمية التواصل القائم بين هذه الأقانيم، فإن الكتابة تبدو الأكثر جدارة من غيرها، بالتربع على مجموع ما تتباهى به إمبراطورية التواصل من عروش. وهي مكانة اكتسبَتْها على مرِّ الأحقاب، من قدرتها الإعجازية على الحديث باسم العناصر المرئية واللامرئية كافة، التي تتشكل بها عوالم الخَلْق والخليقة.

فَعَلى ضوء هذه المسَلَّمة، تعتبر الكتابة بمثابة العُلْبة السوداء، التي تعتمدها أزمنة الكون في توثيقها لِما تعايشه، وما تتخيله أيضا من سرديات، فرديةً كانت أم جماعيةً، ذاتية أم موضوعية، فبالإضافة لكونها الأداة المثالية لإنجاز فِعْل التدوين والتوثيق، فإنها تستمد ديناميتها كذلك من حيوية وحركية المعجم اللغوي، الذي يعتبر هو أيضا عُلبة بيضاء، يُؤتمَن فيها على صيانة أسماء أشياء الكون، بما يسنده إليها من توصيفات، ووظائف، وبما يترتب عن توليفاتها النظمية والاستبدالية من دلالات، غالبا ما تكون مقترنة بسياقاتها التداولية ومقاماتها الروحية. وفي ذلك تكْمُن قداسة وسحرية الكلمة، التي أشادت بقداستها النصوص الدينية بمختلف مرجعياتها، حيث تأخذ شكل رحِمٍ تنبجس منه مصائرُ وأقدار الموجودات دونما استثناء . فما من شيء واقعي أو متخيل، إلا ويحظى بحيِّزِه المعلوم في مُدَوَّنة المعجم اللغوي. مع الأخذ بعين الاعتبار، تربُّص اللغةِ، مكتوبةً كانت أو شفاهيةً، بكل الموجودات الجديدة الوافدة عليها من مجالي الوعي والإدراك، سواء بِشِقِّها المادي أو المجرد. والغاية من تربصها بالطارئ، هو إخضاعه لمنطق التسمية والتوصيف، كي يصبح مندرجا كباقي العناصر المتداولة ضمن سياق المعلوم، المؤطر بتوصيفاته اللغوية الدالة عليه. علما بأن قانون التسمية، هو الذي يتدخل في تحديد هوية الشيء، التي سيتميز بها عن غيره من الكائنات /الظواهر/ الأشياء. وهو الأصل في التجدد الدائم للُغة الكتابة، وفي تجاوزها المستمر، لكل ما يصبح مع الزمن لاغِيّاً، وفي حُكْم المنْسِيِّ والمهمل.

وبالنظر لهذه الشمولية اللامتناهية، التي تتسم بها الكتابة، والمجسدة في تملُّكها لأشياء الكائن والوجود، فإنها تظل المجال الأكثر قابلية لتفجير مختلف أنواع الاختلافات والصراعات، التي يحدث أن تنحرف بأزمنةٍ بشريةٍ كاملةٍ، إلى أقصى مستويات التناحر والصراع. وهي ظاهرة جد حتمية، بحكم احتواء الكتابة اللغوية على كل المسلكيات البشرية المراوحة بين نزوعاتها التدميرية والبناءة، ما يدعونا للقول إن الواقع هو نتاج المخاضات التي تعايشها لغة الكتابة، في حلها وترحالها، و ليس العكس. وهو الإطار ذاته الذي تندرج فيه النصوص التأسيسية للشرائع الدينية، بوصفها تعاليم سماوية موجِّهة للبشرية، كي تَعْتَبِر بحِكَمِها المستخلصة من عنف وضراوة الحروب الأبدية، الدائرة رحاها بين معسكرات الخير والشر. فرغم ما تتميز به هذه النصوص من بُعْدٍ إعجازي، يتمثل في تعالي كفاياتها الفكرية والتعبيرية عن محدوديةِ الكفايات البشرية، إلا أنها مع ذلك، تظل الجسر الواصل بين قداسة السَّماويّ وبشرية الأرضِيِّ، المشار إليهما أساسا بالمشترك التعبيري، الذي يتيح إمكانية تماسِّ وتجاورِ الذات الإنسانية بالذات الإلهية. ولنا في الخطاب الصوفي أكبر دليل على فاعلية هذا المشترك، حيث يتحقق وصول السالك باللغة وعبرها، إلى أعلى المقامات التي هي مقامات لغوية بامتياز. والشيء ذاته ينطبق على الكتابات الإبداعية التي تتطلع هي أيضا إلى ممارسة فِعل الغواية على قارئها الافتراضي، من خلال منافستها للنصوص المقدسة، حيث تحرص هي أيضا، على مجاوزتها للحد التعبيري البسيط، والارتقاء بجماليته التعبيرية وعمقه الدلالي، حتى يكون موضوع استقطاب القراءة المتطلعة إلى اجتراح دلالاتٍ جديدة ومغايرة، لتلك التي عوَّدَنا عليها الواقع.

وكما أن النصوص الدينية تستميل /تغوي قارئها بما تمدُّه به من تعاليم، تساعده على التطهر من أدران الأرضيِّ وضلالاته، فإن الكتابة الإبداعية تضطلع بدورها، وعلى طريقتها الخاصة، بمهام استنطاقها لدلالات الخلاص المؤازِرة للكائن في مواجهته لشراسة اليومي. من ذلك مثلا، إضاءاتها لدلالات أسئلة القتل والتقتيل، وأسئلة رتابة القول. إلى جانب دلالات رتابة المعيش، خاصة منها، أسئلة العقم الشامل الذي يحكم قبضته على ضمائر الكون.
والملاحظ أن الكتابة الإبداعية، وبقوة هذا التعدد الجامح الذي يسري في مفاصل حروفها، تمارس غوايتها على كل تلك النماذج المحتملة من الغاوين، حيث يبحث فيها كلٌّ منهم عن ضالَّتِه الشخصية، التي تُشفي غليل تعطُّشه للكشف عن الحقائق المعرفية ومقتضياتها. إنها ومن هذه الاحتمالات، تشحن لغة الذات بطاقة استثنائية، وتزرع فيها بِذرة الروح، فتوقظها وتحييها، وتعمل على تحْيِينها وإحيائها، لتصبح قادرة على النطق بضمير الأزمنة والأمكنة، ومصدرا للكشف عن الأسرار المجهرية، التي تُزوْبعها الحياة حولها، وحولنا.

وبالتالي، فإنها تفْتِنُك بمنهجية أخْذِها لك، وبمنهجية مُضِيِّها بك، إلى حيث تأمل أن تكون أنت، أو لا تكون. ثم إنها خلال ذلك، تمُدُّ الذات بإواليات التعرف والفهم، كما بإواليات التفكيك والتركيب، شبيهة في ذلك، بالوجهة المثالية المؤدية إلى كل الفضاءات التي تحلم الذات بالوجود فيها، والتي تساعدها على الاهتداء لمضاعفها، وعلى تلذذها بمعايشة ما كان إلى حين، في حكم المجهول أو الغائب، بصرف النظر عن دلالاته، وتصنيفاته الأخلاقية والاعتبارية. وبقوة هذه الإواليات، تكتشف الذات عبر جمالية الكتابة، إمكانية ممارستها لتعدداتها المباحة والمحظورة، حيث لا عين تتلصص هناك، ولا سمع يتربص بلحظة انبثاق الصوت أو الصدى.
ثم إن الكتابة، وعلى ضوء هذه الإشارات، هي التجسيد الرمزي للذاكرة الخصبة، المحتضنة لكل المراودات الإيجابية والسلبية الصادرة عن الكائن، وكذلك، هي الحصيلة الاستثنائية لكل تفاعل إنساني معلن أو مضمر، يمارس تقاطعاته الدائمة مع عنف أو سماحة الأمكنة، والأزمنة.
فثمة تتضح بجلاء، ملامحُ تأثيرها السحري، المجَسَّدة في تلك الانقلابَات الجذرية التي تطال ذات القراءة، كي تبادر بانتقالها من شرط ممانعتها المطلقة لِما تكون بصدد تمثله، إلى حالة تقَبُّلِه اللامشروط. وهي بامتياز، حالةُ الرغبةِ التي لا حدود لجموحها. أيضا، يمكن اعتبار الكتابة مرآتك التي تعكس ردود أفعالك تجاه الآخر، بما هو المجال الطبيعي والمعرفي، الذي تختبر فيه الذات الكاتبةُ والمتحدثةُ كفاياتها في القول والإنصات، كما في الكتابة وفي القراءة، فتشْحنُ بذلك فضولك بكل الألوان الرمزية والدلالية التي تتجلى بها كواكبُ المعلومةِ، ما يجعل منها الفضاء الأثير لممارسة كل أنواع التَّماهِيات، التي تكتشف فيها الذاتُ ذاتَها. كما يجعل منها في الآن نفسه، المَسْكن الأثير للسيدة الغواية. وكلها عوامل، من شأنها تكريس حضورها في صُلب الدرس الأكاديمي، بمختلف اختصاصاته المعرفية، دون أن يحُدَّ ذلك من شغَف سَيْرها بك في أثر الأضاليل، التي لا تَنِي تحتفظ بهالات غواياتِها. هناك، حيث يروق لتَرْنيمة الكتابة، أن تدُلَّك على منابع إيقاعاتها، أي على تلك الخلوات التي تأخذ فيها الذاتُ شكل آلة عنكبوتية، تترصد توجساتها الهادرة لحظة نزول ذبابة الخبر عليها، كي تتلقَّفها خلسة، بقبلتها العاشقة والمميتة في آن.
*شاعر وكاتب من المغرب

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية