الكلام «ببلاش»

أتذكر الابتهاج الذي عم الشارع الشرق أوسطي الإلكتروني تحديداً، حيث تتبدى ردود الفعل بوضوح اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حين أقر مجلس النواب الروسي قانوناً يمنع التحول الجنسي ويلغي عقود الزواج الخاصة بالمتحولين ويحرمهم تبني الأطفال، كما وتتبدى في الذاكرة ردود الفعل الإسلامية المبتهجة حين قبّل بوتين القرآن في مسجد النبي عيسى في العاصمة الشيشانية، وحين قدم تصريحات يداهن فيها المسلمين مؤكداً أنه يعتبر روسيا «جزءاً من العالم الإسلامي». يفرح الشارع العربي الإسلامي حين يُقال، والقول «ببلاش»، ما يرضي توجهاتهم ويأتي على هواهم، وفرحهم هذا يدفع بهم لنسيان شخص القائل ودوافعه، ويلهيهم عن التقييم الحقيقي لما يقوله من حيث صحته وعدالته وإنسانيته. فهذا البوتين، الذي يدير أرضاً هي مسقط رأس ماركس، ومجتمعاً بني إلى حد كبير على أيديولوجيته التي يعتبرها المسلمون أيديولوجية تكفيرية، هذا البوتين الذي طالما كان عدواً للمسلمين ومنتهكاً لحرية جاليتهم على أرضه، هذا الغازي لأوكرانيا والحليف لإيران تحول بعد تصريح وقُبلة ليس فقط إلى صديق، ولكن كذلك إلى مثال يعتد به. وبين يوم وليلة، تحول الإسلاميون من لعن بوتين إلى الاستشهاد به: انظروا، حتى بوتين يرفض هذا التنوع الجندري، تلافياً للألفاظ التي يستخدمها هؤلاء، وكأن هذا الملعون يوم أمس فتحت له أبواب الجنة اليوم.
وها هو ملعون جديد يلاقينا بذات التصريحات: «من اليوم، ستكون السياسة الرسمية للحكومة الأمريكية بأن هناك فقط نوعين من الجندر: ذكر وأنثى»، دون أن يعي أن الجندر ليس هو الجنس، وأن التصنيف الجنسي المحدود بالذكورة والأنوثة يختلف عن التصنيف الجندري المتسع والمتنوع تنوع الأجساد والسيكولوجيات البشرية والمحتوي لكل تفاوتاتها، والتي هي تفاوتات شاسعة تكاد تصنع من كل جسد وسيكولوجية بشريين صنفاً متفرداً. إلا أن هذا الملعون ذاته هو من رفع كل الجزاءات عن المستوطنين العنيفين في الضفة الغربية المحتلة فور توليه المنصب، وهو ذاته الحبيب الوفي «لبيبي» رئيس الوزراء الإسرائيلي ومجرم حرب الإبادة الأبشع في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وهو ذاته من دفع بنقل السفارة الأمريكية للقدس في 2018، ومن أعلن مساندته غير المشروطة للكيان الصهيوني المغتصب، وهو ذاته من يدفع بالدول العربية بل ويضغط عليها ويلزمها إلزاماً، ودول الخليج تحديداً، للتطبيع الكامل الشامل مع إسرائيل. تُرى، كيف سيقيمه العرب والمسلمون اليوم؟ هل سيستخدمون المنطق الهش أن الحقير ممكن أن ينطق بشرف أحياناً؟
لا أنفي أبداً أن الغرب، بيساره الذي طالما كنت أحترم أيديولوجيته، قد جن جنونه مؤخراً في موضوعي التصنيف الجنسي والتحرر الجندري، وهما موضوعان علميان أيديولوجيان فلسفيان يحتاجان إلى علماء حقيقيين وبحوث مكثفة لسبر أغوارهما وضمان العدالة والمساواة والمعاملة الإنسانية للمعنيين بهما. كعادة الغرب، ولربما البشرية عموماً، انطلق إعلامياً وبالغ تنفيذياً واستمرأ حوارياً، حتى بات الحق الجندري يجب كل بقية الحقوق، وحتى وصلت عملية التحرر البيولوجي والجندري إلى مرحلة الطفولة، تمكيناً للأطفال من قرار يكبرهم بعقود، وتسليماً لهم لفرصة للتنفيس وإظهار الاختلاف وأحياناً العناد والتمرد من خلال قرار قد لا يمت لحقيقتهم بصلة، وقد يدمر حياتهم الجسدية والنفسية إلى الأبد. لقد انطلقت هذه الحركة التحررية العلمية الإنسانية على مداها وتباعداً عن أهدافها العلمية والإنسانية الأصلية حتى تعدت على البشر الآخرين وحقوقهم وإنسانيتهم، وبدأت بفرض مفرداتها على غير الراغبين أو المؤمنين بها بل وبمعاقبة المنتقدين والرافضين. فكعادتنا نحن البشر، نأتي على أي أيديولوجية نؤمن بها حباً وعبادة وتطرفاً حتى نهدمها من الداخل ونفرغها من محتواها.
ولكن، اعترافاً بكل ذلك، لا بد من التأكيد كذلك أن كل هذا الجنون والتطرف لا ينفي أهمية مراجعة التقسيم الجنسي والتصنيف الجندري بدءاً بفهم الفرق بينهما. يتنوع البشر باتساع يفوق تصوراتنا، والحصر العلمي لكل جسد بشري بين نوعين، وإن كان لهما أساس بيولوجي بحت، قد يكون منظوراً ضيقاً. أما الحصر النفسي لكل البشر في تصنيفين جندريين محددين فهذا ما يتباعد وأي فهم حقيقي لعمق وتعقيد جنسنا البشري. يتطلب الموضوع فهماً للفرق بين الجنس والجندر، ومن ثم فهم التنوع البيولوجي للأجساد البشرية، ثم فهم للتفاوت السيكولوجي للأذهان البشرية، فنحن جنس أبعد ما يكون عن البساطة والمباشرة، ولضمان العدالة لا بد من الأخذ بعين الاعتبار كل التنوعات والمتغيرات التي تطال الأجساد والأذهان.
هذا الكلام الذي (بلا شك بالنسبة لي) أراه متزناً وعلمياً، سيحتقره الشارع العام ويرفضه؛ ذلك أن الجموع بطبيعتها مندفعة وغير مقادة بعلم أو منطق، كما وسيرفضه قادة مثل بوتين وترامب، ليس فقط عن جهل، ولكن عن مصلحة، فشعبيتهما ومصالحهما السياسية توجب عليهما هذا التوجه، التوجه الذي تراه الجموع العربية الإسلامية نبيلاً وأخلاقياً دون تقييم حقيقي لحامله، والعجيب أن حامليه هما ديكتاتور مهووس مرعب، ومنحرف جنسي مثقل بقضايا تحرش لا عدد لها.
نعم ودون أدنى شك، الرأي يتأثر بصاحبه، وحين تتبدى مثل هذه الآراء حول قضية علمية إنسانية شائكة مثل قضية التعدد الجندري من شخص مثل بوتين وآخر مثل ترامب، لا يفترض أن يفرحنا ذلك بالرأي ويدفعنا للثناء عليه، وإنما يفترض أن يشككنا به وينفرنا منه. والآن، هذا الترامب المجرم المساهم في أكبر جريمة إبادة في التاريخ، أين سنضعه وآراءه، وكيف سنصنفها؟ لست هنا في عارض استخدام القضية الفلسطينية النبيلة الإنسانية الأولى لاجتذاب التأييد والموافقة، ولكنني بالتأكيد أستخدمها معياراً، وهي كذلك منذ بدأت، وبالنسبة لي شخصياً منذ وعيت على الدنيا، فتقييمي للأفراد ينبع، قولاً واحداً، من طبيعة موقفهم تجاه القضية الفلسطينية. وعليه، أتساءل: هذا الترامب بموقفه من القضية الفلسطينية، ألا يستدعي التشكك ويستوجب المراجعة لكل آرائه الأخرى؟

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية