ما يأمله السوريون من أشقائهم العرب

جانبلات شكاي
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي»: ما زال السوريون ينتظرون كيف ستحول الحكومات العربية وعودها وتصريحات قادتها للوقوف إلى جانبهم ومساعدتهم، إلى واقع يتلمسونه في حياتهم اليومية التي باتت أشبه ما تكون بالجحيم من أي شيء آخر.

ولطالما سمع السوريون الكثير من الوعود، حتى في عهد رئيس النظام السابق بشار الأسد، ولكن وتيرة وحجم هذه الوعود، زادت بشكل لافت منذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر الماضي، بعد إسقاط الأسد وحكمه، ولم يمر يوم خلال الشهر الماضي، إلا وحمل معه الكثير من الآمال لشعب أوصله لصوص وفاسدو العهد البائد، إلى حافة القبر، باعتراف تقارير المنظمات الأممية.
ويرجع معظم متابعي الملف السوري، سبب تأخر العرب عن مد يد المساعدة جدياً، رغم قرار إعادة دمشق للحضن العربي منذ أيار/مايو 2023 حين تقرر فتتح باب الجامعة العربية أمام العاصمة السورية، إلى عدم تنفيذ النظام السابق، خريطة طريق تم التوافق عليها من لجنة المتابعة العربية الخاصة بسوريا، تقوم على وقف تهريب المخدرات عبر الحدود، وحل ملفّ اللاجئين السوريين في دول الجوار، وإطلاق دور عربي قيادي للتوصل إلى حل سياسي، مع اتخاذ خطوات عملية وفاعلة للتدرج في الحل، وفق مبدأ «الخطوة مقابل الخطوة» وبما ينسجم مع قرار مجلس الأمن رقم 2254.
وظلّ حجم النفوذ الإيراني في سوريا، أحد أبرز أسباب تردد العرب في العودة بقوة إلى دمشق، إلى جانب السبب الرئيسي الآخر الذي يتمثل بالعقوبات الأمريكية التي قيدت أيديهم، ولكن مع إسقاط نظام الأسد، وإنهاء الوجود الإيراني في سوريا، وتقزيم الدور الروسي، ومن ثم إعادة افتتاح سفارات دول ظلت تعارض التطبيع مع نظام الأسد وفي المقدمة منها قطر وتركيا، واستقبال دمشق لمسؤولين غربيين كبار، بمن فيهم الذين وصلوها من واشنطن، يمكن القول إن خريطة الطريق العربية، التي كان مطلوباً من نظام الأسد تنفيذها، يبدو أنها انزاحت لترثها الإدارة السياسية الجديدة في دمشق، وإن بشروط ميسرة أكثر، وهو ما ظهر جلياً فيما صدر عما عرف بـ«اجتماع العقبة» في الرابع عشر من الشهر الماضي، عن لجنة الاتصال الوزارية العربية التي ضمت الأردن والسعودية والعراق ولبنان ومصر، وأمين عام جامعة الدول العربية، إلى جانب حضور وزراء خارجية قطر والإمارات والبحرين وتركيا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، والمبعوث الأممي إلى سوريا.
«اجتماع العقبة» انتهى بالدعوة لعملية انتقالية سلمية سياسية سورية- سورية جامعة ترعاها الأمم المتحدة والجامعة العربية، وأدان الاجتماع توغل إسرائيل داخل المنطقة العازلة مع سوريا، وطالب بانسحابها، وأكد الوقوف إلى جانب الشعب السوري واحترام خياراته، ودعم عملية انتقالية سلمية تمثل كل القوى السياسية والاجتماعية.
وهكذا، فإن فرحة السوريين المهشمين، بتنفسهم لهواء الحرية أخيراً، وبالتخلص من نظام جثم على قلوبهم وكتم أنفاسهم، لأكثر من خمسة عقود، يكاد يعكّرها التردد العربي بمد يد المساعدة السريعة، بعد انتهاء الأسباب التي كانت تدفعهم سابقاً للتحفظ، وأيضاً بعد أن خففت واشنطن عقوباتها، فباتت تسمح لمنظمات الإغاثة والشركات بتقديم الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي، كما تسمح بالمعاملات التي تدعم بيع أو توريد أو تخزين أو التبرع بالطاقة، بما في ذلك البترول والغاز الطبيعي والكهرباء، داخل سوريا.
الرسائل التي حاولت دمشق بإدارتها الجديدة، توجيهها إلى الأشقاء العرب تجلت في اختيار الرياض كأول محطة خارجية لوزير خارجيتها أسعد الشيباني، وأتبعتها بالعديد من العواصم العربية، قبل أن يتجه الشيباني إلى أنقرة على الرغم من العلاقات العضوية التي جمعت رموز الإدارة الجديدة مع الحكومة التركية.
دمشق الرسمية، مدت يدها السياسية أولاً باتجاه العرب، علها توازن بثقلهم الكفة المائلة لصالح أنقرة، ولا تقع مرة أخرى بذات المعضلة، عندما كانت الكفة في عهد النظام السابق، مائلة باتجاه طهران.
والعرب عموماً، باستثناء الدوحة، ما زالوا يمارسون ذات اللعبة، ويبدو أنهم لن يندفعوا نحو عاصمة الأمويين، إلا بعد الحصول على تطمينات يطالبون بها، وإن كان البعض يرى بأن الأثر سيكون أكثر جدوى لو عملوا على دعم الإدارة الجديدة ومدوها بعوامل القوة ليتفاوضوا لاحقاً من داخل اللعبة، وليس من خارجها، لتعديل الواقع السوري خطوة خطوة.
والعرب إن تأخروا، سيجدون النفوذ التركي يتمدد مرة أخرى على حسابهم، على الرغم من الجهود المصرية والسعودية والإماراتية المتواصلة منذ فترة ليست بالقصيرة، لمحاصرة نفوذ أنقرة المتمدد بما يعتبرونه تدخلاً بالأمن القومي العربي. وبعيداً عن الكلام المعسول، وبعض المساعدات التي تصل في معظمها جواً تحت أضواء كاميرات المحطات الفضائية، وهي لا ولن تسد رمق الجائعين، وحدهم ربما، القطريون والأتراك من يتحرك على الأرض لمد يد المساعدة الجدية، إن بالدعم المالي المباشر لتمويل خزائن الدولة المنهوبة، وتأمين رواتب الموظفين، أو بتأمين الكهرباء وحوامل الطاقة الأخرى، وإذا ما تم فعلاً تزويد سوريا بالكهرباء من قطر وتركيا، وانعكس ذلك بزيادة ساعات الوصل التي لا تتعدى حالياً سوى ساعتين مقابل 22 ساعة من قطع التيار، فإن عجلة الاقتصاد ستبدأ بالدوران، وسيدرك حينها المواطن السوري من ساعده على إنارة عتمة لياليه، ومن باعه الأحلام.
إدارة العمليات العسكرية، التي باتت تتحكم بالأوضاع في العاصمة دمشق، أعلنت صراحة أنها ليست بصدد توتير علاقاتها مع أي من الجوار بمن فيهم إسرائيل، فالسوريون تعبوا من الحرب، وأولوياتهم باتت تنصب نحو الأمان وتأمين قوت يومهم، حتى أن قائد الإدارة الجديدة أحمد الشرع في تصريحاته التي أطلقها خلال مؤتمر صحافي مشترك من دمشق مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الخميس، كرر مرات عدة وصفه التوغل والعدوان الإسرائيلي ضمن الأراضي السورية في هضبة الجولان بـ«التقدم» في المنطقة العازلة، وقال إن إدارته أبلغت الأطراف الدولية باحترام سوريا اتفاقية فض الاشتباك الموقعة برعاية أمريكية عام 1974، وأن دمشق «مستعدة لاستقبال قوات أممية وحمايتها في المنطقة العازلة، لعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل التقدم الإسرائيلي»، وأنه سيكون لقطر «دور أساسي في تشكيل موقف ضد التقدم الإسرائيلي وستقوم بدور فاعل في الأيام المقبلة» في إشارة منه إلى الدور الذي لعبته الدوحة لوضع حدّ ونهاية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
على المستوى المعيشي، لا نبالغ إن قلنا بأن أكثر من 80 في المئة من مشاكل سوريا، ستنتهي مع تأمين الكهرباء، وعلى المستوى السياسي، فإن من يستخدم نفوذه وعلاقاته ليضع حداً للتوغل والعدوان الإسرائيلي في هضبة الجولان، ومن يستخدم نفوذه لإعادة توحيد وإنهاء قضية انقسام البلاد طولياً بين غربها وشرقها، هو من سيساعد السوريين اليوم لتجاوز هذه المعضلات الوجودية، والحفاظ على كيان دولتهم، وهو من سيتذكرونه بالتأكيد.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية